يرجى تدوير الجهاز الى الوضع العامودي للحصول على افضل طريقة عرض لموقعنا

ممدوح الشيخ 

وحدة الدراسات 

 

نشوء المجتمع المدني وصراع القيم

كثر الحديث في الآونة الأخيرة في المملكة العربية السعودية عن المجتمع المدني ، ورغم أن هذا المفهوم لا يزال في طور التشكل ، حيث إنه وفقاً لمقولة " الطاهر لبيب " مفهوم " بلا تاريخ " ، إلا أنه من الملاحظ أن بعض الأدبيات السعودية قد وسع استخدامه وأعطاه معاني جديدة غير مألوفة خرجت به عن معناه المعرفي المعروف ، ويبدو أن كثرة الحديث عن المجتمع المدني في المملكة ، يرتبط إلى حد كبير ، بمشروع التحديث السياسي الذي أعلنت عنه القيادة السعودية مؤخراً ، حيث كثر الجدل في أوساط النخبة السعودية حول ما إذا كان ذلك يتطلب أولاً قيام المجتمع المدني في المملكة ، أو أنه يمكن القفز على مرحلة المجتمع المدني والبدء في المشاركة السياسية من خلال الانتخابات العامة ، سواء كانت جزئية أو كلية () .

وتتفاوت التعريفات التي قدمت لمفهوم المجتمع المدني ، بين تعريف محافظ ومختصر ، يعرف المجتمع المدني بأنه " مجتمع غير الرسمي وغير القبلي " ، إن غير الرسمي تعني استقلالية مؤسسات المجتمع المدني عن الحكومة ، أي أن الاستقلال يعتبر شرطاً ضرورياً لتشكيل المجتمع المدني ، فكلما زاد تدخل الحكومة في مؤسسات المجتمع المدني ضعف المجتمع المدني وتلاشت الحدود بينه وبين المجتمع السياسي ، وكلما قل تدخل الدولة في مؤسسات المجتمع المدني نهض المجتمع وبدأ يؤدي وظيفته ودوره المطلوب في التحديث السياسي ، وبالعودة إلى التعريف السابق نشير إلى أن كون المجتمع المدني غير القبلي تعني أنه مجتمع مدني وأن مؤسساته هي تلك التي ينشئها المواطنون لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، فهي إذن مؤسسات إرادية يقيمها المواطنون بمحض إرادتهم على خلاف مؤسسة مجتمع البادية - القبيلة - التي تتميز بأنها مؤسسة طبيعية يولد الفرد منتمياً إليها ، وينشأ منسوباً لها ، ولا يستطيع الانسحاب منها ، ويرى محمد عابد الجابري أن هذه مسألة لا يجوز أن تكون محل خلاف بين المهتمين بمفهوم المجتمع المدني () .

وقد أشار باحثون عديدون إلى وضع " المدينة " في نشأة المجتمع المدني في الدولة المعنية ، وخصوصاً مسألة ما إذا كانت قيم وسلوك المدينة هي التي تهيمن على مجتمع المدينة ، أم أن قيم وتقاليد الريف هي المهيمنة ، ولا ينظر إلى المدينة بوصفها مبانٍ حديثة وحسب ، بقدر ما هي قيم يعكسها السلوك ، وضمن ذلك نمط الاستهلاك والتغير الذي طرأ على أولوياتهم . 

ويطرح المفكر الأمريكي المعروف"  فرانسيس فوكوياما " مسألة ذات صلة في نهوض المجتمع المدني هي الاعتراف بحريات وحقوق معينة للمواطن في الدولة غير خاضعة لسيطرة الحكومة ، وهذه الحريات والحقوق تمثل جسراً للتواصل بين المجتمعين المدني والسياسي ، ويمكن تلخيص هذه القيم في : توفير الحرية للأفراد وحماية حقوقهم والحد من هيمنة الحكومة عليهم ، ولذا اهتم " فوكوياما " بما أسماه : " الليبرالية السياسية في مجتمع الدولة " ، التي عرفها بأنها : " قاعدة قانونية تعترف بحريات وحقوق معينة للفرد غير خاضعة لسيطرة الحكومة " ، وبدون هذه الحريات والحقوق لا ينهض المجتمع المدني ولا يكون للتحديث السياسي أي معنى () .

ولعل هذا يفرض ضرورة التعرض أولاً لقضية صراع القيم الكامن وراء عملية تمكين المجتمع المدني عربياً .

 

نشوء المجتمع المدني وصراع القيم

ما يشير إليها عضو مجلس الشورى السعودي " محمد إبراهيم الحلوة " حول القيم السائدة في مجتمع ما وصلتها بنشوء المجتمع المدني أحد القضايا النظرية المهمة المتصلة بالأبعاد الثقافية والقيمية – وتالياً والاجتماعية والسياسية – لتمكين المجتمع المدني ، وقد أشار النائب السعودي إلى ما اعتبره المفكر الأميركي " فرانسييس فوكوياما " القيم المدينية وليس مجرد سكنى المدن ، والسائد في العلوم الإنسانية أن قيم المدينة نقيض لنمطين مغايرين  يبدوان متشابهين هما قيم " الريفية " و" البداوة " ، ولما كان التحول من حزمة قيم إلى أخرى هو في النهاية " انتقال " فقد وجبت التفرقة بين نوعين منه : " التغير " و" التغيير " .

والمصطلحان متقاربان الناحية الإملاء – الشكل - وبينهما حرف واحد ، وبينهما من ناحية المعنى – المضمون - فرق كبير ، فالتغير تحول تلقائي وفق قوانين داخلية يمكن القول إنها سنن كونية لو تركت المجتمعات البشرية فستنتقل وفقا لها من طور إلى آخر من أطوار التحول الاجتماعي ، أما التغيير فعمل مخطط سلفاً لتحقيق غايات معدة مسبقا ، وقد ارتبط مفهوم التغيير أولاً بظهور " الدولة القومية " كشكل للتنظيم السياسي ، ويعتبر المؤرخون " صلح وستفاليا  1648 " لحظة ميلادها الحقيقية ، لكن ميلاد الدولة القومية أدى – من ناحية أخرى – إلى ميلاد ظاهرة أخرى هي النزوع المتزايد إلى التحكم في العوامل الحاكمة لعملية " التغير " ليحل محلها " التغيير " ، ومن أهم نماذج هذا النزوع ما يرويه الأكاديمي الأميركي " والت ج. أونج " في كتابه " الشفاهية والكتابية " (3) ، يقول حرفياً : 

" ليس ثمة من عمل يتناول التفكير الإجرائي أكثر فائدة للدراسة الراهنة من كتاب " أ. ر. لوريا " التطور المعرفي: أسسه الثقافية والاجتماعية 1967 ، فبناء على إيحاء من عالم النفس السوفيتي الفذ " ليف فيجوتسكي " قام لوريا ببحث ميداني واسع على أشخاص أميين - أي شفاهيين - وأشخاص كتابيين إلى حد ما في المناطق البعيدة من أوزبكستان - مسقط رأس ابن سينا - وقيرغيزيا في الاتحاد السوفيتي خلال العامين 1931 – 1932" () ، وقد كشفت الدراسة للمرة الأولى عن صلات وثيقة بين الكتابية بين التقدم بمعانيه كافة ، حيث الشفاهية من العقبات الكؤود في وجه إنتاج العلم وقبول الديموقراطية . 

وقد شهد العالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين تحولاً لفت نظر الباحثين كانت سمته الرئيسة موجة واسعة من الترييف للمدن العربية أعقبت تجربة " تمدين " متفاوتة الوتيرة بدأت عقب الحملة الفرنسية على مصر (1798 – 1801) ، والذي يلفت الانتباه في هذه الموجة أنها اقترنت بتولي نخب التحرر الوطني الحكم عقب رحيل الاستعمار ، وبينما كان الاتجاه في كثير من تجارب الاجتماع الإنساني في الشرق والغرب هو التحول من سكنى الريف إلى سكنى المدن فإن الاتجاه في كثير من الدول العربية كان " ترييف " المدن .

والترييف يتعدى كونه مظهراً اجتماعياً ليكون منظومة متكاملة من المفاهيم والرموز والميول النفسية ، ومن الناحية السياسية كان الترييف انقطاعاً في مسيرة تأسيس " دولة المؤسسات " التي تقترن فكرة إنشائها بالحياة في المدينة مقابل سيادة العلاقات القرابية والطبقية في الريف ، فكانت نتيجة الترييف سيطرة قيم قروية على المؤسسات، ومفهوم " المؤسسة " يقترن بمفاهيم ويحمل في جوهره منطقاً محدداً ، وفلسفة وملامح خاصة أهمها : الموضوعية ، والتعددية ، وتحييد المشاعر ، وحرية تداول المعلومات ، واعتبار الموظف رصيد إنساني ومهني ، وقد كان الإجماع عليها في الواقع والممــــارسة في الدولة الحديـــثـــة ودراستـــها في العلوم الاجتــماعية تعبــيـــراً عما يمكن أن نطلق عليه " الديمقراطية الإدارية " حيث تتراجع مركزية دور الشخص – الملهم القابض على زمام الأمور المنفرد وحده بالقرار– لتحل محله المؤسسة التي تخضع لقواعد إدارية معروفة سلفاً ، ويعرفها الجميع ، ويخضعون لسلطانها في إطار من الشرعية القانونية ، والمؤسسة ولدت في مجتمع عرف قيمة الفرد ككيان مستقل ، وإذا تحقق كيان الفرد تأتي نشأة المؤسسة تعبيراً عن تحقق مكانته . 

وتتسم معظم المجتمعات العربية بأن مفهوم الفردية لم يستقر فيها بعد ، ربما لأنه لم يستقر بالمعنى الحقيقي مفهوم " المدينة " كتعبير لتطور مساحي واجتماعي ولعلاقات حديثة جديدة تختلف عن علاقات القبيلة أو القرية، فما هو قائم الآن شكل مدني خارجي في بعض الحواضر الكبرى ، تسوده علاقات ذات صبغة ريفية ، والريف لا يعرف الفرد مستقلاً بل دوماً منتسباً ، والمدينة العربية تاريخياً وحالياً لا تعرفه هي الأخرى ، وبخاصة بعد أن " تريفت " وصارت تحمل سمات المجتمع الريفي : العلاقات القرابية أو الشللية ، والتصورات الجمعية ، وتلاشي الفضاءات الخاصة للأفراد . 

والفرد والمؤسسة لم يولدا بعد في المجتمع العربي ، وما نراه لا يعدو أن يكون صيغ علاقات وطريقة إدارة ريفية للأمور ترتدي مسوح المؤسسة المدنية تتلبس الشكل الخارجي للعمل المؤسسي بينما حقيقتها ريفية ، فقد تحولت المؤسسة إلى أداة في يد الأفراد المتــنفذين والمتحكمين بقصد إضفاء الشرعية على علاقات هيمنة ، وانتهى الأمر إلى " ترييف " و" تزييف " و" تكييف " المفاهيم والأشكال الإدارية الحديثة لخدمة واقع مستبد () .

وقد شهد العالم العربي المعاصر تَشكَّلَ مجتمعين متباينين : أولهما ، هامشي أو مهمش يتكون من غالبية الأرياف والبوادي وبعض المدن أو أقسام من المدن ، وثانيهما ، جديد/ سياسي ، مجتمع مدن ، مهن وحرف جديدة أو متغيرة ، طلاب وتعليم حديث ، سياسة وأحزاب ، فمعظم المواقع والعلاقات الاجتماعية في حالة تَشَكُّلٍ وتداخل وتبادل بين القديم والجديد ، وترييف المدينة وبدونتها ، على حد تعبير الدكتور " محمد جابر الأنصاري " ، هو الإشكالية المطروحة على الفكر العربي السياسي ، فقد جلبت التحولات الاجتماعية ما بعد عهود الاستقلال الأولى إلى الحواضر العربية إما أبناء الريف أو البادية ،  وهؤلاء لم يقفزوا على السلطة بالطريقة التقليدية ولكنهم حازوها من خلال المؤسسات " الحديثة "، فأصبح العمل السياسي العربي – إلا فيما ندر – في أيدي هذه الفئات ، فأصبحت قيم وممارسات العمل السياسي في المدينة العربية قيماً وممارسات ريفية ، وهو ما اصطلح على تسميته بـ " ترييف المدينة " () .

وقد كان مما لفت النظر صلة وثيقة بين " الترييف " والاستبداد ، فمثلاً ، حزب البعث العراقي أصبحت مهمته الحقيقية " توزيع الفرص " بين أعضاءه ومؤيديه بالاعتماد على معيار الولاء دون الكفاءة ، الأمر الذي أدى للإضرار في مسألة توزيع الموارد على استخداماتها المختلفة دون مراعاة فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، ما أدى إلى " ترييف المدنية " وإعادة هيكلة المجتمع المدني عبر تكوين ولاءات جديدة في التنظيمات المجتمعية ، وبالتالي تباطأت فاعليتها بهدف تثبيت نظام الحكم واستدامته ، وقد شكلت هذه التكوينات مجتمعة ثقافات جديدة لم يألفها المجتمع العراقي فيها قدر كبير من الثنائية في مقدمتها اطلاق شعارات الحرية وممارسة الاستبداد، وتعميق مفاهيم الاشتراكية وفي الوقت نفسه إثراء فئات صغيرة من البنى الفوقية للمجتمع، فضلاً عن سيادة عدم الكفاءة والفساد().

يرى الباحث الأردني إبراهيم غرايبة أن المجتمعات والحضارات تتجه في مسارها العام إلى التمدن، فالمدن كانت مركز الحكم والثقافة والرسالات السماوية أيضاً، وتعتبر ظاهرة الترييف معاكسة للاتجاه المفترض لتطور الحياة العامة والسياسية، وربما تكون من أسباب فشل التنمية والإصلاح والمشاركة السياسية والعامة. وتجمع الناس حول المكان في عقد اجتماعي أول وأهم خطوات ومقتضيات التحضر، فالمدن مركز العمل العام والاجتماعي والحضاري والإبداع، ويقتضي ذلك بالضرورة أن يكون الإنسان منتمياً إلى مدينة أو تجمع حضري، فالرعاة والصيادون لا يمكن أن يؤسسوا أعمالاً ومشاريع وبرامج اجتماعية وثقافية. والفكرة الجامعة للناس حول المكان هي أساس الدول والحضارات والعمل العام، لأنها تنشئ مصالح وتشريعات وثقافة منظمة للإدارة والحياة السياسية والثقافية مستمدة من تفاعل الناس مع المكان، وتعاقدهم على الأمن والعدل وتحقيق المصالح والاحتياجات وفق تفاعلهم مع المكان وليس وفق ما تقتضيه بيئة الإنتاج والحماية الأخرى المنتمية إلى الريف أو البادية ، بل إن غرايبة يرى أن إقامة مجتمع إسلامي كانت أساس الدعوة الإسلامية ، وسميت يثرب " المدينة " في دلالة رمزية مهمة على أن الإسلام يقوم ويعمل ويطبق أساساً في مدينة ، وكان الرسول – صلى الله عليه وسلم – ينهى من يسلم من أهل البادية أن يعود إليها ، ليبني مجتمعاً مدينياً ، والناظر في أحكام الإسلام وآدابه يجدها تؤسس لسلوك مديني متحضر يستوعب المكان الذي يجمع الناس ، مثل الاستئذان عند دخول البيوت ، والنهي عن رفع الصوت ، والتجمل والتطيب والنظافة، والاستماع ، وإشهار الزواج والشهادة عليه ، وكتابة الدين ، والانصراف بعد الطعام ، والذوق العام ، وغير ذلك كثير مما ينشئ عادات وتقاليد وثقافة مكانية مدينية ومجتمعية ، والمواطنة والجنسية عقد والتزام بين الدولة والمواطن ، وتقتضي الانتماء والمشاركة وأداء الواجبات ، وهي ليست عرقا أو إثنية ، لكنها تقوم على المكان ، فمواطنو الدولة يتجمعون حول فكرة جامعة للدولة تقوم على أساس المواطنة والالتزام نحوها والتمتع بالحقوق والفرص التي تتيحها ، فالانتماء يقوم أساساً على المكان ، والمواطنة والجنسية علاقة اجتماعية تنشأ مع المكان () .

ومن ثم فإن التمدن ليس حاجة ترفية أو فلسفية ، لكنها ضرورة يقتضيها نشوء المدن بالضرورة ، فلا مدينة دون ثقافة مدينية لإدارتها وتنظيمها ، والكارثة العربية – حسب غرايبة – تقع في استخدام الأدوات والمناهج الريفية لإدارة دول ومؤسسات ومجتمعات مدنية كبرى ، فإذا كانت الثقافة الريفية أو البدوية تكونها تجمعات صغيرة قائمة على نمط معين من الإنتاج والانتماء والحماية ، فلا يمكن تصور كيف ستنظم هذه الثقافة تجمعات سكانية ومهنية وسياسية كبرى ومعقدة لا يربطها ببعضها ما يربط المجموعات الصغيرة من السكان المتشاركين في النسب والمصاهرة والعمل والحياة ، ويمكن سرد قائمة طويلة جداً من التشريعات والأحداث والظواهر والكوارث والمجازر التي ترد إلى ما لا يجب أن يحدث إلا في تجمعات صغيرة ، وفي تفسير الدكتاتورية وتسلط العسكر وحكم الأفراد يلاحظ دائما علاقة ذلك بغياب أو تهميش الطبقة الوسطى من المهنيين والبورجوازيين والمثقفين الذين يمثلون الخصائص الوصفية والتركيبية للمدينة ، وبتسلط العصبيات الريفية والقبلية على الحكم والإدارة والأحزاب والجماعات ، وبالطبع ، فإن الديموقراطية أول ضحايا الترييف إذ لا يمكن ترسيخها دون مدينة ، فهي عقد اجتماعي مع المكان ، وتحققها منظومة سياسية واجتماعية وشروط بيئية محيطة تجعل تنظيم الحياة السياسية والعامة عقداً تلتزم به الأطراف جميعها ، وتجد فيه مصالحها ، ومن دونه تضيع هذه المصالح ، وتتعثر عمليات تحقيق الحاجات الأساسية وهذا لا يتم إلا في مدينة حقيقية يتجمع فيها الناس وينظمون أنفسهم على أساس مصالحهم واحتياجاتهم () .

وهناك من يعتبر البدونة - أي إعادة إنتاج البداوة - الوجه الآخر لعملة الترييف ، حيث كلاهما يمثل المرحلة السابقة على " المدينة " ، وبزوال النظام البعثي في العراق ظهر سيل من الدراسات على المجتمع العراقي كنموذج للنتائج السلبية لعمليتي الترييف والبدونة ، فيرى الناشط الحقوقي العراقي الدكتور عبد الخالق حسين أن حصاد حكم حزب البعث العراقي أن الثقافة الاجتماعية للشعب العراقي - وهو واقع يمكن تعميمه عربياً بدرجات متفاوتة- مزيج من البداوة والحضارة ، وحسب نظرية علي الوردي التي لها جذور بنظرية ابن خلدون - البداوة والعمران - وتحت حكم البعث تم إحياء القبلية والأحكام العشائرية في حل المنازعات بين الناس ، فأعطيت صلاحيات واسعة لشيوخ العشائر ، وتحول الشعب العراقي إلى اتحاد قبلي ، وبذلك تم إعادة المجتمع العراقي إلى البداوة على حساب الحضارة () .

والأكاديمي العراقي المعروف " زهير المخ " يقرأ تاريخ العراق منذ الانقلاب على الملكية (1958) من منظور الصراع بين " التمدين " و" الترييف " ، فهو يرى أن من السطحية بمكان أن ننظر إلى تلك المرحلة ، كصراع بين جناحين يمثل أحدهما " الإرث الاستعماري " فيما يجسد الثاني " طموحات التحرر والاستقلال " ، هذا كان سطح المشكلة فحسب ، أما جوهرها فكان انتصار الريف على المدينة ، والترييف – في النهاية – يعني حزمة قيم وممارسات وقناعات ورموز لعل أهمها " ثقافة الاعتزاز " على حساب " ثقافة الإنجاز " ، حيث المكانة تقدر بناء على الأصل الذي ينحدر منه الإنسان لا بناء على ما هو قابل للكسب ، والميل إلى الثقافة غير الكتابية ( الثقافة الشفاهية ) ، وفي نهاية المطاف ينجم عن " الترييف " روح قدرية شاملة مصدرها طبيعة الزراعة كنشاط يعتمد على أقل قدر من الجهد ، حيث تتحول البذرة إلى نبات مثمر دون تدخل يذكر من الفلاح . 

وفيما يتصل بخصوصية الحالة السعودية في هذا السياق يرى الكاتب عبد العزيز السماري ضرورة فهم معوقات التطور في المجتمع السعودي عبر معرفة تلك العلاقة التاريخية غير المتجانسة بين المدني والديني ، التي قد تلتقي في أحيان نادرة ، لكنها في كثير من الأحيان تختلف ، وتكون نتيجتها احتساب وتوترات ومطاردات ومحاولات كسر عظم ، تنتهي في أغلب الأحيان بانتصار أحدهما ، دون أن يعني ذلك انتهاء الخلاف ، فالتحدي يستمر ويأخذ وجوهاً أخرى ، وعلى سبيل المثال صدر في أوائل الستينيات الميلادية قرار بفتح قناة للتلفزيون ، وبالتالي جواز اقتناء الجهاز لكن الديني وجد صعوبة في قبول ذلك ، لتخرج فتوى تحرم اقتناء التلفاز ومشاهدته ، وتبدأ سلسلة صراعات اجتماعية وهو ما استغرق عقداً من الزمان حتى وصل الأمر إلى هدنة ، انتهت بقبول الأمر الواقع ، ثم مشاركة أصحاب الفتاوى المحرمة في التعاطي مع الجهاز الناقل للأحداث والبرامج ، وليصبح في الزمن الحالي أحد أهم قنوات الاتصال بين عالم الفتاوى والمجتمع () .

ويضرب السماري أمثلة أخرى لهذا الصراع باختراع الكاميرا ، فالعلم الحديث يُرجع اختراع تقنيتها إلى العالم العربي المسلم ابن الهيثم ، لكن اكتشاف العالم المسلم لم يشفع بجواز اقتنائها واستعمالها في المجتمع دون دورة تشنج ، فما أن سمح لها المدني أن تدخل الأسواق صدرت الفتاوى التي تُحرم التصوير الفوتوغرافي ، ولتنقل المعركة إلى المجتمع ، وتبدأ سلسلة من التحريضات ضد استعمال الاختراع العربي القديم، وذلك لأن صور الكاميرا فيها مضاهاة لخلق الله عز وجل ، وكان آخر فصول هذا الخلاف بين المدني والديني في المجتمع أن قبل أصحاب فتاوى التحريم ، ثم أصبحت صورهم تُزين صفحات الجرائد ، وكانت مرحلة دخول جهاز استقبال القنوات الفضائية من أهم الخلافات التي صادرت حرية المجتمع النسبية التي كانت فصولها تعد مرحلة من مراحل كسر العظم ، فالاقتصاد المدني فرض بكل ما يملك من قوة ونفوذ استيراد الأجهزة الفضائية ، لتصدر في المقابل فتاوى تحرم استيرادها وامتلاكها ، واتخذت تلك المعركة فصولاً وصلت إلى استخدام الأسلحة الخفيفة لإسقاط الصحون الهوائية من أعالي المنازل ، وإلى مصادرة الأجهزة من المحلات التجارية ، ولم تنته الأزمة إلا بعد أن تم دخول شركات عملاقة لبيع القنوات الفضائية ، ولم تخل السنوات الأخيرة من مناوشات على الهامش بين صغار التجار وبين بعض المحتسبين ، وتكررت تلك الأحداث في حلقات لا تتوقف ، وكان المشهد كما ذكرت أعلاه يبدأ بدخول المادة أو الجهاز إلى السوق ثم إصدار الفتوى بتحريمها ، ومنها الهاتف الجوال الذي في داخله كاميرا ، والإنترنت والبراقع والعباءات الملونة والتي تُلبس فوق الكتف ، والكتب الثقافية في معارض الكتاب ، وغيرها من الأمثلة التي لا يزال يصاحبها تشنج  ويصعب حصرها في مقال قصير ، مثل كشف الوجه والموسيقى ، والتي قبلها المجتمع المدني ، ثم رفضها الديني ولا يزال يرفضها في فتاوى دائماً ما تؤكد ذلك الصراع الخفي ما بين المدني والديني ، وإذا كان يصعب تقدير خسائر التجار ، فإن ما يستحيل تقديره ما تعرض له المجتمع والدولة من انفجارات وإرهاب وتكفير بسبب تلك الفتاوى التي عادة ما تصدر بعد القرار المدني ، والتي كانت أحد أهم أسباب التطرف في المملكة ، وقبل ذلك تعد العائق الثقافي الأهم ضد خطوات التطور من أجل اللحاق بالركب الإنساني في بقية العالم () .

باختصار ، يعاني المجتمع السعودي من إرهاق حضاري مزمن ، فقد أضاع شبابه وطاقاته في صراع أشبه بالماراثون الطويل الأمد ، امتد لأكثر من قرن ، وتم استنزاف طاقاته في ذلك الخلاف المزمن بين المدني والديني ، لكن هل استفاد التياران من تلك التجارب المريرة ؟ وهل حان الوقت أن يتفقا على صيغة تحد من تلك العشوائية التي تقذف باختلافاتها إلى الشارع ، ثم تنتظر ساعة الحسم ، وهل يُعقل أننا أمة غير الأمم ، تجري خارج الركب ، وتعتقد بخصوصيتها من دون البشر ، ولاسيما ونحن ننتظر إنهاء ملفات في غاية الأهمية مثل تقنين الشريعة وتطوير القضاء. والإصلاح الإداري () .

وهناك من يحاول قراءة هذا السجال من منظور " جيلي " في المقام الأول ، فمثلاً ، يشير الدكتور عبد الله مرعي بن محفوظ إلى حالة الانقسام التي يشهدها المجتمع السعودي حول قضايا الإصلاح والتحديث في المملكة بقوله إنها نتاج توجهات جيل الشباب في المملكة الذي تأثر مرحلياً بالثقافة الغربية ، واستجابة المجتمع السعودي لهذا " الفكر" ليست على وتيرة واحدة ، حيث الغالبية الذي يرفضها على الإطلاق من منطلق ديني ، والأقلية الشبابية التي تحاول إرجاع هذه الفكر إلى مفهوم المدنية الإسلامية في عصرها الذهبي في القرن الثالث عشر الميلادي ، ولذلك فإن التعامل مع مفهوم المجتمع المدني وتسويقه في السعودية يحتاج إلى إيجاد مفردات وتصورات بديلة عن مصطلحات "الليبرالية" وفكرها المغضوب عليها دينياً ، وذلك من خلال البحث في مخزون الذاكرة الإسلامية ، ليسهل قبولها لدى المجتمع السعودي مثل استخدام مصطلح " المتمدن " بدلاً من الليبرالي ومصطلح " المجتمع الأهلي " بدلاً من المجتمع المدني وكلمة " الجماعة " بدلاً من الحزب السياسي ، لأن مجتمعنا كما صوره المستشار عبد العزيز بن غرم الله الغامدي يرفض " كلمات " التغريب انطلاقاً من نظرية صراع الحضارات التي " أؤمن بها " شخصيا ! لذلك من الممكن أن نستحدث المفهوم البديل الشامل وهو " المجتمع الأهلي " والذي يمكن أن يستوعب الجمعيات الأهلية والمؤسسات الاجتماعية بمختلف اهتماماتها ، لتتفاعل داخل منظومة الأمة الوطنية بحراكها العامة ، لتكون الحلقة " الرابطة " بين السلطة التشريعية والتنفيذية وبين عموم الأمة لاستكمال أهداف النسيج الوطني ، وتحقيق هدف الحاكم والمحكوم ، عبر مفاهيم متصلة بتاريخنا الإسلامي ، ونحنُ نطالب بمجتمع  " متمدن " إسلامي ، ليس مشروطا بديمقراطية غربية أو اتباع منهج العلمانية ، نحنُ نطالب " النخبة " المثقفة بتطبيقات مقبولة لمفهوم المجتمع المدني السعودي، فكرياً وعملياً وبمشاركة من أفراد المجتمع في السياسة العامة، من خلال الأطر التي وضعتها الدولة ، مثل مجلس الشورى ، ومجلس المنطقة ، ومجلس الأحياء ، وشرطة المجتمع ، ومؤسسات المجتمع ، مثل المسؤولية الاجتماعية واتحادات الطلبة في الجامعات وغيرها مما يستجد ، مع التأكيد والالتزام بالنظام الأساسي للحكم () .

 

نشأة المجتمع المدني السعودي ومساره

سنركز هنا بشكل محدد على " العمل الاجتماعي " وهو ما صار يعرف بجمعيات المجتمع المدني ، سواء كان عملاً خيرياً أو نقابياً أو سياسياً ، والحديث عن تلك الجمعيات أنموذج يضمر دلالاته الواضحة حول ما يعتري مسار الإصلاح السياسي في المملكة من تجاذبات وعوامل إعاقة أو ملامح أمل ، وسترتكز على الشروط المستقاة من تعريف الفيلسوف الإنجليزي جون لوك حيث يقول : " للمجتمع المدني هياكل وتنظيمات تقوم في عملها ووظائفها وكذلك في علاقتها مع الآخرين على منظومة قيمية معينة أهمها الحرية المكفولة للجميع ، وقبول الآخر ، والتعددية والحوار ، والتسامح والتنافس السلمي ، هذه القيم هدفها الحدّ من تعاظم النزعة التسلطية للدولة ، ويقوم هذا التعريف على ثلاثة مفاهيم :

  1. تجمعات كالجماعات والنقابات والجمعيات والروابط والمنتديات . 
  2. مدنية ، أي ليست تكتلات قبلية ، تعتمد على علاقات القرابة والنسب ، ولا تكتلات إقليمية ، تعتمد على علاقات المجاورة في الحارة والمساكنة في القرية ، وإنما هي تكتلات تعتمد على التخصص والعمل ، أو الرؤية الاجتماعية والسياسية والثقافية . 
  3. غير رسمية ، أي غير حكومية () .

وباستثناء عمل الجمعيات الخيرية ، تشهد المملكة غياباً شبه كلي لجمعيات المجتمع المدني ، وهو غياب يعود إلى قيم وأعراف وممارسات اجتماعية راسخة في المنظومة الثقافية ، والمظلة القانونية الحاكمة فضلاً عما يمكن اعتباره نوعاً من الممانعة الرسمية ، وحيث إن مؤسسات المجتمع المدني ، لا تتأسس ، ولا تنهض ، إلا في فضاء اجتماعي تحكمه القيم المدينية ، ووفقاً للمعايير السابقة ، فإننا حين ننظر إلى ما يجري في السعودية من حراك في هذا المجال ، لا نستطيع توصيفه إلا بأنه شكل من أشكال التجمعات الأهلية القديمة القائمة على الولاءات التقليدية في مجال الأعمال الخيرية فقط ، أما ما تم السماح بإنشائه في السنوات القليلة الماضية ، من جمعيات للمهندسين والأطباء والمحاسبين ، فإن قوانين الترخيص الحكومي بإنشائها قد اختزل عملها في تنمية المهنة فقط ، كما أبقى أنشطتها – المحدودة أصلاً – عرضة لتدخل الأجهزة الحكومية () .

ويمكن تصنيف التشكيلات الاجتماعية في الجزيرة العربية تاريخياً إلى : 

  • التجمعات المدينية في مدن الحجاز الكبيرة القائمة على التجارة وعائدات خدمات الحج والعمرة ، حيث أسهم وضعها الاقتصادي وموقعها الديني ، في ترسيخ ملامح  ثقافة براجماتية منفتحة ومتسامحة مع المذاهب والطوائف الإسلامية كافة ، وكذلك المنحدرات المناطقية والعرقية ، بل مع الآخر المختلف عرقياً ولغوياً وحتى دينياً . 
  • مجتمعات شبه مدينية قامت في الإحساء والقطيف وجيزان ، ونجد ، إلا أن بعدها عن معترك التشابك الحياتي مع الطوائف والأعراق الأخرى ، كان كافياً لأن تبقى تجمعات منغلقة على ثقافتها وقناعاتها الطائفية والمناطقية.
  • تجمعات أخرى تشكل أكثر من سبعين في المائة من المناطق كانت منبنية على حياة  تجمعات مستقرة " قروية وقبلية " قائمة على الرعي والزراعة أو الصيد البحري ، وعلى تجمعات قبائل رعوية " مترحلة " تتمدد عبر معظم صحاري الجزيرة العربية () .

وقد لعبت الظروف الاقتصادية لتلك التجمعات القروية والرعوية على توظيف ثقافة فهمها للدين وللعرف ومصلحة الجماعة ، وفق منظومة أولوية الانتماء لهذه الكيانات في أبعادها القروية والقبلية ، والمذهبية والطائفية ، والعرقية ، وترسيخ تقاليد التخوف من الآخر أو التحيّز ضده ، حفاظاً على الحدود الدنيا من الوفاء بالاحتياجات المعيشية لهذه المجاميع البشرية ، كما عملت هذه القيم " وفق جدل علاقاتها مع الواقع الاقتصادي " من الجانب الآخر على إذكاء الحروب القبلية والفئوية والطائفية وتقاليد الثأر ، حتى أصبحت مع مرور الأزمنة قدراً لا مناص من الخضوع له والتعاطي مع محدداته ، بل إنها قد ذهبت أبعد من ذلك في وسم ثقافة الحاضر بوشمها () .

 

ثقافة ما بعد توحيد المملكة العربية السعودية

لا خلاف في السعودية على أن توحيد مكونات المملكة اليوم كان عملاً حضارياً ورافعة لتقدم المجتمعات المبعثرة على خارطة أجزاء كبيرة من الجزيرة العربية ، وقد لبى قيامها حاجة التجمعات البشرية إلى الأمن والاستقرار ، كما لبى تشوف الإنسان للانتماء إلى كيان وطني كبير ، عزيز المنعة ، وقادر على تحقيق تنمية حضارية  شاملة ، وقد كان أبرز مرتكزات قيام الدولة السعودية التحالف السياسي والديني الذي تم بين  عائلة محمد بن سعود " آل سعود " الحاكمة في الدرعية ، وبين حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الدينية ، حيث هيأ لها هذا التحالف إمكانية تحقيق الهدف السياسي من خلال اندماجه بالأيديولوجي الديني ، في المراحل الثلاث لقيام الدولة () .

وباختصار يمكن النظر إلى محتوى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب على أنه يعبر عن رغبة طهرانية في تنقية المعتقدات الإسلامية مما شابها من البدع والخرافات ، بيد أن طابعها المتشدد وما يتعلق بذلك من احتياطات تغلق باب الاجتهاد ، والإفراط في استخدام سد باب الذرائع من وجهة نظره وأتباعه ، ومقولة درء المفاسد مقدّم على جلب المنافع : شرعن ثقافة الانغلاق والتشدد والتكفير للمخالف ولمن لا يقرّ هم على هذا الأمر ! وكان يمكن لتلك البداية المشجعة التي تبناها الملك عبد العزيز أن تأخذ بالنموذج المتقدم للحياة المدنية النامية في مدن الحجاز ، وأن تسعى لتعميمه ، من أجل تجاوز ثقافة العزلة والانغلاق التي طبعت الحياة الاجتماعية في مختلف مناطق المملكة ، وأن تتوجه بالعمل على تنمية ثقافة الحوار والانفتاح وقبول الاختلاف والتعددية () .

وقد استطاعت المملكة من خلال ما توفر لها من قدرات مالية من ثروة النفط – وما رافقها من توسع في إنشاء المدارس في مختلف المراحل والمناطق – أن يتمكن من صياغة العملية التعليمية والدعوية برمتها في المملكة ، من أجل بسط نفوذ ثقافة التيار المحافظ دينياً واجتماعياً ، على مناحي الحياة كافة ، وقد عمل ذلك النسق الذي يعتبره كثيرون نوعاً من القسر على استبدال ثقافات الجماعات القديمة " الدينية والاجتماعية " ثقافة أخرى أشد تزمتاً اجتماعياً ، ما أدى إلى تأجيج مشاعر الإحساس بالغبن لدى المكونات الاجتماعية الأخرى ، لاسيما أن ما تم تسويده من قيم ثقافة صحراوية الطابع أفضت إلى تكريس أعرافاً لانغلاق الاجتماعي ، وسيادة التفسير الأحادي لمقاصد الشريعة ، وتعطيل ما حفلت به ثقافة الحواضر المدينية في الحجاز من مكونات التسامح والانفتاح الاجتماعي وقبول التعدد ، وبلغ تأثير ذلك النسق إلى مرحلة وأد ما كان قد تخلّق في حواضر مدن الحجاز ، من نويات جنينية لجمعيات المجتمع المدني في أبعادها المهنية والنقابية ، إن كل ذلك الإرث الضخم المبثوث في المنظومة الثقافية التقليدية . 

وترى الباحثة فوزية العيوني أن قيم هذه الثقافة المحافظة تم تكريسها عمداً ، وأنه هذا أدى إلى الحد من قدرة التجمعات المختلفة على إقامة علاقات مجتمع مدينية حضارية قادرة على الخروج من أسر " حضارة البادية والقرية" وعقليتها وسلوكها ، فضلاً عن اقتصادها ، وكما يقول الجابري فإن حضارة المدينة تهيمن فيها الصناعة والتجارة والخدمات العامة ، وينتقل فيها التنظيم من مجتمع المؤسسة الطبيعية إلى مجتمع المؤسسة العقلانية ، ولا يمكن إغفال دور تلك المفاعيل القيمية " التاريخية والرسمية " في كبح تطور الحراك الاجتماعي ، وإعاقة نمو الثقافة العقلانية والنقدية في المملكة ، وفي تهميش المطالبة الفاعلة ، بحقوق المواطنين ومنها ، حقوق إنشاء جمعيات المجتمع المدني () .

في المقابل يرى الدكتور شاكر النابلسي أن المجتمع السعودي لم ينتقل بعد من البداوة إلى الحياة الحضرية انتقالاً تاماً وأن الدولة قامت بجهد كبير لإنجاز ذلك ، وانصبت جهود الدولة السعودية لتحديث المجتمع على مجالات كثيرة منها : الصحية ،  التعليمية ، والتنموية بشكل عام ، لكن الأثر الكبير كان في مجالين : العمل في حقول النفط ، والجيش والحرس الوطني ، ويعتبر بعض علماء الاجتماع هذا الأثر مؤشراً على أن أخلاق وقيم وعادات المجتمع الزراعي ما زالت هي المسيطرة بشكل مباشر أو غير مباشر على المجتمع ، رغم ارتفاع نسبة العاملين في مجالات الصناعات الخفيفة والخدمات العامة ، ورغم عملية " الحراك الاجتماعي " المهمة التي حدثت في المجتمع السعودي ، تحت تأثير " المتغير النفطي " ، وعمليات الهجرة الواسعة للعمالة خلال السبعينات التي أدت إلى " تسييل" المجتمع السعودي جزئياً تحت ضغط " القفزة النفطية " ، الذي عاد الآن يمارس فعاليته بفعل ارتفاع أسعار البترول، كما يقول العالم الاجتماعي والأكاديمي المصري محــمــود عبد الفضيل في كتابه : " التشكيلات الاجتماعية والتكوينات الطبقية في الوطن العربي " ، وتضم المملكة – وبخاصة مناطق نجد والشرقية والجنوبية - أكبر كم من قبائل الجزيرة العربية ، سواء كان بعدد القبائل ، أم بعدد أفراد هذه القبائل ، وهذه القبائل تقسم إلى قسمين : قبائل زراعية تقوم بفلاحة الأرض وقبائل رعوية ، والقبائل الرعوية تقسم أيضاً إلى قسمين : قبائل ترعى الأغنام وقبائل ترعى الإبل ، وبعض هذه القبائل هي التي تحكم في بعض دول الخليج ، وتزوجت القبائل من بعضها بعضاً ، وكما قال أحدهم " قلما تجد فرداً من قبيلة ما ، لا يكون خاله أو خال والدته أو خال والده من إحدى القبائل الأخرى " ، ومن الملاحظ أن " مكة المكرمة ، والمدينة المنورة ، وجدة " في السعودية ظلت الأكثر انفتاحاً اجتماعياً ، رغم وجود الأماكن المقدسة فيها ، ورغم أنها ذات أسر محافظة ، وتأتي هذا الانفتاح من كثرة الأجانب الذين يزورون المدينتين المقدستين " مكة المكرمة ، والمدينة المنورة " من كافة أنحاء العالم ، ونشاط التجارة فيهما نتيجة لذلك .

ويرفض الدكتور شاكر النابلسي نزوع بعض الباحثين إلى تحميل القبيلة المسئولية عن تعثر التحديث ، ذلك أن فاعلية القبيلة لم تعد واضحة ، إلا في مسألة الانتساب الاجتماعي ، وحل بعض المشاكل مثل الديّات ، وتلك الأخيرة ليست أساساً مسألة سلبية ، بل إنها قد تكون إضافة في إطار بعض التكوينات للمجتمع الأهلي ، فالقبيلة في السعودية ما زالت المستودع البشري الرئيس لتوظيف أفراد الجيش والشرطة والحرس الوطني ، وقد لاحظ العالمان الاجتماعيان ديفوس وماينر ، أن مرحلة الانتقال من البداوة إلى التحضر تصاحبها مشكلات نفسية ، يصعب تجاهل أثرها في تكييف الفرد للحياة الجديدة ، وهو أمر متوقع نتيجة اختلاف معايير السلوك والقيم ومتطلبات الحياة ، وأن الجانب العصي في هذه المرحلة ليس الجانب المادي أو الفني ، ولكنه الجانب الحضاري والاجتماعي ، كما لاحظ عالم الاجتماع السوداني محيى الدين صابر والمصري لويس مليكة في كتابهما " البدو والبداوة: مفاهيم ومناهج ". 

ويضيف النابلسي أن المملكة هي البلد الوحيد في العالم العربي الذي لم يُستعمر من قبل الغرب ، وبقيت السعودية حتى الآن نتيجة ذلك أكثر المجتمعات العربية ابتعاداً عن قيم الغرب الاجتماعية والثقافية ، ومن هنا ، كان توحُّد وتفرُّد المجتمع السعودي ، كما لعبت الأحزاب العربية – على فقرها السياسي والفكري – دوراً اجتماعياً أكثر أهمية من دورها السياسي في العالم العربي ، فكان انتشار هذا الكم الكبير من الأحزاب في بلد كالأردن – مثالاً لا حصراً – سبباً رئيساً في الانفتاح الاجتماعي ، وبخاصة في العاصمة والمدن الرئيسة التي كان للأحزاب السياسية فيها نشاط ملحوظ ، كذلك لعبت الأحزاب العلنية والسرية في الكويت وبخاصة " حركة القوميين العرب " دوراً مهماً في الانفتاح الاجتماعي الكويتي ، أكثر مما لعبته في الانفتاح السياسي ، وهذا العامل لم يوجد في السعودية ، ولم يتم إنشاء الأندية الثقافية والجمعيات الخيرية الاجتماعية السعودية ، والتي هي من عناصر المجتمع المدني ، إلا في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي ، وهذه الأندية من أقدم أشكال المؤسسات الحديثة في المجتمع الخليجي عامة ، وقد بدأت الأندية أدبية -  دينية ، ثم تطورت إلى جمعيات وأندية ثقافية ورياضية ، وبعضها تخصصية " الخريجين، النساء " ثم تداخلت معها في مرحلة ثانية بتشكل الجمعيات بمختلف أنواعها المهنية والنسائية والتخصصية ، ولا شك في أن المزج الاجتماعي بين المجتمعات العربية بفعل الهجرة والهجرة المعاكسة ساعد على انفتاح المجتمعات ، وهذا ما وفي المملكة العربية السعودية تأخر وصول العمال والموظفين العرب إلى السعودية ، الذي بدأ بشكل كبير في السبعينات ، خاصة بعد الطفرة النفطية 1973، وبشكل محدود لم يتعدَ في عام 1971 أكثر من 18% ، في حين كانت نسبة الهجرة إلى الكويت 60 % () .

ويبدو أن القول بأن الدولة السعودية لأسباب متصلة ببنيتها لم تسمح – عمداً – بوجود مجتمع مدني قوي منطوياً على قدر من التحامل ومجافاة الحقيقة ، فمن الباحثين من يرى أن المملكة أدركت منذ وقت مبكر أهمية هذه المؤسسات ، وهي اتخذت مسميات وتوصيفات متنوعة لا تبعدها عن فحوى نشاطها ، فتارة تحمل مسمى نقابة وأخرى جمعية ومرات اتحاد ومؤسسات وغرف إلى آخره من المسميات ، إلا أنها تتفق في ما بينها على انحسار نشاطها على المجتمع بكل أطيافه بعمل طوعي حر مفرغ من الاستقطابات السياسية والجهوية والطائفية والعرقية ، وهذا سر صدقيتها في تبني قضايا الناس دون تمييز والمطالبة بحقوقهم السياسية والاقتصادية مع ضمانات الحرية الكاملة في التعبير عن حاجات المجتمع ، متخذة كل الوسائل الكفيلة بتحقيق طموحات الشعب لتتحول في حالة استكمال بنيتها الفكرية والتنظيمية إلى صوت لهم يرفع إلى الجهات الرسمية ، وهذا بدوره يسهم في تشكيل قنوات إصلاحية لا تثقل كاهل الدولة بالكثير من المتطلبات لتحقيق غاياتها ، هذه الجمعيات المدنية ستكفيها مؤونة تقصي حاجات الوطن الخدمية ، خصوصاً التي تصب في مصلحة الفرد بدرجة أولى ؛ هذا الفرد الذي ذهب صوته في مهب الرياح جراء سلطة الأنظمة البيروقراطية المنغلقة على ذاتها () .

وعرفت المملكة مؤسسات المجتمع المدني منذ قرابة 90 سنة وتحديداً عام 1924كان ذلك عندما التقى الملك عبد العزيز بعلماء البلد الحرام للتشاور في الشكل الذي ينبغي لإدارة البلاد عام 1924ليضع لهم تصوراته عن طبيعة المرحلة المقبلة ، يوم ذاك طلب منهم أن يجتمع نخبة من العلماء ونخبة من الأعيان ونخبة من التجار وينتخب كل صنف عدداً معيناً يرضون به ، وذلك بموجب أوراق يمضونها ليقوم هؤلاء بتسلم زمام الأمور ، يختلون بأنفسهم أوقات معينة يقررون فيها مصالح البلاد والعباد ، وليكونوا الواسطة بين الناس والسلطان ، هذا الوعي والإدراك لسياسي محنك يستبطن الأمور ويضع لها التصورات والآليات في وقت لم تبلغ الرؤى مداها ، وقد ختم كلامه قائلاً : " أما أنا فلا أريد من هذا المجلس الذي أدعوكم لانتخابه أشكالاً وهمية ، إنما أريد شكلاً حقيقياً يجتمع في رجال حقيقيين يعملون جهدهم في تحري الحقيقة " ، ثم قال رحمه الله : " لا أريد أوهاماً ، إنما أريد حقائق ، أريد رجالاً يعملون ، فإذا اجتمع أولئك المنتخبون وأشكل عليّ أمر من الأمور رجعت إليهم في جلسة وعملت بمشورتهم ، وتكون ذمتي سالمة والمسؤولية عليهم ، وأريد منهم أن يعملوا بما يجدون فيه المصلحة وليس لأحد – من الذين هم في طرفي – سلطة عليهم ولا على غيرهم " ، ولو تحققت استمرارية ذاك التوجه لتجاوزنا كل المشكلات التي تعاني منها مؤسسات المجتمع المدني المستحدثة اليوم () .

وآنذاك دشنت فعاليات مؤسسات المجتمع المدني بنقابات الحرف والصنائع عام 1931، كان ذاك يوم اصطف الصناع والحرفيون مهنئين بعيد جلوس جلالة الملك عبد العزيز تتابعت بعدها هذه النقابات والجمعيات والاتحادات منتظمة في سياقات واعية ، فمن انتخابات أعضاء مجالس البلديات في مكة عام 1951 إلى الدمام عام 1955 وقريباً منه الظهران والقطيف ، وكان وازعهم في ذلك أيضاً الخطاب الملكي الكريم الذي افتتحت به أولى دورات مجلس الوزراء في الرياض المتضمنة ضرورة إشاعتها في كل مدينة من مدن المملكة ، وانتقلت حمى هذه الانتخابات إلى الغرف التجارية التي أفلحت بوصفها جهة تمثل ذاتها اقتصادياً ومالياً إلى إعمال الحج وخدمة حجيج بيت الله والطوافة ، ومنها إلى السماسرة والدلالين ،  أما الدعوة إلى إنشاء نقابة للصحافيين التي لم تر النور إلا متأخرة فدشنها الشيخ حمد الجاسر رحمه الله عام 1959، وتشكلت العديد من النقابات والاتحادات لاحقاً ، منها نقابة العمال ورابطة طلاب جامعة الملك سعود وانتخابات اللجان الرياضية وانتخاب أعضاء المجلس البلدي في الرياض للمرة الأولى عام 1964، ذاك التي دعت له إمارة مدينة الرياض في بيان صادر منها كتب بلغة مشحونة بالتطلع(). 

 

الصراع بين المدني والديني

من الناحية الفكرية تشهد المملكة حالياً ما يمكن اعتباره صراعاً ثقافياً أحد محركاته الرئيسة توطين مؤسسات المجتمع المدني وفقاً للنموذج الغربي ، وهو صراع امتد حتى داخل مجلس الشورى ، ما بين معارض ومؤيد ، ومستند على ثقافة تقليدية وبين متكئ  على ضرورة الأخذ بآليات معاصرة، خلال مناقشة مسودة نظام "جمعيات المجتمع المدني " التي أعدتها جهات حكومية ، وتمت صياغتها بما يكفل للجهات الحكومية التدخل في الفضاء المدني لتلك الجمعيات واستلابها شروط استقلاليتها وحقها في ممارسة الشفافية وحرية الحركة والمبادرة . 

وهذا الجدل جزء من مناخ صراع فكري أوسع نطاقاً يشهده المجتمع السعودي منذ ما يقرب من ثلاثة عقود مضت إذ كان المجتمع على مدى تلك الفترة تتنازعه فئتان : تيار محافظ يرى ضرورة المحافظة على قيم المجتمع من التغيير والمحافظة على الهوية والخصوصية انطلاقاً من خلال تفسيره وتصوره للقيم والمبادئ الدينية وفرض رؤيته ورفض كل ما يختلف معها ، وهو ما عبّر عنه أحد المنظرين لهذا التيار بقوله : 

" إن الأيديولوجيا التي تُحرِّك عموم المجتمع السعودي وتُسكِّنهُ هي من عقيدته التي اكتسبها عموم المجتمع من خلال مناهج التعليم العامة الموحَّدة والموحِّدة ، ومن خلال برامج الدعوة العامة من العلماء والدعاة ، وبالوسائل الدعوية القديمة والمعاصرة ، ولأجل ذلك فإن المجتمع السعودي يُعدُّ مجتمعاً محافظاً يصعب توجيهه أو تغيير قناعاته الثقافية إلا من خلال الدين والعلماء وفتاواهم فالتغيير من خلال العلماء وبتشريعات الإسلام موضع ثقة واطمئنان " () .

الفئة الأخرى تسعى إلى التحديث، وركزت جل جهودها في بعض القضايا الاجتماعية فقط عبر آليات ووسائل إعلامية وثقافية انتهجتها، وطيلة هذه المرحلة كان التصارع الفكري والتصادم بين الفئتين، رغم تفاوت حدته، وفي ظل تغييب واضح للمجتمع في تحديد خيارته، سمة بارزة حول الكثير من القضايا، خصوصاً تلك المتعلقة بالمرأة ونحوها، فكان افتعال المعارك من بعض القضايا الهامشية، كالاختلاط والرياضة النسائية وغيرهما وتحويلها لمعارك مصيرية! ولعل من أبرز الأسباب التي أدت إلى تغييب المجتمع طيلة تلك المرحلة واستمرار افتعال المعارك من وقت لآخر بصورة متقاربة وبسيناريوات متكررة هو افتقاره إلى العمل المؤسسي المتمثل في غياب عمل مؤسسات المجتمع المدني المعنية بتبصيره بحقوقه والدفاع عنها ، التي تلعب دوراً كبيراً في إسهام المواطن ومشاركته في إدارة المجتمع وتطويره الحضاري والتنموي من خلال تلك المؤسسات ، وكذلك غياب مراكز الدراسات البحثية والاستراتيجية المستقلة والمعنية بدرس الظواهر المحلية للوصول إلى نتائج ملموسة وواضحة ، وضعف التعليم القادر على بناء المجتمع وصناعة الإنسان الفاعل ، وغيرها من الأسباب التي كان لها دور وأثر واضحان في استمرار مثل ذلك الجدل والصراع واستغلاله () .

لكن الطارئ الحادث أن تلك المعارك لم تعد تحظى لدى المجتمع بالأهمية نفسها ، فالمجتمع في ظل المتغيرات الكثيرة من حوله لم يعد مجرد متلقٍ من فئة تفرض عليه خياراته وأولوياته وتفكر بالنيابة عنه ، وذلك ناتج من تطور وتحسن تدريجي ملاحظ في الوعي المجتمعي لقضاياه الرئيسة ، والتفاته لمتطلباته وحاجاته ورغبته في حسم خياراته ورغباته واتساع في دائرة الأفق لديه ، فكثير مما كان مرفوضاً من الأمور والأفعال أصبح واقعاً بفضل الحسم والإقرار والاختيار الشعبي له ، لم يعد هو ذاك المجتمع الذي ينساق باختلاف مستوياته وفئاته وبكل تسليم ، بل أصبح أكثر قدرة وتأهيلاً في النظر والتأمل بمتطلباته ، وبات هو من يدفع ويطالب بحقوقه بصورة تدعو إلى التفاؤل، فالمجتمع على سبيل المثال حينما يتحرك من أجل مكافحة الفساد ، ويطالب بالقضاء عليه ، وإبعاد المفسدين من عدد من المواقع، وتوفير وتهيئة أفضل السبل للعيش وللحياة، وهو ما شهدنا تكراره في أكثر من مكان ، لم يكن المحرك والدافع له رأي من هنا أو هناك ، وربما لم تكن تلك مثل هذه القضايا التي تمس حياة كل مواطن محط اهتمام وتركيز من كثير من أولئك المنشغلين بتلك القضايا الجدلية () .

 

الإطار القانوني لعمل المجتمع المدني

تتميز الدولة الحديثة عن الدولة القديمة بأنها دولة قانون يستند إلى سلطة الشعب ، بينما ليس للدولة القديمة من مرجعية قانونية سوى شخصية الحاكم ، وقد اضطرت معظم دول العالم لثالث التي تحررت من الاستعمار إلى صياغة دساتير وطنية ، إلا أن معظم تلك الدساتير حفلت بثلاثة خروقات ومواطن قصور أساسية ، أولها : قيام الأنظمة الحاكمة بصياغة تلك الدساتير وتكييفها بما يخدم مصلحة الطبقة الحاكمة دون إشراك الشعب ونخبه المختصة وممثليه في إنجاز تلك الصياغة ، أما ثانيها فينطلق من كونها " دساتير " شكلية استهدفت إضفاء المشروعية على تلك الأنظمة ، بمعزل عن مشروعية التفويض الشعبية () .

كما أن بعض تلك الدساتير حاكى الدساتير القائمة في الدول الشمولية ، وغابت عنه مقومات الدساتير الديمقراطية القائمة على : كفالة حقوق المواطنة ، وحقوق الإنسان ، وتطبيق مبادئ الحرية والعدالة والمساواة بين المواطنين كافة ، كما افتقرت إلى مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث وضمن ذلك استقلال القضاء ، واشتملت على ما يحد من حرية التعبير والتفكير والإبداع ، والتنظيم وقيام جمعيات المجتمع المدني المستقلة عن فضاء الدولة ، وخلت من مبدأ ديمقراطي رئيس هو حق التداول السلمي للسلطة ، ويلخص الدكتور عمار القربي هذه البنية بقوله إن الدول العربية " تعاني بقدر يكبر أو يصغر من الفوات التاريخي ، فهي ما زالت أقرب إلى دولة القوة منها إلى الدولة الشرعية ، وأقرب إلى دولة القبيلة والحزب الواحد منها إلى دولة المؤسسات ، وهي أقرب إلى دولة الأشخاص منها إلى دولة الدستور ، وأخيراً وليس آخرا حتى على الصعيد الإداري والقضائي نجد أن الدول العربية أقرب إلى دولة الولاء الشخصي منها إلى دولة الموضوعية القانونية " () .

وفي سياق التحول الذي تشهده المملكة كانت هناك دائماً مطالبات بالتحديث والإصلاح ، وقد أعلنت لائحة مطالب إصلاحية في 16 مارس 2004 تطالب القيادة السياسية بإجراء إصلاحات جذرية شاملة في البلاد ، وقد تمت محاكمتهم وأفرج عنهم الملك عبد الله بعد توليه الحكم في عام 2005 ، كما صدرت بعض قرارات وتنظيمات في المجالات الإعلامية والصحفية والاقتصادية ما تزال في رأي الكثيرين أقل مما متوقع ولا تلبي ما كانت ترنو إليه المطالبات الإصلاحية ، وفي هذا الإطار تم إعداد مدونة عاجلة " لنظام جمعيات المجتمع المدني " سميت : " نظام الهيئات والمؤسسات الأهلية " ، غير أن تلك المسودة التي تمت مناقشتها في مجلس الشورى قد حفلت بانتهاكات أساسية لعمل " جمعيات المجتمع المدني " ،  شرعنت لتدخل الجهات الحكومية في أعمال واستهدافات تلك الجمعيات  بل حتى عزل مجالس إداراتها وتعيين بديل عنها من قبل الجهات الحكومية () .

وقد وضعت منظمة " مراسلون بلا حدود " المملكة - ضمن ثلاثة عشرة دولة أخرى - على رأس قائمة دول العالم الأشد رقابة على حرية التعبير على الإنترنت ، حيث ما زالت تمارس سياسة الرقابة والحجب على مواقع انترنت محلية ودولية ، وقد وقعت المملكة العربية السعودية على العديد من المعاهدات والمواثيق الدولية ، ابتداء من " ميثاق هيئة الأمم المتحدة " ، واتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية تحريم الرق والعبودية واتفاقية منع كافة أشكال التعذيب للمعتقلين ، واتفاقية حقوق الطفل وحقوق المعوقين ، إلا أنها حتى الآن لم توقع على " الميثاق العالمي لحقوق الإنسان "  وملحقاته الاقتصادية والمدنية والسياسية ، ومن جهة أخرى ، وقعت المملكة على عدد من المواثيق الإقليمية الخاصة بحقوق الإنسان ، ومنها الميثاق العربي لحقوق الإنسان الصادر عن القمة العربية في عام 2004، وإعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام ، وكذلك توقيعها على " الإطار العربي للطفولة " الصادر عن الجامعة العربية في عام 2001 ، وفي عام 2004 استجابت المملكة لمطالبات المنظمات الحقوقية العالمية بالإعلان عن تشكيل " اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان " ، وقامت بتعيين أعضاء مجلس إدارتها واعتبرتها ممثلاً للقطاعات الأهلية، كما أنشأت الحكومة في 2006م " الهيئة العليا لحقوق الإنسان " ، وعينت رئيسها بمرتبة وزير ، وفي هذا الصدد الحقوقي أنشأت وزارة الداخلية هيئة تابعة لها بمسمى " هيئة التحقيق والادعاء العام " للقيام بمهمات توجيه التهم ومهام التحقيق مع الموقوفين ، ورغم محدودية فاعلية هذه الخطوات والإجراءات التي اتخذتها الحكومة السعودية إلا أنها ساعدت على خلق مناخ أكثر شفافية في التعاطي مع قضايا الموقوفين والمعتقلين بتهم سياسية ، وشجعت الكتاب والباحثين والصحفيين والحقوقيين للتعاطي مع القضايا  الحقوقية عبر وسائل الإعلام المختلفة، ودشّنت بذلك الخطوة الأولى لنشر ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المواطنة وقضايا المرأة على وجه التحديد () .

 

الموقف الرسمي من المجتمع المدني

من الناحية الرسمية يتأرجح الموقف الرسمي السعودي بين مرتكزين : الاعتراف بضرورة الإصلاح وتبنيه رسمياً وفي الوقت نفسه رفض تحوله إلى أداة للتدخل في الشئون الداخلية ، وفي كلمة للأمير الدكتور تركي بن محمد بن سعود الكبير وكيل وزارة الخارجية للعلاقات متعددة الأطراف أمام الدورة السابعة لمنتدى المستقبل مجموعة الثماني بالعاصمة القطرية الدوحة تحت عنوان " الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا " قال : إن المملكة سعت في إطار رؤية شاملة وواضحة لتعزيز الإصلاحات والارتقاء بالمجتمع وبناء مؤسسات المجتمع المدني ليكون لها دور إيجابي في عملية الإصلاحات في المملكة حيث أسهمت أطياف المجتمع السعودي كافة من أكاديميين وأدباء ورجال دين وإعلام وحقوقيين وغيرهم بفعالية في بلورة هذه الرؤية ، باعتبار أن الأصل في الإصلاحات أن تنبع من الداخل وتنسجم مع المبادئ التي نؤمن بها ، وتتواءم مع هوية المجتمع السعودي وثقافته القائمة على مبادئ الشورى والعدل والمساواة وتلبي احتياجات المجتمع ومتطلباته ، وأن تصب في النهاية في خدمة المواطن واستقراره وتطلعاته مع الاستفادة من خبرات وتجارب المجتمعات الأخرى ، وبما يتوافق مع الحاجة لذلك ، ويعمل هذا المنتدى على تعزيز آليات الشراكة بين الحكومات والمنظمات الدولية والإقليمية ومؤسسات المجتمع المدني بما يؤطر لأسس الحوار البناء المثمر الذي من شأنه أن يعزز من مسار الاستقرار والإصلاحات والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المنسجمة مع القيم الثقافية والسياسية في المجتمع ، وقد أشار الأمير إلى أنه في هذا الإطار تم إنشاء العديد من هذه المؤسسات منها على سبيل المثال : هيئة حقوق الإنسان ، والجمعية الوطنية لحقوق الإنسان ، وهيئة الصحفيين السعوديين ، ومركز الحوار الوطني ، بالإضافة إلى تأسيس العديد من الجمعيات الخيرية مثل : البرنامج الوطني للأمان الأسري ، والندوة العالمية للشباب الإسلامي ، والجمعية الخيرية لرعاية الأيتام ، ومركز الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة ، وجمعية الأطفال المعوقين ، وجمعية النهضة النسائية الخيرية ، فضلاً عن العديد من المؤسسات المتخصصة في مجالات الإعلام والاتصال والعلوم السياسية والاقتصاد والهندسة والحاسب الآلي والإدارة ومراكز التدريب والتأهيل بالإضافة لما تقوم به الغرف التجارية والصناعية ومجالسها من دور كبير وجهود ملموسة في تنمية وتطوير القطاع الخاص () .

ويروي الدكتور عبد الله مرعي بن محفوظ قصة حوار عام مع الأمير فيصل بن عبد الله الفيصل مع اقتصاديين ومحامين بمختلف درجاتهم العلمية والاجتماعية حول مفهوم المجتمع المدني السعودي ، يقول مرعي : " كان نتاج حوارنا " اتفاق " أننا لسنا " ليبراليين " حسب التعريف الغربي ، بل مواطنون متمدنون ومتنورون حسب الانتماء الوطني ، نسعى إلى التطوير والتحديث للأطر الاجتماعية والاقتصادية في السعودية ، لذلك استندنا إلى قاعدة تاريخية هي أن " المدنية " ليست محصورة على الثقافة الغربية ، بل هي موجودة في جميع الحضارات والثقافات السابقة ، بمختلف التسميات والدرجات التي طبقت من ثقافة إلى أخرى " ، ويضيف مرعي : " أجمعنا على أن المجتمع المدني السعودي الحديث يسعى إلى ( العقد الاجتماعي والمواطنة ، ونبذ الانتماءات المذهبية والقبلية ، وتطبيق حقوق الإنسان، والشفافية والحوكمة ) ، واتفقنا في بداية الطرح أن الغرب يسعى إلى توثيق ( المدنية ) الحديثة بالحضارة اليونانية القديمة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، ويقفزون تاريخياً عن دور الكنيسة في عصورهم الوسطى ، التي كانت لها اليد العليا في تسيير أمور حياتهم ، إلا أننا نقدر تاريخهم المعاصر لحركة التنوير السياسي والاجتماعي والاقتصادي التي ظهرت في القرن السابع عشر الميلادي ، والذين استطاعوا أن يثبتوا للعالم أن البشر يستطيعون أن يبلغوا قدراً من الكمال على الأرض أخلاقياً واجتماعياً وعلمياً من خلال التنظيم الاجتماعي " () .

وفي المقابل : هناك من يرى ضرورة التخلي عن مسار المواءمة ، عبر إصلاح حقيقي يتجاوز التجميل الشكلي ، ووفقاً لهذه الرؤية فإن المؤسسات الأهلية في المملكة " شكلية " ، ولا يمكن تسميتها مؤسسات مجتمع مدني ، وبوادر المجتمع المدني التي يشار إليها ليست بنية حقيقية لمجتمع مدني ، حيث أنها ليست مستقلة ، وأنصار هذه الرؤية يرون أن المجتمعات الخليجية كلها تعاني غياب الطبقة المتوسطة ، التي تشكل الأساس لأي مجتمع ، فالأنظمة الديموقراطية يتضح فيها معالم المجتمع المدني ، حيث التقسيم والفصل بين السلطات ، والمجتمعات الليبرالية والعلمانية تتسم بالشفافية والمساواة ، وانخفاض نسبة الفساد فيها ، بينما تعاني الأنظمة الشمولية ، وبخاصة ذات الاقتصاد الريعي المعتمد على مصدر اقتصادي واحد ليس في الجهد نصيب فيه ، من استغلال السلطة ووجود حبل سري بين القطاع الخاص والعام ، واحتلال كبار التنفيذيين في الدولة أملاكاً في القطاع الخاص الذي يتضخم على حساب المال العام ، وبناء على ذلك : " أصبحت مؤسسات المجتمع المدني التي تمارس نشاطها بحرية دون تدخل حكومي يذكر عبارة عن الأذرع المنفذة لمبدأ الديمقراطية في أرض الواقع السياسي " و " معظم الدول الديمقراطية الحديثة تحكم وتدير شؤونها المختلفة في الواقع الفعلي ، من قبل مؤسسات المجتمع المدني فيها ، بصفة أساسية " ، والعقد المنصرم شهد توسعاً مذهلاً في حجم المجتمع المدني ونطاقه وقدراته في جميع أنحاء العالم ، مدعوماً بعملية العولمة واتساع نطاق نظم الحكم الديمقراطية ، والتكامل الاقتصادي ، وقد ارتفع عدد الجمعيات المدنية المعترف بها عالميا من ستة آلاف في 1995 إلى 150 ألفاً عام 2010 ، وهي أصبحت جهات مهمة لتقديم الخدمات الاجتماعية وتنفيذ برامج التنمية الأخرى ، كمكمّل للعمل الحكومي لاسيما في المناطق التي يضعف فيها الوجود الحكومي ().

 

مؤسسات المجتمع المدني السعودي

في مطلع العام 2007 أقر برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الامم المتحدة الانمائية " أجفند " الذي يرأسه الأمير طلال بن عبد العزيز الإسهام في تمويل صدور أول موسوعة عربية عن المجتمع المدني ، ويقوم بتنفيذ مشـروع " الموسوعة " الشبكة العربية للمنظمات الأهلية وهى إحدى المنظمات المتخصصة التي أسسها " أجفند " ، وتأتي هذه الموسوعة في أعقاب دراسات ميدانية أجرتها " الشبكة " كشفت عن قصور وخلط في المفاهيم والمصطلحات التي تحيط بطبيعة المجتمع المدني عامة والمنظمات الأهلية خاصة ، ما أدى الى استخدامها بطرق خاطئة ، وستكون الموسوعة دليلاً ارشادياً متكاملاً يجمع المفاهيم والمصطلحات المتصلة بالمجتمع المدني وتطبيقاتها التي ارتبطت بالإطارين العالمي والإقليمي () .

وهذا المشروع الموسوعي جاء ليواجه حالة من الجدل حول المجتمع المدني ومؤسساته لم تزل فصولها تتوالى ، وهو جدل حول الاسم والمسمى معاً ، ومن الناحية النظرية لم يأخذ مصطلح " المجتمع المدني " مكانه الطبيعي في المجتمع السعودي خلال العقود الثلاثة الماضية كما هو الحال في غالبية المجتمعات الأخرى وذلك لأسباب عديدة ، منها أن البعض لديه تحفظ على استخدام مصطلح " المجتمع المدني " معتبراً إياه لا يتناسب مع خصوصية المجتمع السعودي أو أنه يتعارض مع ثوابت الدين ، وأصحاب هذا الرأي بحاجة إلى إعادة القراءة مرة أخرى بإنصاف وتمعن ليدركوا أن " المجتمع المدني " أحد أهم الأركان التي قام عليها المجتمع المسلم منذ الهجرة النبوية وتأسيس المجتمع المدني في المدينة المنورة () .

والمجتمع المدني له مشروعية كبرى في المفاهيم الإسلامية العامة ، فهو تعبير عن مؤسسات تستهدف مقومات تعزز فكرة العمل العام وهو من التعاون على البر والتقوى ، وتعزز فكرة المشاركة في هموم المهنة وتقنين شروطها ، أي انها تعبر بشكل او بآخر عن بيت خبرة ، وهي أيضاً وسيلة لحفظ حقوق المنتمين للمؤسسة ، أي بمعنى تعزيز شروط العدالة ورفع الظلم وحفظ الحقوق ، وفي إدارة المؤسسة المدينية تتكرس شروط المشاركة والتسامح وقبول رأي الأكثرية ، وهي عمل عام يدعم شروط المواطنة حقوقاً وواجبات ، وهي تكريس لفكرة الانتماء الوطني والاجتماعي الواسع ، فمؤسسة المجتمع المدني إذن مدرسة تعيد صياغة عقل الشارع وفق أجندة المصلحة وضمن شروط المجتمع ومسلماته وتعمل من خلال نظم الدولة لا من خارجها () .

ومن الناحية التاريخية فإن الملك عبد العزيز حين دخل الحجاز 1924 وافق على طلب الأهالي تكوين مجلس أهلي يتكون من 15 عضواً يتم تعيينهم عن طريق الانتخاب ، وفي عام 1925 أصدر أمراً بتشكيل مجلس يجمع بين التعيين والانتخاب ، وفي عام 1927 صدر الأمر الملكي بتشكيل اول مجلس للشورى ، وقد ترأس الملك عبدالعزيز أول جلساته () وتفيد المعاينة التاريخية لمجتمع الجزيرة العربية - وتحديداً مجتمع منذ عام 1932- بوجود جنيني لمؤسسات ومنظمات وتنظيمات مستقلة أو شبه مستقلة ، ظلت محافظة على وجودها قرون عدة قبل نشوء الدولة ، واستمرت في الوجود إلى ما بعد نشوء الدولة المركزية الموحدة ، وهو ما يوازي دلالياً " مفهوم المجتمع المدني " ويمكن تسميته اصطلاحاً " المجتمع الأهلي " ، الذي يشمل التنظيمات الإرثية " القبلية ، العشائرية ، الطائفية " التقليدية حيث الانتساب إليها يكون في الغالب انتساباً جبرياً طبيعياً منذ الولادة ، وذلك كمظلة للحماية ، الاستقواء ، الدعم المادي والرمزي إزاء الآخر ، وفي مواجهة الظروف والأوضاع الحياتية والاقتصادية والاجتماعية القاسية ، وكذلك الطوائف المرتبطة بالحرف مثل الصيادين ، الغواصين ، الحدادين ، أو بمهن مثل التجار ، الصاغة ، المطوفين السقاة ، ناقلي البضائع ، ومرافقي وحماة قوافل الحجيج ، وكذلك أهل الحسبة ، ولا ننسى أيضاً الدور الهام للمسجد والوقف على صعيد المجتمع الأهلي ، والوقف بأشكاله الكثيرة () . 

ومن هذه الزاوية نستطيع القول بأن جذور المجتمع المدني المأمول بما يمثل من استقلال وتوازن في ظل غياب الدولة وحتى بعد قيامها موجودة وحاضرة في تراثنا وواقعنا الاجتماعي ، ويمكن الاتكاء والبناء عليها ، وفي كل الحالات نستطيع القول بأن المجتمع الأهلي ، خاصية الاقتصاديات الطبيعية وذات الامتدادات الرأسية التراتبية سواء التي تشمل التعاضديات الإرثية " القبيلة والعشيرة والطائفة " التقليدية ، حيث نلحظ وجود المكانة الاجتماعية المميزة للشيوخ والوجهاء والأعيان وعلماء الدين ، والأفراد العادين من جهة أخرى ، والأمر نفسه ينسحب وإن بمستوى أقل ، على أصحاب المهن من الصنائع والحرف () .

وإذا أطللنا – ابتداءً – على المشهد في دول مجلس التعاون الخليجي من خلال واحدة من أهم الدراسات حل واقع المجتمع المدني في دول مجلس التعاون الخليجي () وجدنا إقراراً بصعوبة الحصول على جميع المصادر والبحوث في دول المجلس وذلك للعديد من الأسباب في مقدمتها أن مؤسسات " المجتمع المدني " في معظم دول المجلس ما زالت ضعيفة قليلة العدد ، وقد استبعد واضعو هذه الدراسة الجمعيات الخيرية رغم كثرتها وتأثيرها الكبير في دول المجلس بسبب ابتعادها عن الأهداف المتعارف عليها في مؤسسات المجتمع المدني الأخرى () .

ورغم نمو المجتمع المدني الأهلي وتطوره في دول مجلس التعاون الخليجي بشكل ملحوظ مع سبعينات القرن الماضي إلا أن التحول النوعي على المستويين الكمي والنوعي لهذه المؤسسات جاءت مع الألفية الثالثة ، مترافقة مع التحولات نحو الديموقراطية والانفتاح وتداول مفهوم الشراكة بين الأطراف الثلاثة: الحكومي – الأهلي – الخاص، وقد شكل العمل الخليجي الرسمي في توجهاته وسياساته على الأصعدة المختلفة اندماجاً في العولمة واستحقاقاتها كدول ومؤسسات ، وتخلياً عن مفهوم " الدولة الراعية " لكل شيء فيما يتعلق بالاقتصاد الأمر الذي دفع دول المنطقة نحو إشراك مؤسسات المجتمع المدني في المسؤولية المجتمعية () .

كما أن مصادقة دول المجلس على عدد من الاتفاقيات والعهود الدولية الحقوقية والعمالية ، ومنها : " وثيقة إعلان الأهداف الإنمائية للألفية الثالثة " المتمثلة في مكافحة الفقر وتطوير التعليم وتمكين النساء وتعزيز المساواة وتطوير الخدمات الصحية والشراكة ، ترتب عليها ضرورة إشراك المجتمع المدني الأهلي في هذه المسئوليات بجانب الجهود الحكومية ، لذا فإن الخطاب الرسمي الخليجي التنموي بدأ مع مطلع الألفية يؤكد قيمة المشاركة الأهلية وبخاصة في المسئولية المجتمعية ، ومن ثم تفعيل دور الجمعيات الأهلية واعتبارها شريكاً في مواجهة تحديات التنمية مع حكوماتها () .

وبحسب إياد بن أمين - وزير الثقافة والإعلام بالمملكة - فإن إنشاء اتحاد للصحافة في دول مجلس التعاون نموذجاً لحراك المجتمع المدني ، متمنياً أن تتمدد أوصاله وتتوسع نماذج التعبير عنه وتتشابك منظماته على امتداد دول المجلس ليكون رديفاً لما هو قائم ويجري بناؤه من صيغ التعاون السياسي والاقتصادي بيـنـها ، فالمجتـمعات المعاصرة " تسير على ثلاثة أقدام : المؤسسات السياسية ، والقطاع الاقتصادي ومنظمات المجتمع المدني وأي ضعف في واحدة منهن يجعل المسيرة المجتمعية عرجاء متباطئة " () .

ويتخذ المجتمع الأكاديمي في الخليج موقفاً داعماً لأهمية تعزيز مؤسسات المجتمع المدني ، فمثلاً في ختام المؤتمر السنوي الثالث لقسم العلوم الاجتماعية بكلية الآداب والعلوم الذي المنعقد في نوفمبر 2010 بالدوحة تحت عنوان " المجتمع المدني في البـلاد العربية : تحديات الحاضـر وفــرص المستقـبل " صدرت توصيات تشدد على تفعيل منظمات المدني () .

وتبين الدراسات والأدبيات والتشريعات المعمول بها في دول مجلس التعاون الخليجي – وإن اختلفت مسميات المجتمع المدني – أن هذه المنظمات مؤسسات وسيطة تقع بين الدولة والأسرة وتستند على أساس تطوعي ولا تستند إلى روابط عشائرية أو قبيلة أو عصبيات عائلية ، وأن هذه المؤسسات تتوافق حول قواعد قانونية تحكم عملها وتهدف إلى تحقيق مصالح أفرادها وإلى تحقيق المصلحة العامة ، وهذه الجمعيات والمؤسسات تستند إلى الديموقراطية الداخلية فيما بين أعضائها وفق القوانين والتشريعات المعمول بها في دولها ، ويمكن القول بأن الجمعيات الأهلية والنفعية في دول المجلس تبلغ ما يقارب 10 آلاف تتوزع أنشطتها في أهداف متعددة ، ويشمل المفهوم في دول الخليج الجمعيات والمؤسسات الأهلية الخيرية وذات النفع العام والروابط المهنية والعلمية مثل المحامين والمهندسين والأطباء والمعلمين والأكاديميين ، وكذلك روابط رجال وسيدات الأعمال ، ويشمل المفهوم كذلك الاتحادات والنقابات العمالية والتعاونية والمنظمات الحقوقية والأندية الاجتماعية والرياضية والأدبية والثقافية والفنية ، أما أعضاؤها فيقدرون بنحو مليون عضو () .

وتشترك الجمعيات الأهلية بوجه عام في غلبة التوجه الخيري الدعوي للدين الإسلامي ، وبخاصة الالتزام بأحكام الشريعة والتكافل الإسلامي وأحد ركائزه جمع الزكاة وتوزيعها على المستحقين ، ويقوم هذا التوجه الخيري على ثقافة التطوع القائمة على ثقافة العطاء المادي ، ما يؤدي إلى قيام علاقة مباشرة بين المانحين والمتلقين ، والتوجه التنموي لدى بعض الجمعيات الأهلية في دول مجلس التعاون الخليجي بدأ يطبع عملها ومجالات نشاطاتها ، وبخاصة الاهتمام بالتعليم وتدريب فئات بعينها " مستهدفة "كما أن الجمعيات الحقوقية أصبحت منتشرة في جميع دول المجلس () .

وتتحدد العلاقة بين الجمعيات والدولة في دول المجلس من خلال أن الحكومة هي مصدر التشريعات التي تنظم قواعد العمل الأهلي ، وهي أيضاً المصادر الرئيسة إن لم تكن الوحيدة لدى بعض الجمعيات على صعيد التمويل ، كذلك تدخل الدولة في علاقة خاصة مع بعض المنظمات الأهلية لتنفيذ مشروعاتها وخططها في مجال الرعاية الاجتماعية ، وأخيراً فإن الحكومات تقوم بتحديد الجهات الإدارية التي تشرف وتراقب عمل هذه الجمعيات () . 

ومعظم مؤسسات المجتمع المدني لا تضمها " شبكات " غير الآونة الأخيرة شهدت تشكيل اتحادات لبعض الجمعيات المهنية ، مثل اتحاد الصحافة الخليجية ، واتحاد جمعيات الاقتصاديين الخليجيين ، فضلاُ عن ملتقيات دورية لجمعيات الاجتماعيين الخليجيين ومنتدى التنمية الخليجي ، وكذلك أنشئت اتحادات للنقابات العمالية () .  

 

مؤسسات المجتمع المدني في المملكة

تعود جذور المجتمع المدني السعودي إلى مطلع القرن الماضي عندما وضع نواته الأولى المؤسس الملك عبد العزيز من خلال إنشاء " الهجر " لتوطين البادية ، وليكون المؤسس بذلك التفكير رائد المجتمع المدني السعودي ، وقد أشار أستاذ الأدب الحديث في جامعة القصيم الدكتور حسن الهويمل في دراسته : " التأسيس للمؤسسات المدنية في عهد الملك سعود بن عبد العزيز " ، إلى أن " ريادة المجتمع المدني كانت من خلال إنشاء مؤسسات الدولة على يد المؤسس للكيان الملك عبد العزيز – طيب الله ثراه – والتأسيس المدني على يد مؤسس المجتمع المدني الملك سعود بن عبد العزيز – طيب الله ثراه – وأما مرحلة الانطلاق فبدأت على أيدي إخوانه من بعده " () .

وقد كان من المبادرات المبكرة في مجال إنشاء منظمات المدني إنشاء أول نقابة للسيارات في المملكة وصدر الأمر بإنشائها في 3 رجب 1372 وسميت " نقابة السيارات " ، وجاء في الباب الأول من نظام تأسيسها ووظائفها وواجباتها: " تؤسس في المملكة العربية السعودية إدارة تكون مهمتها ترتيب وتنظيم نقل الحجاج وتسمى : نقابة السيارات" ().

وحتى صدور هذه الدراسة () يلاحظ غياب شبه تام لمنظمات المجتمع المدني في المملكة ، حيث يقتصر الأمر على الجمعيات الأهلية والإغاثية ، وعلى سبيل المثال توجد في المملكة (510) جمعيات " بر " ، بينما لا توجد سوى جمعية واحدة للإسكان ، في الوقت الذي معــظم من يستفيد من جمعيـــات البر مشكــلاتــهم الإسكــان ، وقد أصدرت الممـلــكة " الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفقر " وتم تشكيل الصندوق الخيري لمعالجة الفقر ، ومؤخراً بدأت المملكة الاهتمام بمؤسسات المجتمع المدني وبالأخص في الألفية الثالثة ، وقبل إقرار القانون المنظم لعمل الجمعيات الأهلية ، جرى – بموجب مراسي ملكية – الترخيص للمنظمات الأهلية التالية :

  • الجمعيات الثقافية في المدن الرئيسة مثل الرياض وجدة والطائف والدمام وغيرها .
  • الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان .
  • جمعيات دعم المرأة مثل جمعيات سيدات الأعمال ومركز خديجة بنت خويلد .
  • جمعيات الرعاية الاجتماعية () .

وقد شهد العام 1992 إعادة مجلس الشورى في عهد الملك الراحل فهد بن عبد العزيز ، إذ مثل إلى جانب النظام الأساسي للحكم ونظام المقاطعات الصادرين في الفترة نفسها ، خطوات تاريخية مهمة ، وقد تم تشكيله من 40 عضواً ثم ارتفع إلى 150 عضواً في الوقت الحالي ، وإن كان ما زال بحاجة إلى بعض الصلاحيات كالتشريع والرقابة والمساءلة والمحاسبة () .

ولا يمكن أن نقلل من أهمية ومغزى بعض المنجزات وإن كانت لا تزال متواضعة أو في بداياتها التي تحققت في السنوات القليلة الماضية ، كتأسيس بعض الجمعيات المهنية والحقوقية ، مثل هيئة الصحفيين السعوديين 2003 والجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في السعودية 2004 ، والسماح في عام 2004 للعمال في المنشآت التي يزيد عددهم فيها على المائة عامل ، تشكيل لجان عمالية فيها () .

وفي جلسته العادية في 31- 12- 2007 أقر مجلس الشورى السعودي مشروع نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية الذي يقنن اللوائح ويتضمن تأسيس هيئة وطنية للإشراف عليها ، كان المجلس قد انتهى من مناقشة مواد النظام والتصويت عليها خلال أعمال جلسته الثامنة الخمسين ، وحسب الأمين العام المساعد للمجلس أحمد بن عبد العزيز اليحيى أن " الشورى صوت بالموافقة على مشروع النظام عقب استماعه لتقرير تضمن وجهة نظر اللجنة الخاصة بشأن ما أثير من مرئيات ومداخلات لأعضاء المجلس "، مشيراً إلى أن اللجنة المعنية كان لديها رغبة أكيدة في جمع قدر أكبر من المرئيات والملحوظات التي تُطرح لتتم دراستها والاستفادة منها في صياغة النظام الذي يعد من أهم الأنظمة التي ناقشها مجلس الشورى () .

وجاءت مناقشة المجلس لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية بشكل مفصل لكل ما تضمنه من فصول ومواد بلغت 51 مادة جاءت مقسمة على سبعة فصول تناولت الأهداف والتعريفات والتصنيفات ، إضافة إلى إنشاء الهيئة الوطنية للجمعيات والمؤسسات الأهلية وما يتعلق بمهامها وتنظيمها الإداري ، وإنشاء الجمعيات الأهلية ، النظام أفرد فصلاً لكل ما يتعلق بمنح صفة النفع العام لإضفاء هذه الصفة على الجمعيات التي تطابق الشروط بحيث تعطي بحصولها على الصفة عدداً من الامتيازات ، وضم النظام مواداَ أساسية تتمثل في صورة أحكام عامة تتعلق بحل المؤسسة ودمجها والاستئناف أمام القضاء والتصرف بأموالها ومستنداتها والضوابط المحددة لذلك ، كما خُصص فصل يتناول الاتحادات النوعية للجمعيات والمؤسسات ، ويجيز للجمعيات والمؤسسات الأهلية ذات النشاط المتشابه تأسيس اتحاد فيما بينها بهدف إيجاد آلية أهلية لتنظيم العمل الأهلي ورفع كفاءاته ، وتخضع تلك الاتحادات لهذا النظام وأحكامه () .

وثمة من يرى أن صدور نظام مؤسسات المجتمع المدني سيفتح الباب لبروز عديد من الأنشطة التطوعية التي تخدم المجتمع في شتى المجالات التي ستنضوي تحت هذا المسمى الكبير والواسع ، إذ يسمح بدخول مؤسسات عدة في المجتمع كالمؤسسات الخيرية والتطوعية والحقوقية والمهنية والعلمية وجمعيات الأمومة والطفولة والاتحادات والجمعيات الحقوقية والرياضية وجمعيات رجال الأعمال وجماعات الرفق بالحيوان وجمعيات حقوق الإنسان واتحادات العمال ومؤسسات الاستشارات العائلية ومكافحة الاتجار في البشر وكثير من المؤسسات التي نجد لها عدداً من المهتمين بالمجتمع وقضاياه للتطوع وإفادة الآخرين من خلال الدور الرقابي والخدمي بما تمتلكه من صلاحيات معنوية تؤهلها للمساهمة والمشاركة في السياسات العامة ، حيث كما هو معروف أن المجتمع المدني ينمو بمقدار استعداد أفراده للعطاء دون مقابل لخدمة المجتمع ، وهذا ما حثنا عليه ديننا الحنيف قبل أن تعرفه الدول الغربية التي خطت خطوات كبيرة في " حوكمة " منظمات ومؤسسات المجتمع المدني لديها حتى باتت تخدم مجتمعها المحلي والإقليمي لتتطور بعض منها وتخدم كل العالم بأهداف وأطر محددة ، وصدور النظام وتشكيل هيئة عليا للإشراف عليه خطوة إيجابية في طريق الحوكمة وتسهيل إنشائها وستظهر مؤسسات مجتمع مدني مبتكرة تواكب المجتمع المحلي كما يتوقع أن تحقق المؤسسات السعودية سواء الحديثة منها أم القديمة تمدداً كبيراً بأهدافها وقيمها وإمكانياتها المادية والبشرية كدأب كثير من المؤسسات السعودية التي ظلت تقدم خدماتها لعموم المواطنين () .

ومن التجارب الناجحة في مجال العمل المدني - الأهلي في المملكة " مجلس المسؤولية الاجتماعية بالرياض " ، فالمفهوم متسق تمام الاتساق مع التوجه العالمي نحو تكريس المسئولية الاجتماعية لرأس المال ، لكنه في الوقت نفسه يعمل وفقاً لمعايير نابعة من المجتمع من حيث الرؤية والأولويات ، وفي افتتاحه المعرض الأول للمسؤولية الاجتماعية دعا الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز رئيس مجلس المسؤولية الاجتماعية بالرياض إلى تأصيل ثقافة المسؤولية الاجتماعية ووصفها بأنها ثقافة راقية تستمد جذورها من قيم إنسانية ودينية ووطنية هي ثقافة المسؤولية الاجتماعية بمفهومها المتخصص الذي يعنى بمنشآت القطاع الخاص. وهو اعتبر التجربة نتاج تفاعل متميز مع هذه الثقافة الناشئة التي تجسد أن " المسؤولية الاجتماعية " للأفراد ومنشآت القطاع الخاص في المملكة تنامت لتتجسد على أرض الواقع في مبادرات " بشكل يعزز قدراتها كشريك لأجهزة الدولة في التنمية الشاملة " ، والمجلس أتاح توفير قاعدة علمية ودليلاً تنطلق منه برامج الشركات والمؤسسات بما يتواكب مع الاحتياجات الفعلية للتنمية المستدامة () .

وقد أصبحت منظمات المجتمع المدني حاضرة في علاقات المملكة الدولية ، فمثلاً في إطار الفعاليات المصاحبة لزيارة الملك عبد الله إلى الهند عام 2006 كان هناك بالتوازي مع زيارته وفد من منظمات المجتمع المدني السعودية() وهو ما تكرر في زيارة إلى إيطاليا عام 2007 كان هناك وفد من مؤسسات المجتمع المدني السعودي () وفي المقابل ، يحظى المجتمع المدني السعودي باهتمام دولي أكاديمي وإعلامي ورسمي – لا يخلو من محاولات استغلال سياسي وأحياناً استقواء ضمني أو علي بالغرب – ففي زيارته إلى المملكة في نوفمبر 2012 التقى الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند شخصيات تمثل المجتمع المدني ، وبحث معها الإصلاحات التي بدأها الملك عبد الله بن عبد العزيز منذ تسلمه سدة الحكم العام 2005 ، وتطرق الحوار إلى الحقوق التي نالتها المرأة من حيث تعيينها في مجلس الشورى وحق الترشح والتصويت في الانتخابات البلدية ، والثلاثة الذين التقاهم الرئيس الفرنسي هم محمد آل زلفة ، عضو مجلس الشورى حتى 2009 ، وهو ذو توجهات ليبرالية وشخصية مثيرة للجدل طالما اتهم بالخروج عن تقاليد المجتمع السعودي ويحمل آل زلفة شهادة دكتوراه في التاريخ الحديث من جامعة كمبريدج البريطانية ، وقبلها ماجستير من جامعة كنساس الأميركية ، وهو من أشد المطالبين بحقوق المرأة ، وهناك أيضاً الناشط الحقوقي إبراهيم المقيطيب ، رئيس جمعية حقوق الإنسان ، ويطالب المقيطيب بعدم التفرقة بين الطوائف الشيعية والإسماعيلية والسنية ، " فالمواطنون يجب أن يكونوا متساوين أمام القانون " ، ويدعو إلى أن " تكون السعودية دولة متعددة المذاهب " ، ثالث الذين التقاهم هولاند أحمد العمران وهو مدون شاب (28 عاما) صاحب مدونة " سعودي جينز " ، الذي ينتقد الأوضاع الاجتماعية التي تشغل الرأي العام السعودي ، وقد حذر العمران مراراً من الكبت() .

والمجتمع المدني - الأهلي السعودي هو ظاهرة مزدوجة جديدة يجري تكييفه وتقنينه ليلائم الأهداف والأولويات والتقاليد السعودية ، وقديم تجري الاستعانة به على مستويات عدة ، وبخاصة أن الظاهرة في سياقيها المعرفي والواقعي موضوع جدل ومحاولات استثمار سياسي لا تخطئها العين ، وهي من ثم حالة ما تزال في طور التشكل .

 

مستقبل المجتمع المدني السعودي

سؤال المستقبل هو الأساس متعلق بغيب لا يعلمه إلا الله ، لكنه على سبيل الاحتمال أصبح علماً تجتهد العقول في حصر فروضه وممكناته بأمل الاستشراف وتعزيز ما هو إيجابي – وإن أمكن – تيسير مسار أفضل ، وتتجلى أهمية المستقبل في التنوع الكبير للمؤسسات والأدوار الاجتماعية المساندة للتنبؤ بالأحداث المستقبلية في سياق فكرة المستقبل بمعناها الجديد المستخدم ، وقد أكد عديد من المفكرين هذه الأهمية " وتحظى الدراسات المستقبلية في جميع الميادين العلمية والثقافية والسياسية والإعلامية والمعلوماتية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والاجتماعية وغيرها من العلوم بأهمية أساسية في التنمية المؤسسة والمبنية على العلم " ، وقد " أصبح علم المستقبليات جزءا رئيساً من التخطيط الاستراتيجي الشامل ، ومن هنا نبع الاهتمام الجدي بالدراسات المستقبلية وجعلها واقعاً ملموساً في حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعرفية وغيرها ، ولكن هذا العلم " الدراسات المستقبلية " () .  

وهذا العلم ليس تأصيلاً للرجم بالغيب أو استلهام الطالع أو قراءة الفنجان ، لا سمح الله ، وليس دعوة للوهم والوهن ، وإنما هو محاولة للفت الأنظار القصيرة لتتجاوز ما تحت الأقدام ، وتفكر في الأفق والمدى القريب والمتوسط والبعيد ، وهي دعوة للتخطيط العلمي والعملي المتميز ، والمرتكز على وقائع الماضي ومعطيات الحاضر وإرهاصات وتحديات ومتغيرات ومحددات وبشائر المستقبل ، كعنصر أصيل يساعد المخططين وصناع القرار الاستراتيجي ، وعلم المستقبل يمثل أحد العلوم المهمة في دول العالم المتقدم ، وتجند له كل الإمكانات من المتخصصين من مختلف العلوم ، وتنشأ من أجله الكليات ومراكز البحوث والدراسات والهيئات العلمية ، وتدعم الكراسي البحثية في هذا المجال وبقوة ، وهو في النهاية رؤية شاملة للمستقبل تضع في حسابها حقائق العلوم ومعطيات التاريخ والتجارب السابقة ، وتستقرئ الحاضر وتتجه نحو المستقبل ، وعلينا أن نعرف ماذا يُعنى بهذا العلم وما هو تعريفه ونمطه ومفهومه ونشأته وإطاره وأهميته وأساليبه وأغراضه وأهدافه ومبادئه ومسلّماته وعناصره وخصائصه ومناهجه ومنهجياته وإيجابياته ومعوقاته ومحدداته ومهدداته ، وعلاقته الحميمة بعلم الاستراتيجية لكي نستطيع أن ندرك أهميته ، والمستقبليات – كما أشرنا – لا تنفي حقيقة أنه لا توجد معرفة يقينية بالمستقبل ، وهذا هو التناقض الذي يواجه الدراسات المستقبلية ، فرغم أنها تفترض أن المعرفة الوحيدة المفيدة للإنسان هي معرفته بالمستقبل إلا أنه لا توجد معرفة يقينية بالمستقبل ، ذلك أن وجود حقائق قديمة وخيارات حاضرة وإمكانات مستقبلية فإن المستقبل فقط يمكن افتراضه () .

وقد تجاوزت المستقبليات حدود الترف الفكري ، وبدأت دول عديدة بالفعل تنتهج خطوات عملية بناء على توصيات علماء المستقبليات ، كما فعلت النرويج التي خبأت الأرشيف الحيوي للأرض في كبسولة محصنة في القطب المتجمد الشمالي () ، ويتحدث ويم ج. دو. ريدر - أستاذ الدراسات المستقبلية في جامعة توينتي في هولندا - عن فضاء جديد لم يكن موجوداً فيما سبق ، الفضاء القائم على الشبكات ، ويؤدي هذا إلى بروز طبقة متميزة جديدة تتمتع بقدر كبير من النفوذ ، وبناء عليه ، ستنشأ إمكانية تمتع بحوث المستقبليات بنفوذ كبير على عملية اتخاذ قرار سيؤدي فيها المواطنون دوراً ، وبما يكون للسيناريوهات في هذا الميدان وظيفة مهمة ، خاصة في حالة الشبكات المتفاعلة التي جمعت معاً من قبل أناس مروا بتجارب من التفهم والحماس ، ويعرض ريدر دراسة أجريت على المستوى الإقليمي في هولندا ، وتدعم نتائجها الفرضية القائلة إن مجموعات من المواطنين يمكنهم إنشاء مستقبلهم من خلال الاستخدام الجيد لمساهمات المستقبليين () .

وموضوع المجتمع المدني هو اليوم من المواضيع الأكثر تداولاً في جميع المجتمعات لارتباطه من جهة بشكل الحكم الأكثر ديموقراطية ومن جهة ثانية بالعولمة في جميع مستوياتها ، فالمجتمع المدني هو في ذهن النخبة بشكل خاص والنخبة العربية بشكل أخصّ مرادف للتحول الديموقراطي ، فهو بديل عن المجتمع الذي تهيمن فيه سلطة الدولة الاستبدادية الشمولية ، والبديل عن النظام القبلي والمجتمع الطائفي ، فعنـدما نتحدث عن " التحول الديموقراطي" في عالمنا العربي يحضر إلى ذهننا مدى حاجتنا الى تطور الدساتير وتطور القوانين وشرعة حقوق الإنسان ووضعها موضع التنفيذ ، وهذا كله لن يتحقق ما لم ينشأ في كل مجتمع موقع فاعل وفقاً لما يسمى المجتمع المدني ، فهو يسعى إلى التغيير والدفاع عن حقوق وتطلعات فئات واسعة في المجتمع والضغط على مراكز القرار ، لذلك ، علينا الأخذ في الاعتبار كلاً من الزمان والمكان عندما نفكر في مفهوم المجتمع المدني والمفاهيم المماثلة . 

أول اشكالات العلاقة بين المجتمع المدني والدولة : غياب الثقة المتبادلة ، فلا هذا الأخير يثق بالأولى ولا الأولى تثق بهذا الأخير ، هذا الأمر تترتب عليه أمور كثيرة مهمة تأخذ شكل قيام الدولة بتبني مجموعة من الأدوات القانونية والأمنية والسياسية والإعلامية التي تؤدي الى إحكام السلطة على المنظمات الأهلية أو المدنية ، وهكذا فإن العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني تحتاج إلى إعادة النظر من ناحية المرجعية والمفهوم والأدوات بحيث تصبح علاقة شراكة حقيقية تكون فيها السلطة ، في إطار التشريعات والقوانين والممارسة ، مشجعة للعمل الأهلي ليأخذ هذا الأخير دوره الكامل في خدمة الناس وفي تنمية المجتمع وصولاً إلى بناء الدولة المدنية . 

ومن الضروري التركيز على تنمية العمل المدني بشكل كبير ، فمنظمات المجتمع المدني تُعرف بأنها العناصر الفاعلة الأساسية في برامج التنمية البشرية ، ولا سيما في ما يتعلق بتقديم الخدمات للفقراء والمهمشين ، وفي محو الأمية ورعاية الشبيبة والعمل في قضايا العلاقة ما بين الرجل والمرأة ونوادي تكنولوجيا المعلومات وحماية البيئة والمجتمع المدني هو الساحة الشرعية التي يستطيع المواطنون المشاركة فيها بشكل متزايد في مرحلة التحول إلى مجتمع ديموقراطي ، لذلك يجب على المجتمع المدني أن يدعو الى إزالة العقبات التشريعية والعملية التي تكبح نشاطه ، أو أن يعمل من أجل وضع إطار قانوني يسمح بالدعوة الى تغيير السياسات ومتابعة أداء الحكومة والقطاع الخاص وتطبيق المساءلة () .

وأهم قضايا المستقبل في ما يخص المجتمع المدني السعودي ، قضية المشروعية ، ورغم وجود إطار قانوني لهذه المؤسسات فإن بعض الجمعيات في المملكة توجّهت للحصول على تراخيص من دول مثل كندا ، حيث يمكن تسجيل أي جمعية خيرية غير ربحية في الخارج ويكون معترفاً بها عالمياً ، شريطة أن تخضع لرقابة مالية ولنظام العمل التابع للدولة المرخصة () ، لكن المشروعية القانونية تظل جانباً واحداً من المعنى الواسع للمشروعية ، ذلك أن المجتمع المدني ما زال يثير جدلاً في المجتمع السعودي منشأه الرئيس موقف تكرسه الثقافة المحافظة – دينياً واجتماعياً – التي تعد دون شك أحد مكونات ثقافة وطنية شديدة الغنى لها جذور ورافد متعددة ، وفي مقابل عدد لا حصر له من الأدبيات التي تعتبر المجتمع المدني عاصفة على الهوية السعودية توجد أصوات تمثل " مساراً فرعياً " في الخطاب السعودي – وبخاصة السلفي – ترحب بالظاهرة ولا تدعو إلى مقاومتها .

ففي كتابه : " ثلاثية المجتمع المدني : عن سر نجاح الغرب وإخفاقنا " للدكتور عبد الله الحامد يؤسس لفكرة المجتمع المدني من شرعياً واجتماعياً تأسيساً يتجاوز كل مقولات خطاب التكييف السائد ، وهو يرى أن " الحياة المدنية " من نسيج العقيدة ومن صلب تعاليمها ، وما وضع الرسول – صلى الله عليه وسلم - أسسه في المدينة كان تدشيناً لمجتمع إسلامي يهاجر أهله من طباع البادية الوحشية إلى طباع الحاضرة الراقية ، وما فيها من سمو السلوك() ، ويرى الحامد أن المجتمع المدني ضرورة للدولة العادلة باعتبار أن الحكم الدستوري والفصل بين السلطات هي ما يضمن ذلك وأن الطريق إليه هو " الوصفة المجربة في كل زمان ومكان : قيم المجتمع المدني وتكتلاته الأهلية " ، وهو حسب تصوره ضابط العلاقة الطبيعية بين الدولة والمجتمع ، وهو طريق التقدم في كل زمان ومكان، والمجتمع المدني مفهوم " حضاري عالمي إنساني " ، بل إنه من مقاصد الشريعة الكبرى () .

 

ويتضمن مصطلح المدني عند الحامد ما يلي :

أولاً : أن تتقرر في الثقافة السياسية والاجتماعية التي تحكم الدول على أساسها حقوق الإنسان التي عرفتها الطبائع بالفطرة وأكدتها الشرائع وأن يضمنها القضاء المستقل . 

ثانياً : أن تقوم العلاقة بين الحاكم والأمة على التعاقد والتراضي ، فتحفظ الدولة حريات الناس وحقوقهم وأن يقوم الناس بطاعتها على هذا الأساس ، وبهذا المعنى تكون الدولة تجسيداً لإرادة مواطنيها ، ولا يكون ذلك إلا من خلال النظام الدستوري ، فالمجتمع المدني ليس ضد الدولة ، لكنه ضد وصاية الدولة على المجتمع ، ضد المقولة السائدة : " ولي الأمر أدرى بالمصلحة " ، فعندما توجد منظمات المجتمع المدني لا تكون الدولة أدرى بمصلحة الناس بل يكون الناس هم الذين يقررون ما مصلحتهم ، وتقوم الدولة بتنفيذ إرادتهم .

ثالثاً : أن الضامن للمجتمع من الاغتيال ، والضامن للدولة من الزوال ، والضامن لاستمرار ثقافة الكرامة والحرية والعدالة والمساواة هو أن تبرز " تجمعات للمجتمع المدني " أهلية غير رسمية () .

ومن الضروري – بحسب عبد الله الحامد – تأسيس المفهوم وتأصيله ، بصورة تنسجم مع منظومتنا الإسلامية ، فتجديد الإسلام من الداخل والتأسيس على النص القرآني والنبوي والتطبيق النبوي والراشدي حجة على الفقهاء المحافظين والحداثيين المستغربين معاً ، على الذين يظنون أن صيدلية الفقهاء الأقدمين كافية للإجابة عن تحديات العصر الحديث ، والحداثيين الذين يظنون أن الإسلام غير قادر على سك فقه التقدم () . 

 

والمجتمع المدني يتكون من : 

أولاً : القيم ، وأهمها : الحرية والعدالة والكرامة والشورى . 

وثانياً : الإجراءات الدستورية ، كالفصل بين السلطات .

وثالثاً : التكتلات الأهلية . 

وتشمل تجمعات المجتمع المدني : 

  • الجماعات المهنية .
  • الجماعات الاجتماعية .
  • الجماعات الثقافية .
  • الجماعات الاقتصادية () .

والتصور الذي عرضناه مختصراً أن المجتمع المدني يمكن أن يجد أرضية في الفكر الإسلامي التجديدي تستوعب أهدافه ومؤسساته دون شعور بالتهديد الحضاري ، وهذا جانب مهم في مفهوم المشروعية الذي من المؤكد أنه لا ينحصر في مشروعية إجراءات التأسيس . 

وبعد المشروعية يأتي ثاني العوامل التي ينتظر لها أن تؤثر في مستقبل المجتمع المدني السعودي وهي " المواءمة " ، فالتحولات الإصلاحية التي تشهدها المملكة منذ سنوات جميعها تفسح مجالاً لدور " غير رسمي " كبير ، وبخاصة فيما يتصل بما أصبح يسمى " الحكم الرشيد " ، وهو مفهوم ظهر للمرة الأولى عام 1989 في تقرير للبنك الدولي عن الدول الأفريقية جنوب الصحراء ، وفيه تم وصف الأزمة في المنطقة بوصفها " أزمة حكم " ، حيث أرجع الخبراء فشل سياسات الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي في هذه الدول إلى الفشل في تنفيذ السياسات وليس إلى السياسات نفسها ، وهي الفترة التي شهدت لغة أكثر جرأة في وثائق الهيئات المانحة في الحديث عن ضرورة إصلاح نظم الحكم وتفعيل النظام الديموقراطي التعددي ، فضلاً عن بروز حقوق الإنسان كمكون رئيس في الحكم الرشيد() .

وتشمل خصائص الحكم الرشيد :

  1. المشاركة .
  2. حكم القانون .
  3. الشفافية .
  4. حسن الاستجابة .
  5. التوافق .
  6. المساواة وتكافؤ الفرص .
  7. الفعالية .
  8. المحاسبة .
  9. الرؤية الاستراتيجية () .

 

ومع التغيرات الدولية منذ تسعينات القرن الماضي تزايد الاهتمام الدولي بالمنظمات غير الحكومية كشريك للدولة في التنمية ، وهو اهتمام تزايد منذ مطلع الألفية ، فأصبحت هذه المنظمات بكل تنوعها مقبولة لدى الراي العام والحكومات ودوائر رجال الأعمال والمؤسسات الدولية ، وهو ما ترافق مع زيادة هذه المنظمات في مختلف دول العالم ، ولم يعد وجود هذه المنظمات وحده معياراً للحكم الرشيد ، بل اعتبرت فعالية المجتمع المدني في مواجهة الدولة أحد معايير الحكم الرشيد () ، وهو ما يتسق بدرجة كبيرة مع المسعى الإصلاحي في المملكة .

وثالث الاعتبارات التي ستسهم في تحديد مسار الظاهرة " الأدوار الداعمة للدولة " ، فلا شك في أن التخوفات التي يستشعرها البعض من أن هذه الظاهرة ليست سوى خصم من رصيد الدولة وقيداً على سيادتها ، أو حتى انتقاصاً منها ، يمكن أن يتقلص تأثيره إلى حد ملموس باضطلاع المجتمع المدني بدور داعم للدولة ، ومن المجالات الرئيسة لمثل هذا الدور " المجال التنموي " . 

وينقسم العمل المؤسسي في المملكة من المنظور التنموي إلى ثلاثة قطاعات رئيسة : العام ، الخاص ، والمدني ، تملك الحكومة القطاع العام وتديره من خلال ثلاث سلطات رئيسة : السلطة القضائية ممثلة في المحكمة العليا ، والسلطة التنفيذية ممثلة في مجلس الوزراء ، والسلطة التشريعية ممثلة في مجلس الشورى ، ويملك المواطنون القطاع الخاص ويديرونه من خلال مجموعة من المؤسسات الربحية المختلفة ضمن مجموعة من الأنظمة والتشريعات المتنوعة ، ويشترك كل من القطاعين العام والخاص في ملكية القطاع المدني ويديرانه من خلال مجموعة من المؤسسات غير الربحية المختلفة تعرف بمؤسسات المجتمع المدني ، من أمثلة مؤسسات المجتمع المدني : الجمعيات الخيرية ، الجمعيات العلمية ، والجمعيات المهنية ، ورغم عراقة هذه المؤسسات إلا أن مشاركتها في العملية التنموية منذ بداية التخطيط الاقتصادي مطلع السبعينيات الميلادية وحتى اليوم ما زالت دون المأمول () .

وقد أسهمت مؤسسات القطاع العام في تنفيذ الخطط التنموية الأولية ، ثم تطور عدد الشركاء في تنفيذ الخطط التنموية اللاحقة بدخول مؤسسات القطاع الخاص شريكاً رئيساً في العملية التنموية السعودية ، مدعومة بتطلعات الاقتصاد السعودي لتنويع مصادر الدخل ، استمر عدد الشركاء الرئيسين مقصوراً على مؤسسات القطاعين العام والخاص ، ورغم ما تملكه مؤسسات المجتمع المدني من إمكانات فنية تنموية نابعة من ملامستها احتياجات المواطن بشكل أكثر قرباً من مثيلاتها في القطاعين العام والخاص ، إلا أن تحديات الموارد المالية تقف عائقاً أمام وجودها شريكاً رئيساً في العملية التنموية السعودية جنباً إلى جنب مع زميلاتها في القطاعين العام والخاص () . 

ومن أهم المجالات التي قد تسهم في مواجهة تحدي الموارد المالية التي تواجه مؤسسات المجتمع المدني ، القطاع الخاص الأجنبي الموجود في المملكة ، والدافع خلف التركيز على القطاع الخاص الأجنبي دون السعودي ثلاثة دوافع الأول : إيجابيات زيادة عدد الشركاء الرئيسين في العملية التنموية بدخول القطاع الخاص الأجنبي جنباً إلى جنب مع مثيله السعودي ، الثاني : أهمية استثمار نمو المشاركة المستهدفة للقطاع الخاص الأجنبي في الناتج المحلي الإجمالي السعودي بما يضفي مزيداً من القيمة التنموية لطبيعة مشاركته ، والثالث : التقاء توجهات مؤسسات المجتمع المدني التنموية مع محفزات مشاركة القطاع الخاص الأجنبي بشكل مباشر عوضاً عن غير مباشر عبر القطاع الخاص السعودي ، ويشير تقرير الاستثمار العالمي 2012 الصادر من مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية " أونكتاد " إلى أن إجمالي حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الاقتصاد العالمي 1.5 تريليون دولار أميركي في 2011 جذب الاقتصاد السعودي من إجمالي حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الاقتصاد العالمي في 2011 نحو 0.91 في المائة ، وحسب " الاستراتيجية بعيدة المدى للاقتصاد السعودي " الصادرة من وزارة الاقتصاد والتخطيط يستهدف الاقتصاد السعودي أن يصل ناتجه الإجمالي المحلي إلى نحو 2543 مليار ريال بحلول 2024 ، وإذا استخدمنا معدل النمو السنوي لحجم الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة خلال 1990 – 2011 ،  فإن هذا يقودنا إلى توقّع أن يصل حجم الاستثمار الأجنبي في المملكة إلى 781 مليار ريال بحلول 2024 ، يشكل هذه الحجم ما نسبته نحو 31 في المائة من إجمالي النتاج المحلي السعودي المستهدف في 2024 () .

ويقودنا الحديث عن الدور التنموي لمؤسسات المجتمع المدني وجدوى شراكتها مع القطاع الخاص الأجنبي بما يسهم في أدائها دور شريك رئيس في العملية التنموية السعودية إلى التأكيد على أهمية دعم دور مؤسسات المجتمع المدني في العملية التنموية السعودية بما يمكنها من أداء دور تنموي رئيس يمكنها من العمل جنباً إلى جنب مع مثيلاتها في القطاعين العام والخاص واستثمار حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة المستهدفة من قبل الاقتصاد السعودي بما يدعم الدور التنموي لمؤسسات المجتمع المدني تمثّل في مجملها بيئة محفزة لإعادة النظر في الأنظمة القائمة بما يمكنها من تأطير عملية تحصيل الضرائب من الشركات الأجنبية العاملة في المملكة () .

وهكذا فإن المجتمع المدني يصبح أن يصبح رافعة تغيير إيجابي ما لم يتحول – بسبب المبالغين في التخوف منه والمغالين في التخويف به – إلى ساحة حرب فكرية فقهية واجتماعية ، والمستقبل دائماً مرهون بسلوك اللاعبين جميعاً: الدولة ، المجتمع ، مؤسسات المجتمع المدني ، والفاعلين السياسيين الآخرين ، الرسميين وغير الرسميين ، لكنه على وجده القطع أحد مفردات لغة المستقبل