يرجى تدوير الجهاز الى الوضع العامودي للحصول على افضل طريقة عرض لموقعنا

 د. سامر أبو رمان 

اعتنت استطلاعات الرأي في السنوات الماضية بشكل كبير بقياس الآراء حول حكم الإسلام وتطبيق تعاليمه والاستناد إلى الشريعة في بناء التشريعات والأنظمة ، وقد تنوعت الفئات المستجيبة لهذه الاستطلاعات ، فهناك بعض الجهات التي تنفذ استطلاع آراء المسلمين في مناطق مختلفة من العالم ، ومن أبرزها : " غالوب " (Gallup) و " بيو " (Pew) ، كما توجد بعض الجهات المحلية في بعض الدول العربية والإسلامية ، وقد ظهرت بعض الجهات التي اهتمت بدراسة رأي الأميركيين حول العلاقة بين الإسلام والشريعة والديمقراطية ، مثل : (PIPA) .

نستعرض هنا أبرز النتائج التي تضمنتها نتائج استطلاعات الرأي المتعلقة بحكم الإسلام ودور الشريعة وعلماء الدين في الحكم ، والعلاقة بين حكم الإسلام والديمقراطية ، والمشاريع الاستطلاعية التي تناولت هذه العلاقة ، وكذلك العلاقة بين الثورات العربية ووصول الإسلاميين إلى السلطة ، ثم نختم بآفاق ورؤى مقترحة لاستخدام استطلاعات الرأي من قبل الحركات الإسلامية ، بما ينسجم مع مرحلة ما بعد الثورات العربية وتولي بعض الإسلاميين السلطة في مجموعة من الدول العربية .

وقد اقتضت طبيعة الموضوع ومدى توفر المصادر ، بغية تقديم صورة متماسكة عن الموضوع ؛ الاستناد إلى عدة بيانات استطلاعية في السنوات الماضية ، مع التركيز على العام 2011 والمزج بين الرأي العام الإسلامي والأميركي حول مفردات الموضوع الرئيسة .

 

تأييد حكم " الإسلاميين " وتطبيق الشريعة

تواترت خلال السنوات الماضية نتائج مراكز استطلاعات الرأي العالمية على أن أغلب المسلمين في البلاد الإسلامية يريدون حكم الإسلام وتطبيق الشريعة ؛ ففي نتائج استطلاع آراء مجموعة من مواطني الدول الإسلامية الذي نفذته منظمة " غالوب " لاستطلاعات الرأي ، ضمن مشروعها العالمي في استطلاع آراء العالم - ومنها آراء المسلمين - والمنشورة على موقع مركز " غالوب " لدراسات المسلمين عام 2006، أيد - مثلاً - 93 % من الأردنيين أن تكون الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع ، (54 % يريدونها المصدر الوحيد ، إضافة إلى 39% يريدونها مصدراً للتشريع مع مصادر أخرى ) ، وأن 1% فقط من المستجيبين لا يريدون أن يكون للشريعة دور في التشريع .

وفي مصر أيد 90% من المصريين دور الشريعة بالتشريع ، كما أيد ذلك 81 % من الباكستانيين ، ومع وجود اختلافات حول دور الشريعة كمصدر وحيد للتشريع أو مع غيرها من مصادر التشريع : تتشابه هذه النتائج بين الدول الإسلامية المشمولة في العينة ، مثل : بنغلاديش ، والمغرب ، وإندونيسيا ، وإيران ، في حين يختلف هذا الاتجاه التأييدي العام في تركيا ولبنان ؛ حيث كانتا أقل الدول تأييداً لأن تكون الشريعة المصدر الوحيد للتشريع وأكثرها في رفض أن يكون للشريعة دور في التشريع ، حيث كانت نسبة المؤيدين في تركيا 57% ، وفي لبنان 33 % . 

 

 

وفي المجمل كان المعدل العام هو 79% للذين يؤيدون أن يكون للشريعة دور في التشريع في الدول العشر التي استَطْلَعت آراءها " غالوب " في ذاك العام . 

ولم تختلف هذه النتائج عن استطلاعات الرأي ما بعد الثورات العربية ، والتي نفذتها " بيو " PEW)) في نفس فكرة استطلاعات " غالوب " ، حيث سألت في ربيع 2011 عن مدى موافقة بعض الشعوب الإسلامية المشمولة بالعينة على العبارات : " القوانين يجب بشدة أن تتبع تعاليم القرآن " ، أو " القوانين يجب أن تتبع قيم ومبادئ القرآن ، ولكن بدون تشدد " ، حيث أيدت الغالبية العظمى في أكثر البلدان بأن تتبع القوانين تعاليم القرآن سواء بشكل " متشدد"  Strictly  () أو بدون تشدد ، فمثلاً : أيد ذلك 98% من الباكستانيين ، و 95% من الأردنيين ، و89 % من المصريين، و 66 % من الفلسطينيين ، وبقيت النسبة في تركيا ولبنان هي الأكثر رفضاً لاتباع تعاليم القرآن بين الدول المشمولة بالعينة ، وهو ما يتفق مع الاتجاه العام السابق في موضوع دور الشريعة في التشريع . 

 

أي من العبارات التالية أقرب لوجهة نظرك : 

  • القوانين يجب أن تتتبع تعاليم القرآن بشكل متشدد .
  • القوانين يجب أن تتبع قيم مبادئ الإسلام ولكن لا تتبع بشدة تعاليم القرآن .
  • القوانين يجب أن تتأثر بتعاليم القرآن . 
  • لا أعرف / رفض الإجابة .

 

ربيع 2011

تركيا     

مصر 

الأردن 

لبنان 

الأراضي الفلسطينية 

إندونيسيا 

باكستان 

 

 

هذه النتائج جعلت بعض المستطلعين المهتمين بنتائج استطلاع آراء المسلمين يتعاملون معها كحقيقة ، حتى إن بعضهم قرر تفكيك مفهوم الشريعة في تركيبة استطلاعات الرأي القادمة ، كما ذكر لي الدكتور : كلاي مدير الأبحاث في منظمة الرأي العالمية (WPO ) واشنطن – حيث إنه يفكر باستشارة علماء مختصين بالشريعة لتحديد هذا المفهوم ، وبيان أهم مفرداته ، ثم جمع النتائج الجزئية للوصول إلى النتيجة الكلية حول هذا الموضوع . 

وتأكيداً لما سبق ، فقد شنت بعض وسائل الإعلام الأميركية حرباً على المدير التنفيذي لمركز دراسات المسلمين في " غالوب " " داليا مجاهد " بعد إعلان هذه النتائج ، ومشاركتها في حلقة تلفزيونية لتوضيح النتائج ، واتهمتها بأنها مقربة من أفكار حزب التحرير الذي يركز في خطاباته على هدف تحكيم الشريعة ، وخاصة بعد مشاركتها في حلقة تلفزيونية مع أعضاء من حزب التحرير ؛ مما اضطرها لإرسال رسالة تنفي هذه التهمة ، وأن الاستطلاعات هي التي أنتجت هذه الأرقام !

ولعل ما يعزز الاتجاه العام الإيجابي السابق نحو حكم الإسلام ودور الدين في السياسية والتشريع هو تلك النتائج المتشابهة في أهمية الدين لدى شعوبنا العربية والإسلامية ، كما بينتها العديد من مؤشرات ومقاييس التدين ، كمشروع القيم العالمي "World Value Survey  " وغيرها ، والتي أظهرت أن 98% من المصريين ، و99% من الإندونيسيين ، و 86% من الأتراك ، يرون أن للدين أهمية كبيرة في حياتهم .

وبالرغم من النتائج السابقة فيما يتعلق بالمطالبة بحكم الإسلام ، فإن الرأي العام الإسلامي لا يربط ذلك مع ضرورة الحكم المباشر للقادة الدينيين ، وهو ما يوضح طبيعة دور القادة الدينيين في الحكم وبناء دستور الدولة ، فقد بينت استطلاعات " غالوب " ، حين سألت عن هذا الدور ضمن خيارات " مباشر " ، " استشاري " ، " غير مباشر " ، أن الأغلبية في أكثر الدول ترى أن يكون الدور المفضل للقادة الدينيين " غير مباشر " . 

 

 

المشاريع العربية الاستطلاعية 

بين تسويق الديمقراطية ومواجهة النظام الإسلامي

طرحت في السياق الغربي العديد من المشاريع الاستطلاعية في قياس الديمقراطية والاتجاهات حولها ، وقد استنسخت بعض الجهات العربية في المغرب العربي والشام هذه المقاييس تحت مسميات مختلفة ، مثل : " دراسة التحول الديمقراطي في ... " . 

 ونتناول هنا نموذجاً من هذه المشاريع ، مما له ارتباط بحكم الإسلام وشكل النظام السياسي المفضل ، وهو عبارة عن مجموعة من استطلاعات الرأي المتعلقة بالديمقراطية في الأردن ، التي نفذها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية خلال السنوات الماضية ، ونناقش بعض الأسئلة التي وردت في هذه الاستطلاعات ، والتي تعارضت بعض نتائجها مع الاتجاه العام لدى شعوب العالم الإسلامي في رغبتها بحكم الإسلام وتعاليم القرآن . 

أولاً : طرحت هذه المقدمة في صيغة أحد الأسئلة : " سوف أذكر لك بعض الأنظمة السياسية القائمة الآن في بعض دول الشرق الأوسط ، وأود أن أتعرف على مدى ملاءمة هذه الأنظمة لتكون نظاماً سياسياً في الأردن ؟ " ، وقد تضمنت الإجابة عدة خيارات ، كان أولها " نظام سياسي حيث الأحزاب السياسية كافة تتنافس من خلال الانتخابات النيابية ، وتشكل الحكومة على قاعدة الأغلبية " ، ولعل هذه الصيغة تثير إشكالية في محاولةٍ لدفع المستجيب لاختيار الخيار الأول ، وهي ربط نوع النظام السياسي مع الصيغة التي تلي الوصف بــ " حيث الأحزاب السياسية كافة تتنافس من خلال الانتخابات النيابية ، وتشكل الحكومة على قاعدة الأغلبية " ، هذا فضلاً على تأثير ما يسمى بالتأثير المبدئي للخيارات الموجودة في السؤال وترتيبها " Question- Order Effect " فيميل المستجيب في كثير من الحالات إلى الخيار الأول ؛ لذا فقد كانت الإجابات تميل لصالح هذا الخيار خلال المرات الخمس التي أجري فيها الاستطلاع في الأعوام  2006- 2010 .

 

بيانات استطلاع الديمقراطية في الأردن 2006، 2007 و 2008 و2009 و 2010

 

وفي صيغة السؤال ذاتها كان الخيار الثالث ( نظام سياسي تتنافس فيه أحزاب سياسية من تيار واحد " إسلامي مثلاً " ) ، والحقيقة أن القائمين على الاستطلاع لم يكونوا موفقين في ضرب المثال " إسلامي مثلاً "  من حيث إن هذا ينافي الواقع ؛ حيث لا توجد دولة في الجوار تتنافس فيها أحزاب إسلامية فقط على الحكم ، ولعل ضرب هذا المثال جاء بقصد توجيه الشخص المراد استطلاع رأيه إلى أن الأحزاب الإسلامية ذات طبيعة دكتاتورية تريد الاستئثار بالحكم ، ومنع مشاركة أية أطراف أخرى ذات توجهات مخالفة .

ومما يدعم افتراض ميل القائمين على الاستطلاع لصيغة معينة من صيغ أنظمة الحكم ، ما ورد أيضاً في ذات الأسئلة من صيغ الذم للخيارات الأخرى المتعلقة بشكل الأنظمة السياسية ، بطريقة ربما تكون مضحكة ، مثل : كلمة " لا يأبه " الواردة في الخيار الرابع : " نظام سياسي لا توجد فيه انتخابات نيابية ولا أحزاب سياسية ، ويحكم في إطار ما يسمى الشورى " ، وأيضا ربط بعض الجوانب السلبية في عقول الناس بمصطلح " الشورى " كما في الخيار السابق .

وبنفس هذه الخيارات جاء السؤال الذي يليه حول : " أي الأنظمة التالية هو الأفضل لحل مشكلة الفساد المالي والإداري والبطالة " ، ليكون الفائز مرة أخرى الخيار الأول ، بنسبة تفوق 3 أضعاف الخيار الذي يليه ، فجاءت النتيجة أن " النظام السياسي حيث الأحزاب السياسية كافة تتنافس من خلال الانتخابات النيابية ، وتشكل الحكومة على قاعدة الأغلبية " أفضل الأنظمة في حل مشكلة الفساد المالي والإداري ، وحل مشكلة البطالة ، وأن 10% ترى أن ( نظاماً سياسياً تتنافس فيه أحزاب سياسية من تيار واحد " إسلامي مثلاً " ) هو الأفضل في حل مشكلة الفساد المالي والإداري ، و 11% يرون كذلك فيما يتعلق بمشكلة البطالة () .

  وهنا يجدر القول والتذكير بأن نظام الحكم الإسلامي أعمق مما ورد في صيغة هذا السؤال من اختزاله بــخيار ( نظام سياسي تتنافس فيه أحزاب سياسية من تيار واحد " إسلامي مثلاً " ) ، متناسين أبرز صفاته في قصد نشر ثقافة العدل والمساواة في الفرص وتطبيقها ، والحرص على الخير بطريقة منظمة مؤسسية ، تحميها وتنميها مؤسسات النظام الإسلامي ، وأن الشريعة الغراء تسند بسماحتها وتدعو بكمالها وعدلها مطالب الشعوب في التصدي لدعاة الفساد وناهبي خيرات الأمة ومقدراتها ، ومراقبة الحكام ومحاسبتهم ، والحرية للشعوب والعدالة بين الأفراد.

 

الحكم الديمقراطي والحكم الإسلامي في استطلاعات الرأي

بالرغم من وجود المؤشرات السابقة التي تدل على قصد تسويق الحكم الديمقراطي من خلال هذه المشاريع الاستطلاعية الغربية أو المستعربة ، فإن من اللافت للنظر عند تناول نتائج استطلاعات الرأي التي تناولت النظام الديمقراطي في بعض الدول الإسلامية ومقارنتها مع الاستطلاعات التي تناولت فكرة الاستناد إلى حكم وتعاليم القرآن أن الرأي العام الإسلامي يؤيد أيضاً صيغة الحكم الديمقراطي في حال تم السؤال عن هذه الصورة بشكل منفصل ، كما في أسئلة "بيو" (Pew) المتكررة في ربيع عام 2010 و2011 .

 

أي من الثلاث عبارات أقرب لوجهة نظرك  :

- الديمقراطية مفضلة على أي نظام حكومي .

- في بعض الحالات ، حكومة غير ديمقراطية مفضلة .

- لشخص مثلي ، لا يهم ما هو شكل الحكومة .

- لا أعرف/ رفض الإجابة . 

ربيع 2011

ربيع 2010 

 

 

وتدل هذه النتيجة على أن المسلمين المشمولين في العينة لا يرون أن ثمة تناقضاً بين النظامين الديمقراطي والإسلامي من حيث درجة تأييدهم ، مع استثناء تفضيل النظام الديمقراطي في تركيا ولبنان ، وتفضيل الحكم الإسلامي في باكستان . 

وفكرة التفريق أو التشابه بين النظامين تناولتها بعض استطلاعات الرأي التي سعت لقياس رؤية الأميركيين لهذين النظامين ، حين بينت استطلاعات ( PIPA ) في عامي 2005 و 2011 أن الأغلبية البسيطة ترفض فكرة التناقض بين الإسلام والديمقراطية ، حيث رأت نسبة 55 % في مايو / أيار  2005، ونسبة 56% في إبريل / نيسان  2011، أنه يمكن للدول الإسلامية أن تكون ديمقراطية ، في مقابل ما يزيد عن ثلث الأميركيين يرون أن الإسلام والديمقراطية يتعارضان . 

 

 

الثورات العربية وحكم " الإسلاميين "

أثارت الثورات العربية العديد من التساؤلات حول الأسباب والدوافع لهذه الثورات ، والتي عكستها بعض استطلاعات الرأي ، ومنها استطلاعات رأي الأميركيين التي نفذتها بيبا (PIPA) ، وكرسي السادات في جامعة ميرلاند ، خلال شهر إبريل / نيسان  2011، حيث نجد أن أقلية صغيرة – فقط - من الأميركيين تعتقد أن الثورات في العالم العربي هي تعبير عن جماعات إسلامية تسعى للوصول إلى السلطة السياسية ، في حين أن الموقف الأكثر شيوعاً أنها في المقام الأول تعبير عن الناس البسطاء الذين يسعون إلى الحرية والديمقراطية ، فقد اعتبر 15% فقط أن الثورات العربية " أقرب ما تكون جماعات إسلامية تسعى للسلطة السياسية " ، واعتبر 45% أنها " أقرب ما تكون إلى ناس عاديين يريدون الحرية والديمقراطية " ، في حين اعتبر 37 % أنها " تمثل كلتا الصورتين بشكل متساو " . 

ولا يبدو أن هذه النتيجة مستغربة ؛ حيث لم يظهر ذلك الدور الإسلامي البارز في تحريك الثورات ، بالرغم من استثمار الظروف والمناسبات والقيم والمفاهيم الدينية الإسلامية بشكل كبير . 

 

 

حكم الإسلام ورأي الناس

بالرغم مما لكلمة " الأغلبية " من تقديس في الذهن ، واستخدام في التقارير في ميدان استطلاعات الرأي ، فإنه - بعد العرض السابق لنتائج استطلاعات الرأي حول تعاليم وحكم الإسلام - يجدر التنبيه إلى أنه من غير المقبول عند من يؤمنون بالنص الشرعي أن يخضع للنقاش ما هو قطعي بثبوته ودلالته ، مثل : تحكيم الشريعة لرأي الناس فهذا ببساطة دستور النظام السياسي الإسلامي ،" أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ " والخالق هو الأعرف بهذه النفس البشرية وصالحها " أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ " ، وستبقى هي النصوص التي نواجه بها فساد البشرية ودعوتها للرجوع إلى المنابع الصحيحة المتوافقة مع الفطرة .

وهو ما يعني عدم التعامل مع ما ذكرناه آنفاً من نتائج عالمية تبين تأييد تطبيق الشريعة بأكثر من حجمها الطبيعي بالشعور بالفخر والدعوة إلى تطبيقها ، والاستفادة مما نشره أهل العدل من غير المسلمين ، واعتبارها أداة من أدوات التأثير والتغيير والدفع نحو تنمية مجتمعاتنا من المنظور الإسلامي ، والاستناد إليها لتبيان أخطاء الكثيرين الذين وظفوا أدوات التأثير على صنّاع القرار لمواجهة النظام الإسلامي ، ومنها أداة استطلاعات الرأي ، مستخدمين سلاح " الناس يريدون كذا " ، أو " أغلب المسلمين يفضلون كذا " .

 

الإسلاميون و توظيف استطلاعات الرأي 

" ما قبل وصولهم للسلطة وما بعدها "

في ضوء الرغبة الشعبية لحكم الإسلام ، كما بينتها النتائج السابقة ، يمكن طرح تساؤل هام حول كيفية استفادة وتوظيف الحركات الإسلامية من استطلاعات الرأي ، سواء تلك النتائج المنفذة من قبل الجهات العالمية ، أو المحلية، أو ممارسة وتطبيق أداة استطلاعات الرأي في صالح هذه الحركات قبل وصولها للحكم وبعده ، ويمكن لنا اقتراح بعض الجوانب التي من شأنها المساهمة في تنمية وتحسين استخدام " الإسلاميين " لهذه المعلومات ولهذه الأداة الهامة في معرفة الآراء وفهم الاتجاهات ، على النحو التالي : 

- الاستفادة مما يسمى " تأثير الأغلبية " (Majority Effect) ، حيث إن نشر نتائج هذه الاستطلاعات وإبرازها سيكون له الدور الكبير في التأثير على الآخرين أو الصامتين ، بأن يكون لهم مواقف متوافقة مع رأي الأغلبية ، ويمكن في هذا السياق الاستفادة من تطبيقات مراكز الفكر والسياسيات في نشر وصياغة التقارير الداعمة لهذه التوجهات، وما يمكن أن تشكله من أثر لصناعة الآراء والمواقف . 

في ضوء النتائج التي تبين توافق الرأي العام الإسلامي على صيغة النظام الإسلامي والديمقراطي ، تبرز الحاجة إلى مشاريع استطلاعية تقيس فهم المسلمين أنفسهم للعلاقة بين النظامين الإسلامي والديمقراطي بطريقة أكثر احترافية وحيادية من المشاريع السابق الإشارة إليها ، وبطريقة تبرز مواصفات النظامين بطريقة وصفية عادلة ، ولدى مراكز الفكر التابعة للحركات الإسلامية تبرز الحاجة أيضاً إلى مشاريع استطلاعية لتحسين صورة النظام الإسلامي ، على غرار تلك المشاريع التي هدفت لتحسين صورة النظام الديمقراطي . 

يمكن للإسلاميين استثمار هذه النتائج بمنهجية ذكية واحترافية في الاستناد إليها في خططهم وسلوكهم وشرعيتهم ، واعتبارها مبرراً وتحدياً للوصول إلى السلطة . 

 يمكن للجماعات الإسلامية التي قررت وسنحت ظروفها لخوض العملية الانتخابية أن تستثمر نتائج استطلاعات الرأي التي تثبت رغبة أغلبية الشعوب بنظام وتعاليم الإسلام لمعرفة حجم القاعدة الانتخابية لهم ، وتفاصيلها ، ورغبات الشعوب ، وعوامل القوة في أماكن مختلفة من العالم أو في بلادهم . 

أن يقدم الإسلاميون الذين وصلوا إلى السلطة نماذج لتطبيق معاصر لتعاليم الإسلام في الاهتمام بالرأي العام ، والاعتبار من قصد الرسول - صلى الله عليه وسلم - في عشرات المواضع في السيرة النبوية طلب رأي الناس بقوله : "أشيروا عليّ أيها الناس " كما يمكن أن يطبق الإسلاميون تلك النماذج المعاصرة في توظيف استطلاعات الرأي في الحكم ، ومنها : طلب رأي الناس في الحكام فيما يسمى باستطلاعات الثقة بالحكام (Presidential Approval)() ، وثقتهم بأداء الحكومات بطريقة احترافية وحيادية من شأنها الحصول على المعلومات من المواطن بكل حرية وشفافية . 

النظر إلى استطلاعات الرأي السياسية كجزء أساسي في بناء علاقة صادقة بين الحاكم والمحكوم ، وأنها تطبيق للمشاركة المجتمعية الصحيحة التي من شأنها أن تزرع الولاء الصادق ، وليس الولاء الظاهري المرتبط بالمصالح الشخصية أو الخوف من السلطة السياسية .

تمثل نتائج انسجام أغلبية المسلمين في المطالبة بتطبيق تعاليم الإسلام دافعاً لاستقطاب قادة رأي وخبراء ومتخصصين للصف الإسلامي ، ممن لديهم رغبة في الدخول بالسلطة لخدمة أمتهم ونهضتها ، وذلك بالاستفادة من هذا الاتجاه الداعم ( Support Trend ) لحكم الإسلام ، مما يعزز من فرص فوزهم في الانتخابات . 

من المتوقع أن تزداد هذه النتائج الاستطلاعية الإيجابية في مطالبة الشعوب بتطبيق تعاليم الإسلام كما تعكسها استطلاعات الرأي بعد زوال ما تبقى من أنظمة الاستبداد والطغيان ، وبالتالي فإن الفرص مواتية وقوية لمزيد من الفترات الذهبية لحكم الإسلاميين في عدة بلدان عربية في المستقبل القريب - بإذن الله - .

تقدم هذه النتائج الاستطلاعية مع تغيرات عام 2011 التاريخية في العالم العربي مبررات ودوافع نحو لجوء الإسلاميين إلى التغيير السلمي السلس بدلا من التغيير الخشن الباهظ الثمن ، وخاصة في البلدان التي ستستفيد أنظمتها السياسية من دروس وعبر الثورات العربية وما جرى لحكامها ، وبالتالي تختصر خطوات ومراحل ، وتحقن الدماء ، وتحفظ الأموال .

ويبقى القول بأن هذه الكنوز المعلوماتية والنتائج الاستطلاعية الذهبية في رغبة الشعوب وتوقها لحكم الإسلام ودوره في التشريع ستقدم آفاقاً وتشكل فرصاً إيجابية كبيرة للإسلاميين في العام 2012 وما بعده نحو مزيد من التأثير وقيادة الشعوب، كما أنها في الوقت ذاته تشكل تحدياً كبيراً في كيفية استثمار الإسلاميين لهذه الأرضية لبناء مستقبل مشرق لأمتنا ، والخروج بها من ظلام التخلف وظلم الطغيان