يرجى تدوير الجهاز الى الوضع العامودي للحصول على افضل طريقة عرض لموقعنا

مقدمة

في ظل غيابٍ عربي تام، عُقدت يوم الثلاثاء 20‏/12‏/2016، في العاصمة الروسية موسكو، مباحثات روسية تركية وبحضور إيراني، ضمت وزراء الخارجية والدفاع، وذلك بعد سيطرة قوات النظام السوري على مدينة حلب، مدعومة بغطاء جوي روسي كثيف، وإسناد من الميليشيا الموالية لإيران، حيث ألقت روسيا بثقلها، واستخدمت جميع الوسائل العسكرية للسيطرة على أكبر مدن سوريا من حيث السكان، وهو ما تسبب في وقوع كارثة إنسانية أثارت شعوب العالم، فضلاً عن عمليات تهجير أهلها منها. عرَّض ذلك موسكو لانتقادات شعبية ودولية واسعة، وأصبحت مصالحها معرضة للخطر؛ حيث قتل خلال أسبوع واحد ثلاثة مسؤولين روس؛ هم: سفيرها لدى أنقرة، ووكيل وزارة خارجيتها، ومندوبها في حلف الناتو (NATO).

من جانبها شعرت تركيا بالخطر والحرج في الوقت ذاته، وحاولت إقناع الروس بخروج المحاصرين؛ من المدنيين والمقاتلين، من المدينة، وعلى الفور وافقت موسكو على العرض التركي؛ تجنباً لأي ضغوط أو انتقادات إنسانية إضافية، بل رأى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ذلك فرصة ليتحول من خلالها من مجرم حرب إلى صانع سلام، ومن طرفٍ مقاتلٍ إلى وسيط سياسي، وتعهدت روسيا بالضغط على النظام السوري وإيران لتنفيذ وقف إطلاق النار، وعدم استهداف حافلات إجلاء الأهالي.

أما إيران فتنظر إلى التفاهم الروسي التركي على أنه تهميش لدورها، وتهديد لنفوذها في سوريا؛ إذ غابت عن اتفاق جمَعَ روسيا وتركيا حول عملية إخراج أهالي حلب من المدينة، كما غابت أيضاً عمَّا عرف بـ(اتفاق أنقرة) حول وقف إطلاق النار في سوريا، وأصبحت موسكو تتحدث باسم النظام السوري وحلفائه، في حين تمثل تركيا طرف المعارضة في المباحثات الثنائية بين البلدين. ويظهر من خلال تصريحات المسؤولين الإيرانيين توجسهم من التقارب الروسي التركي، وأن إيران كانت تفضل استخدام الغطاء العسكري والسياسي الروسي لتحجيم الدور التركي في سوريا. 

في ظل تبادل المشادات بين أنقرة وطهران حول خروقات الهدنة، ومحاولة النظام وحلفائه السيطرة على وادي بردى الاستراتيجي غربي العاصمة دمشق، قبل الذهاب إلى (مؤتمر أستانا)، عاصمة كازاخستان، المزمع انعقاده نهاية الشهر الجاري (يناير/ كانون الثاني)، مقابل تهديد المعارضة بالرد على أي انتهاك للهدنة، في ظل كل هذا هل سيكتب النجاح لمؤتمر أستانا في غياب العنصر الأمريكي؟ أم أن من يقف خلف مقتل السفير الروسي لن يسمح بنجاح روسي تركي في سوريا؟ وما مستقبل العلاقات التركية الروسية في ظل العلاقات الروسية الإيرانية؟ وهل يتحول دور موسكو من طرف في الصراع إلى مدير له؟

عن إعلان موسكو

لم يتوصل الأطراف الثلاثة (الروسي والتركي والإيراني) إلى اتفاق تفصيلي وخريطة طريق واضحة حول الملف السوري؛ لذلك اكتفوا بذكر الخطوط العريضة وفق (إعلان موسكو)، تمهيداً لمؤتمر أستانا، وظهرت نقاط الالتقاء والاختلاف بين وزراء خارجية البلدان الثلاثة من خلال ما جاء في المؤتمر الصحفي المشترك.

ويمكن حصر النقاط المتوافق عليها في الآتي: اتفق الجميع على أن تبقى سوريا موحدة في ظل نظام ديمقراطي (علماني)، كما أكد البيان أهميةَ محاربة الإرهاب، ووقف إطلاق النار، وأكد خيارَ الحل السياسي في سوريا، وكان لافتاً ما نقلته وكالة (رويترز) عن لافروف بأن روسيا وتركيا وإيران اتفقت على أن الأولوية في سوريا هي "محاربة الإرهاب وليست الإطاحة بالرئيس بشار الأسد"، والتي لم يعلق عليها وزير الخارجية التركي.

أما عن نقاط الاختلاف فكانت حول تسمية الجماعات الإرهابية؛ فأكثر ما يهم تركيا هو تصنيف حزب البي ي دي (PYD) ضمن الجماعات الإرهابية، لكن وزير الخارجية التركي، جاوش أوغلو، قال إن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل الميليشيات التي تقاتل مع النظام السوري، في إشارة إلى حزب الله، ومن جانبه رد الوزير الإيراني، جواد ظريف، على ذلك بقوله إن الحرب ستكون ضد الجماعات المُصنَّفة (إرهابية) من قِبَل الأمم المتحدة؛ كـجبهة فتح الشام (النصرة سابقاً)، وتنظيم الدولة (داعش). 

الأهداف الدولية المتضاربة

لا شك أن سوريا أصبحت ميداناً لصراعات دولية، وارتبطت- بصورة غير مباشرة- بملفات أخرى؛ كملف أوكرانيا؛ إذا ما كان الحوار بين موسكو وواشنطن، والمصالح الاقتصادية بين روسيا وتركيا، وكذلك إيران وإسرائيل، حتى النظام المصري أصبح يستخدم الملف السوري ورقةَ ضغط ضد السعودية، ولكن الخطر الذي بات يشكله الصراع في سوريا على المنطقة، والذي يُخشى أن يؤدي إلى حرب استنزاف دولية إذا تمادت الأطراف في استخدام القوة العسكرية، قد يدفع الأطراف الدولية، وتحديداً الإقليمية، لتقديم التنازلات، ولعل الاستجابة الروسية لدعوة تركيا جاء نتيجة شعور الروس بخطر الاستنزاف والاستدراج الأمريكي لهم في سوريا، لذلك يرى كثير من المراقبين أن الإصرار الروسي التركي على إنجاح مؤتمر أستانا، يكشف حجم القواسم المشتركة بين الطرفين، على خلاف الموقف الإيراني من ذلك، ومن الأهمية بمكان معرفة موقف الأطراف من مؤتمر أستانا القادم:

  • روسيا

تدرك روسيا أهمية الوقت الذي تبدو فيه الإدارة الأمريكية منشغلة بنقل السلطات للإدارة الجديدة، وتسعى إلى فرض حالة تسوية في سوريا وفق مصالحها، مستغلة التنافس التركي الإيراني في الملف السوري والعراقي تحديداً، وعلى الرغم من علاقة موسكو المتينة بالرئيس الأمريكي القادم، دونالد ترمب، فإنها لا ترغب في حضور أمريكي قوي من شأنه إضعاف حضورها، إذ إنها تريد أن تبقى صاحبة الكلمة الأولى في الملف السوري، ومن جانب آخر ترى روسيا أن انتصارها في معركة حلب يمثل فرصة للحفاظ على صورتها، وخروجها بنفَس المنتصر، كما ترى أنها حققت هدفها في إنقاذ حليفها من السقوط، والسيطرة على مفاتيح الملف السوري من خلال التوازن بين إيران وتركيا، بحيث تبقى ممسكة بخطوط اللعبة؛ فهي تدرك أن الطرفين؛ التركي والإيراني، يتمتعان بنفوذ وقبول على الأرض أكثر منها، وأن عليها التحكم في الملف، وربط الطرفين باتفاقيات ملزمة، وترى كذلك أن هدفها الذي دخلت من أجله قد تحقق؛ وهو وجود قواعد عسكرية هي الأكثر قوة في البلاد، والسيطرة على الساحل السوري لمنع أي مشاريع قد تهدد أمنها أو اقتصادها؛ كمشروع الغاز القطري الذي كان يُراد له الوصول إلى تركيا ومن ثم إلى أوروبا، وهذا الهدف تتفهمه طهران بل وتشاركها فيه.

ولعل نجاح موسكو في سوريا، واستثمارها الفراغ الدولي والإقليمي هناك، منحها قدرةً أكثر على التحرك في المنطقة، وهو ما قد يشجعها على التوجه نحو فرض نفوذها في ليبيا، بدعم مصري جزائري، لتصبح موسكو على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط؛ ليبيا، بعد أن سيطرت عليه من الشرق في سوريا، في الضفة المقابلة لدول الاتحاد الأوروبي، وما يعزز ذلك هو زيارة الجنرال خليفة حفتر لروسيا مرتين خلال العام الماضي 2016.

  • تركيا

وجدت أنقرة نفسها مضطرة إلى التقارب مع موسكو، والحفاظ على ما تبقى من مكاسب لها في سوريا؛ نتيجة فتور علاقتها بالإدارة الأمريكية، بعد دعم الأخيرة للقوات الكردية في سوريا التي تعدُّها تركيا تهديداً فعلياً لأمنها القومي، بالإضافة إلى الدور المشبوه للولايات المتحدة الأمريكية في عملية الانقلاب الفاشلة، وامتناعها تسليم (فتح الله غولن)؛ المتهم الأول بعملية محاولة الانقلاب في15 يوليو/تموز 2016. 

بعد تزايد العمليات الإرهابية في تركيا أدرك الأتراك أنه ما لم تنتهِ الحرب في سوريا والعراق فإن النار المشتعلة هناك ستطول بلادهم، وأكد ذلك الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يوم الخميس الماضي 5/ 1/ 2017، عقب تفجيرات مدينة إزمير، حيث قال: "نعلم أن كل قنبلة، وأي حركة في تركيا، لها علاقة بما يجري في سوريا والعراق، ونحن نعلم أنه إذا لم نحقق الاستقرار لإخواننا هناك، لعيش حياة كريمة ومستقرة، فلن نستطيع أن نعيشها هنا"، هذا يفسر سعي أنقرة إلى تأمين حدودها، وضرب المليشيات الكردية ومنع الدعم الروسي لها، وسعيها أيضاً للسيطرة على مدينة الباب ضمن عملية (درع الفرات)، وتحريرها من مسلحي تنظيم الدولة (داعش). وهذا في مقدمة الأسباب التي حملتها على عدم التصعيد ضد الروس في معركة حلب. 

وفيما يتعلق بالجماعات المسلحة التابعة لإيران، التي تجاوز عددها 12 فصيلاً على الأقل، فإن تركيا تسعى إلى الضغط باتجاه إخراجها من سوريا تحت بند (مغادرة المقاتلين الأجانب)، وهو ما تخشاه طهران، وقد تدخل بسببه في مماحكات مع تركيا. ويعد تصريح مستشار مرشد الثورة الإيرانية، علي أكبر ولايتي، بعدم انسحاب حزب الله من سوريا بعد اتفاق وقف إطلاق النار، تعبيراً عن المخاوف الإيرانية من هذه الاتفاقيات التي تخشى أن تكون على حساب نفوذها في سوريا.

على الصعيد الدولي لا تبدو أنقرة قلقة من ردة الفعل الأمريكية حيال تقاربها مع الروس، لا سيما أن الرئيس الأمريكي الجديد، ترمب، تربطه علاقة بروسيا، بل إن الأتراك سيحاولون الاستفادة من حالة التنافس بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي من جهة، وأمريكا وإيران من جهة أخرى. 

  • كيف تنظر إيران إلى الاتفاق؟

على خلاف الطرفين الروسي والتركي؛ تبدو إيران قلقة من سياسات الرئيس الأمريكي الجديد ترمب، وهو ما قد يدفع طهران إلى التمسك بحليفها الروسي، ولو كان ذلك على حساب بعض مصالحها الجزئية. فمن الواضح أن إيران أجبرت على قبول الاتفاقيات التي وُقِّعت بين روسيا وتركيا بعد سيطرة قوات النظام السوري على مدينة حلب؛ تجنباً لأي خلاف بينها وبين روسيا، وهو ما قد يقوي الموقف التركي، ويتضح من خلال تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين أن إيران كانت ترغب في التمدد أكثر تحت غطاء الحليف الروسي. 

وقد أشار تقرير ترجمه موقع (عربي 21) عن موقع (تابناك) الإيراني الشهير، التابع للجنرال محسن رضائي، قائد الحرس الثوري الإيراني الأسبق، حول تطورات الأحداث في سوريا بعد التقارب التركي الروسي الأخير، إلى أنها لن تكون في مصلحة إيران.

وبدا جلياً على هذا التقرير تخوفه من دخول الأتراك طرفاً موازياً لروسيا، في حين يبقى الدور الإيراني هامشياً، وجاء فيه أن "كل شيء يبدو كما لو أنه يسير لصالح إيران بسوريا، ولكن ما يزيح ستار التفاؤل من أمام عيوننا جميعاً هي التطورات التي شهدتها الأسابيع الماضية، ممثلة في اجتماع موسكو الثلاثي بين طهران وموسكو وأنقرة، وما نراه الآن هو أن إيران أصبحت في هذا التحالف مثل الممثل الجالس في زاوية متروكة، فيما يتم نقل الأجندة الأمنية في سوريا تدريجياً إلى موسكو وأنقرة".

وقال: "رغم أن الكرملين صرح بوجود دور إيراني في الاتفاق، إلا أن عدم وجودها من حيث العمل الميداني، وعدم وجودها من بين الدول الضامنة للاتفاق رسمياً يعدُّ النقطة الأساسية التي لم تتم مناقشتها".

وأضاف (تابناك): "كل هذه القضايا تقول لنا شيئاً واحداً؛ هو أن أقل تقدير من حيث الأهمية الاستراتيجية بالنسبة لروسيا يشير إلى أن تركيا أكثر أهمية بالنسبة لموسكو من إيران، والدليل على ذلك أن روسيا الآن تتجه نحو المزيد من التعاون مع تركيا في مبادرتها بسوريا، وهذه المبادرة أصبحت في أيدي الأتراك والروس، وبالتشاور أخيراً مع إيران، ظاهرياً على ما يبدو".

ونتيجة لذلك تحاول طهران تحقيق مكاسب ميدانية بالسيطرة على بعض المناطق الاستراتيجية قبل الذهاب لمؤتمر أستانا، أهمها (وادي بردى الاستراتيجي)، المكون من 13 قرية (عشر منها مع المعارضة وثلاث تحت سيطرة النظام)، وتكمن أهمية الوادي في كونه: 

  • أولاً: يحتوي على المصدر الرئيس لمياه الشرب للعاصمة دمشق (نبع الفيجة).
  • ثانياً: يقع الوادي على بعد 15 كيلومتراً من العاصمة دمشق، لذا تهدف العملية إلى إفراغ محيط دمشق من أي تهديدات مستقبلية.
  • ثالثاً: تمكن أهميته أيضاً في أنه خط الوصل بين العاصمة دمشق والحدود اللبنانية، حيث يمتد على مساحة تقدر بـ 17 كيلومتراً. 

محددات تدفع نحو الحل 

  • الإصرار الروسي التركي على تنفيذ وقف القتال.
  • التوصل إلى اتفاق من 8 نقاط وهو (إعلان موسكو). 
  • إعلان هيئة الأركان العامة الروسية تقليص قواتها في سوريا.
  • توصل الأطراف السورية إلى أهمية الحل السياسي، بعد عجز أي منهم على حسم المعركة عسكرياً خلال السنوات الماضية.
  • فوز الرئيس دونالد ترمب شجع الروس على الانتقال إلى أولويات أخرى، كما أقلق الإيرانيين، ودفعهم إلى التمسك بموسكو أكثر.
  • التفجيرات الإرهابية المتتالية في تركيا دفعتها إلى تقديم تنازلات أكثر، والضغط على المعارضة لقبول تسوية سياسية مع النظام.
  • تغير الإدارة الأمريكية (من إدارة منافسة للدور الروسي إلى إدارة قد تصبح متماهية معه). 

محددات تدفع نحو الحرب 

  • غياب الثقة بين الأطراف الدولية (تركيا وإيران)، والمحلية (النظام والمعارضة).
  • حجم الشحن الطائفي خلال الأعوام الماضية. 
  • وجود مقاتلين أجانب في الداخل السوري.
  • احتمال رفض إيران خروج حزب الله من سوريا.
  • غياب تيار سوري وسط، يمكن أن تقبل به الأطراف كحل وسط لمرحلة انتقالية.
  • امتعاض بعض الدول الغربية؛ مثل ألمانيا وفرنسا، من التقارب الروسي التركي الجديد.

السيناريوهات المحتملة


على الصعيد الميداني

من خلال ما سبق يتضح أن فرضية حلحلة الأزمة سياسياً هو المرجح من خلال مباحثات طويلة، مع استمرار بعض المعارك الجانبية، ومن المتوقع أن تتجه المعارضة، بدعم دولي، إلى تفعيل المجالس المحلية، وتشكيل ودمج المقاتلين في جيش نظامي، وكذلك تأسيس مؤسسات حكومية لإدارة المرحلة الانتقالية.


على الصعيد السياسي (مؤتمر أستانا)

سيحرص الروس والأتراك على دعوة الأمريكيين، وكذلك الأمم المتحدة، التي باركت الاتفاق، كما قد تحضر دول عربية كالسعودية ومصر والجزائر، وستحاول روسيا إثبات أن الإدارة الأمريكية السابقة كانت سبباً في تأخر الحل في سوريا، وقد يحرص الروس والأتراك على حضور الرئيس الأمريكي الجديد المؤتمر، كأول نشاط سياسي له، إذ إن توقيت المؤتمر أول هذا الشهر يتزامن مع موعد تسلم ترمب مقاليد الحكم في البيت الأبيض.

أما عن المخرجات فمن المتوقع أن الروس والأتراك والإيرانيين، بالإضافة إلى الأطراف السورية، تعمل حالياً على صياغة الخطة التنفيذية، فاحتمالات نجاحه تبدو أكبر مقارنة بما سبقه، ولكن قد تجد صعوبة في التنفيذ؛ أي إن الحالة السورية تحتاج إلى عناية خاصة من قبل الرعاة الدوليين، وإلا فلن ينجح الأطراف في مواصلة التنفيذ نتيجة غياب الثقة بين الأطراف. 

أما انعكاس ذلك على العلاقات الروسية التركية فثمة عوامل تدفع نحو التقارب التركي الروسي، منها ما هو سياسي استراتيجي، مثل علاقة الطرفين بالولايات المتحدة الأمريكية، وفتور العلاقة بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يضعف دور حلف الناتو الذي تعده موسكو حلفاً خطيراً على أمنها، والعكس صحيح؛ ومنها ما هو اقتصادي، كالتعامل بالعملتين؛ الروبل الروسي والليرة التركية (RUB – TRY)، فضلاً عن المشاريع الاستراتيجية مثل مشروع (السيل التركي) لنقل 63 مليار متر مكعب؛ 47 مليار متر مكعب منها ستضخ للسوق الأوروبية، في حين سيخصص 16 مليار متر مكعب للاستهلاك التركي، بحسب وكالة الأناضول.

هذا يعني أن محددات التقارب باتت أكثر من أي وقت مضى، حتى إن مقتل السفير الروسي في أنقرة مر بصورة سلسة لم يتوقعها أحد.

هذا التقارب تفهمه طهران، التي باتت تستخدم روسيا فرسًا تمتطيه، على أنه اختراق تركي لمصالحها، وتهديد لنفوذها، غير أن البديل الأمريكي بالنسبة إلى طهران لا يبدو الخيار المفضل، وهو ما قد يستدعي البقاء مع الروس، لكن ذلك بلا شك سيدفع إلى تنافس تركي ايراني على النفوذ، وقد بدت ملامحه واضحة، وهو ما تريده موسكو لإحداث توازن قوى في المنطقة تستطيع من خلاله إدارة الصراع في المنطقة.