يرجى تدوير الجهاز الى الوضع العامودي للحصول على افضل طريقة عرض لموقعنا

 

تمهيد

ربما ستكون داعش هي الحركة الأهم التي قلبت شكل مسألة الاصطفاف السياسي والدولي رأساً على عقب ، على الأقل في السنوات الأولى لظهور داعش ، قبل أن يتكون التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على الأرض .

فحتى التنظيمات الجهادية التي تمارس فعلاً في نظر دول بعينها خارج عن إطار المشروعية تقف له بعض الدولة بالتأييد غير المباشر ، والدعم اللوجيستي ، والتمويل ، والدعم المخابراتي .

فهناك الدور الذي كانت تلعبه بعض الدول العربية في دعم المجموعات الجهادية في أفغانستان أثناء الحرب السوفيتية - الأفغانية ، ودور سوريا في دعم التنظيمات الجهادية أيضاً في العراق طيلة فترة الاحتلال الأمريكي ، والدعم الذي قدمته إيران للميليشيات الشيعية مثل ميليشيات حزب الله العراقية ، وميلشيات " بدر " التابعة وغيرها، كان يقول إن مصالح ما لدول تتشابك مع مصالح ما لمجموعات قتالية ومليشيا مسلحة ، لكن الوضع اختلف نسبياً مع تنظيم الدولة الإسلامية التي لوهلة فتحت جبهات مختلفة عليها ، في البداية كان النظام السوري ، ثم الحكومة العراقية بقيادة المالكي ، ثم زحفها على كردستان ، وقتلها للرهائن الغربيين ، ثم اقترابها من الحدود السعودية ، ثم فتحها حرباً مع الدولة اللبنانية وبالطبع حركة " حزب الله " في عرسال ، يقول إننا في حالة صعوبة في تفسير فتح كل هذه الجبهات بدون حليف واحد قوي ، أو على الأقل بدون حليف مباشر واضح المساندة والدعم على مستوى الخطاب السياسي أو عرقلة خطوات تُتخذ لوقف أو عرقلة ضرب التنظيم عسكرياً  .

التساؤلات المثارة عن مصلحة أمريكية غير مباشرة في وجود " داعش " لعودة الولايات المتحدة مرَّة أخرى للمنطقة قابله واقعياً تكوين تحالف تقوده الولايات المتحدة لدك قواعد التنظيم على الأرض ، بل ومصلحة إيران تقابلت وتقاطعت مع الأمريكي في مواجهة التنظيم ، ومصلحة إيران في فرض نفوذها وهيمنتها على الوضع بالعراق قابله دعم إيراني للأكراد ولحزب الله في محاربة التنظيم في مناطق " كردستان " و " عرسال " ، وخسارة جزء من النفوذ الإيراني بالعراق متمثلاً في الإطاحة بنوري المالكي ( الحليف الأهم لإيران والولايات المتحدة ) كما سيأتي ، تغول تنظيم الدولة في العراق والحدود اللبنانية خفف الضغط عن بشار الأسد ، لكنه في نفس الوقت سحب جزءاً من قوات ( حزب الله ) لمقاتلة التنظيم وعرقلته ، وإن كان يبقى الأسد بحسب القراءة التحليلية مستفيداً كثيراً بهذا الوضع أمام الغرب بالخصوص ، لتصديره صورة النظام الذي لا يقمع ثورة وإنما يحارب إرهاباً متطرفاً ، وهو ما قد يخفف عنه الضغط بشكل كبير  .

هناك نقاط وتساؤلات عدة يصعب فهمها وتحليلها إلا في إطار مركب ، يعني على سبيل المثال ما مصلحة تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ) في فتح عدة جبهات في وقت ، وهو أمر على المستوى العسكري قد يودي بمستقبل التنظيم ، فبغض النظر عن الاختلاف بين الدولة الألمانية أثناء حكم هتلر وبين تنظيم الدولة باعتبارها مجموعة تعمل على الأرض بشكل أقرب لحرب العصابات ، فخطأ " هتلر " الاستراتيجي كان في توسعة القتال ونقضه لاتفاقية عدم الاعتداء المبرمة مع الاتحاد السوفيتي وخوضه معركة مع السوفييت كلفته الحرب بأكملها .

الأمر الثاني أيضاً ؛ على مستوى التكتيك الإعلامي الذي ينتهجه تنظيم الدولة الإسلامية : ما مصلحة التنظيم في التكتيك الإعلامي الذي تتبعه في ذبح رهائنها علناً أمام العالم ( مع ملاحظة أن الرهائن كلهم غربيون ومن دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ) وهو الأمر الذي ألَّب الرأي العام العالمي عليها ، ووضعها في بؤرة " الجماعة الإرهابية " سريعاً ، وفي نفس الوقت عجَّل بقيام تحالف دولي ضدها !

أم أرادت " داعش " من خلال خطابها الإعلامي – الذي وصف بقوته وحرفيته الشديدتين - أن تخلق " معركة معنوية " تكسب بها عدة نقاط أن تستجلب تبعية الجماعات الجهادية المسلحة المتناثرة في باكستان وأفغانستان وصحراء الجزائر وسيناء ونيجيريا ومالي ، بحيث تعلن هذه التنظيمات نتيجة تصدر " داعش " رأس حربة المواجهة مع ( الغرب ) الولاء للخلافة الإسلامية المعلنة من قبل داعش في مناطق سوريا والعراق .

ثانيها ، تعظيم خطورة التنظيم ، وخطورة مواجهته ومن ثم تحطيم معنوية المجموعات المقاتلة لها في العراق وسوريا وكردستان وغيرها ، وهو الأمر الذي ظهر بوضوح في عملياتها السريعة في الموصل وأماكن بسوريا .

أسئلة عدة مهم طرحها لتفسير توجهات وحركة التنظيم الجهادي الأكثر شهرة والذي سبب إرباكاً شديداً لدول عدة بمنطقة الشرق الأوسط ودول أجنبية خارجية ، وزعزع ارتباطات سياسية وجيواستراتيجية واقتصادية قد تهدد بتغيير المنطقة ككل ، كما مثل تهديدا هو الأبرز من نوعه منذ احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق .

في دراستنا هذه سنحاول قدر الإمكان تقريب الصورة حول داعش ، لمسألة الارتباطات والتحالفات السياسية والعسكرية للتنظيم ، والتحالفات المضادة ، وأثر هذه التحالفات على التوسع العسكري لداعش على الأرض ، بالخصوص في العراق وسوريا ، بالإضافة لإلقاء الضوء على تاريخ التنظيم ، والسيرة الذاتية لمسئوله ( أبو بكر البغدادي ) الذي يقود التنظيم ، وشكل خطابه الإعلامي والسياسي ، وبنيته الفكرية والأيدلوجية .

أولاً : " الدولة الإسلامية " التاريخ والنشأة

 جاء تأسيس تنظيم " الدولة الإسلامية في بلاد العراق والشام " والذي اشتهر إعلامياً باسم ( داعش ) في خط تراكمي تمثلت تدريجياً بإعلان أبو مصعب الزرقاوي تأسيس جماعة " التوحيد والجهاد في بلاد الرافدين " ومن ثمَّ قام الزرقاوي بمبايعة ( أُسامة بن لادن ) وأعلن عن قيام " تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين " ، تلى ذلك الإعلان عن " دولة العراق الإسلامية " والتي انتهت إلى بضع خلايا نائمة بعد أن قامت العشائر العراقية بمحاربة التنظيم والقضاء عليه تقريباً .

 

عاد التنظيم مرة أُخرى إلى الواجهة بعد الثورة السورية بفترة ليغير اسمه إلى " الدولة الإسلامية في الشام والعراق " تحت إمرة ( أبو بكرٍ البغدادي ) الذي نصَّب نفسه خليفةً للمسلمين فيما بعد ،  تلى هذا الإعلان خلافاً بين التنظيم الأُم ( تنظيم القاعدة ) وبين التنظيم الفتي أفضى إلى مواجهة بالسلاح بين تنظيم النصرة التابع لتنظيم القاعدة وبين " داعش " في سوريا بعدما أعلن ( أيمن الظواهري ) تبرأه من تنظيم " داعش " .

 

استطاع تنظيم " داعش " أن يبسط سيطرته على مناطق شاسعة من العراق وسوريا ليعلن بعده عن قيام " الدولة الإسلامية " وتنصيب ( أبو بكرٍ البغدادي ) خليفةً للمسلمين ، سيتم في هذا الفصل الحديث عن مراحل قيام هذه " الدولة " منذ تأسيس تنظيم التوحيد والجهاد النواة الأولى وحتى إعلان قيام الدولة .

 

 

من تنظيم " التوحيد والجهاد " إلى " قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين " :

أسَّس مصعب الزرقاوي تنظيم ( التوحيد والجهاد ) في عام 2004 م بدعوى تحرير العراق من الاحتلال الأمريكي متكئاً على حصيلته القتالية ضد الروس في أفغانستان أواخر الثمانينيات ومستفيداً من معسكرات تدريب المسلحين العائدين من أفغانستان التي أنشأها في التسعينيات الميلادية ، ولم يمض الزرقاوي وقتاً طويلاً بعد إعلان أسامة بن لادن إنشاء تنظيم القاعدة ، فبايعه عام 2004 م وأعلن تحويل تنظيم التوحيد والجهاد إلى " قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين " الذي اعتبر حينها فرع تنظيم القاعدة في العراق ، بل رأى الزرقاوي أن ينص على أنه جزء من تنظيم ابن لادن فحول اسمه إلى " القاعدة في بلاد الرافدين " ثم إلى " مجلس شورى المجاهدين " وينتهي التنظيم عند هذا المسمى باستهداف الزرقاوي في هجوم أمريكي على مخبئه عام 2006 م  .[1]

 

اعتمد " تنظيم التوحيد والجهاد " و " القاعدة في بلاد الرافدين " فيما بعد استهداف الشيعة كخيار استراتيجي باعتبارهم مساندين للمحتل محاربين لأهل السنة ، وهذا كان أول خلاف بين جماعته والعشائر السنية والفصائل السنية الأخرى ، لأن المليشيات الشيعية كانت ترد في عمق المناطق السنية .

 

كان الزرقاوي قبل وفاته قد أدرك إشكالية أن يكون هو واجهة التنظيم في العراق ، فشكَّل ما عُرف بمجلس شورى المجاهدين الذي يضم عددا من الفصائل ووضع على رأسه عراقيا هو أبو عبد الرحمن البغدادي ، وهو تطور بدا مهما وإن لم يغير من حقيقة أن المجلس ظل صدى للقاعدة من حيث الوجهة السياسية والعسكرية .

 

بعد مقتل الزرقاوي نصّبت القاعدة أبا حمزة المهاجر زعيماً عليها ، حيث بادر الرجل مباشرة إلى إعلان البيعة لأسامة بن لادن كنوع من استمرار الوجهة التي بدأها سلفه ، فيما لُوحِظ أن العمليات التي تستهدف المدنيين الشيعة قد تصاعدت بشكلٍ لافت [2] .

 

 

دولة العراق الإسلامية :

بعد تولي أبو حمزة المهاجر لقيادة التنظيم سعى لإنشاء دولة أو إمارة إسلامية تجمع شتات الفصائل السنية ، لكن سياسته كانت أكثر حدة من سلفه ؛ فبعد إنشاء دولة العراق الإسلامية بإمرة أبو عمر البغدادي عمد المهاجر الذي كان القائد الفعلي للدولة - بحسب رسالة قاضي الدولة أبو سليمان العتيبي لقيادة القاعدة في أفغانستان - إلى إجبار الرافضين لمشروع الدولة من الفصائل الأخرى على بيعة أبو عمر البغدادي حتى وصل إلى قتال المنشقين عنه من تنظيم القاعدة ومن الجماعات الأخرى .

 

تسبب نهج " المهاجر " إلى نشوء ما يُعرف بمجالس الصحوات بمساعدة أمريكية وإقليمية عربية - وهو خليط من العشائر السنية والفصائل التي كانت تقاتل الاحتلال الأمريكي - لطرد تنظيم دولة العراق الإسلامية من مناطق الوسط والشمال السنية خاصة محافظة الأنبار وهو ما نجح بسرعة رهيبة بعد أن فقد التنظيم حاضنته الشعبية ، ولجأ إلى الصحاري والمناطق النائية وقلت عملياته بنسبة كبيرة في مواجهة المحتل والقوات العراقية المساندة له واستمر على هذا الحال ، إلا أن أواخر فترة المهاجر شهدت تصاعداً في العمليات ضد الحكومة العراقية لم يلبث حتى قتل المهاجر وأبو عمر البغدادي في غارة أمريكية على محافظة صلاح الدين .

 

تولى بعدها قيادة الدولة الأمير الحالي لداعش " أبو بكر البغدادي " وفي عهده حصلت الثورة السورية التي كانت متنفساً لتنظيمه فتدخلت الدولة تحت مسمى جبهة النصرة وظهرت بنهج مغاير تماماً للدولة حتى حصل الخلاف بينها وبين قيادة الدولة في العراق بعد إعلان البغدادي عن حل جبهة النصرة وإعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام .[3]

 

 الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) :  

في 19 أبريل / نيسان 2010 قتلت القوات الأميركية والعراقية أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر . وبعد حوالي عشرة أيام ، انعقد مجلس شورى الدولة ليختار أبو بكر البغدادي خليفة له والناصر لدين الله سليمان وزيراً للحرب في دولة العراق الإسلامية .[4]

 

في 9 أبريل / نيسان 2013 ظهر تسجيل صوتي منسوب لأبو بكر البغدادي يعلن فيه أن جبهة " النصرة " في سوريا هي امتداد لدولة العراق الإسلامية ، وأعلن فيه إلغاء اسمي " جبهة النصرة " و " دولة العراق الإسلامية " تحت اسم واحد وهو " الدولة الإسلامية في العراق والشام " . قابلت جبهة النصرة الانضمام إلى تنظيم الدولة في بداية الأمر بتحفظ . إلا أن الخلافات والمعارك بدأت بعد أن اتهمت الجماعات المعارضة الأخرى بما فيها " النصرة " تنظيم الدولة بمحاولة الانفراد بالسيطرة والنفوذ والتشدد في تطبيق الشريعة وتنفيذ إعدامات عشوائية ، خاصة أن هذا التنظيم اعترض علنا على طلب أيمن الظواهري - زعيم تنظيم القاعدة - بالتركيز على العراق وترك سوريا لـ " جبهة النصرة " .[5]  انشق أبو بكر البغدادي عن الظواهري وبدأت السجال بينهما حتى وصل إلى حد استخدام السلاح و الحرب بين التنظيمين في سوريا .

 

تمكنت " داعش " من إحكام سيطرتها على كامل مدينة الرقة السورية ( مركز المحافظة التي تحمل اسمها ) بعدما انسحبت فصائل المعارضة الأخرى التي كانت تتواجه معها ، وأصبحت المدينة مركزاً للتنظيم ، وفي تطور سريع للأحداث تمكن التنظيم من السيطرة على مدينة الموصل - ثاني أكبر مدينة عراقية - تلاها السيطرة على عدة محافظات عراقية هي صلاح الدين وجزء من ديالى والأنبار .

 

وفي نهاية شهر يونيو من العام 2014 أعلن أبو محمد العدناني المتحدث الرسمي باسم داعش  عن إعلان الخلافة الإسلامية وتنصيب أبو بكر البغدادي خليفةً للمسلمين ، وإلغاء مسمى الدولة الإسلامية في الشام والعراق ليصبح " الدولة الإسلامية " .

 

أبو بكر البغدادي ... خليفة " داعش " :

هو إبراهيم عواد البدري المعروف بأبو بكر البغدادي ، جهادي عراقي نصبه تنظيمه المنبثق عن تنظيم القاعدة خليفة على المسلمين في كل أنحاء العالم ودعاهم لبيعته وطاعته ، تفيد المعلومات القليلة المتداولة عن نشأة إبراهيم عواد إبراهيم بأنه ولد عام 1971 في مدينة سامراء العراقية لعائلة متدينة ، وهو ينتمي إلى عشيرة البدري . وينقل تقرير لصحيفة تلغراف البريطانية أن البغدادي انتقل إلى حي الطبجي في بغداد وهو في سن الـ18 حيث حصل على شهادته الجامعية الأولى والماجستير من جامعة العلوم الإسلامية ثم حصل على الدكتوراه في القانون الإسلامي من الجامعة ذاتها في العام 2000 .[6]

التحق البغدادي بجماعة التوحيد والجهاد التي تستلهم نهج تنظيم القاعدة . وقد اعتقلته قوات الاحتلال أواخر عام 2005 وسجن لمدة أربعة أعوام في سجن بوكا في البصرة حيث تعرف إلى أعضاء معتقلين من تنظيم القاعدة وانضم إليهم .

 

وتقول معلومات وزارة الداخلية العراقية بهذا الصدد : إن الدكتور إبراهيم عواد إبراهيم السامرائي " كان يعرف بأبي براء وتشرب الفكر التكفيري من قادة التنظيم الذين كانوا معتقلين معه وقتذاك " .

وقاتل البغدادي القوات الأميركية في العراق تحت إمرة الزرقاوي حتى مقتل الأخير في غارة أميركية عام 2006 ومن بعده خليفته أبو عمر البغدادي الذي قتل هو الآخر في العام 2010 ، وهو العام الذي تزعم فيه أبو بكر البغدادي تنظيم دولة العراق الإسلامية [7] .

انتهز البغدادي فرصة اندلاع الثورة السورية ضد الرئيس بشار الأسد ، فأرسل مساعده أبا محمد الجولاني إلى سوريا لكي يوجد لتنظيم القاعدة موطئ قدم هناك ، وشكل جبهة النصرة التي أعلنت عن نفسها بسلسلة تفجيرات وباتت رقما صعبا ضمن المعارضة المسلحة التي تقاتل نظام الأسد .

وفي التاسع من أبريل / نيسان 2011 ، ظهر تسجيل صوتي منسوب للبغدادي أكد فيه أن جبهة النصرة في سوريا هي امتداد لدولة العراق الإسلامية ، وأعلن توحيد اسميْ  "جبهة النصرة"  و " دولة العراق الإسلامية " تحت اسم واحد وهو " الدولة الإسلامية في العراق والشام " . ومع تزايد نفوذ الجولاني بسوريا ، ورفضه فتوى بدمج قواته تحت قيادة زعيم تنظيم الدولة بالعراق ، شنّ البغدادي حربا على جبهة النصرة مما أدى إلى انفصاله عن تنظيم القاعدة .

وتجاهل البغدادي نداءات زعيم القاعدة أيمن الظواهري لترك سوريا لجبهة النصرة ، ووسّع عملياته في شمال وشرق سوريا عامي 2012 و2013 ، واشتبكت عناصره مع قوات النظام السوري ، غير أنها كرست جل مجهودها لمحاربة كتائب المعارضة المسلحة الأخرى .

 

في 29 يونيو / حزيران 2014 أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام قيام ما وصفها بالخلافة الإسلامية وتنصيب أبو بكر البغدادي " إماما وخليفة للمسلمين في كل مكان " ، ودعا ما سماها الفصائل الجهادية في مختلف أنحاء العالم لمبايعته .

 

وقال المتحدث باسم التنظيم أبو محمد العدناني في تسجيل صوتي إن مسمى " تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام " يُلغى ليقتصر على الدولة الإسلامية ، مشيرا إلى أن هذا الإعلان جاء بعد اتخاذ قرار بهذا الشأن ممن وصفهم بأهل الحل والعقد من الأعيان والقادة والأمراء ومجلس الشورى . وفي يوم الجمعة 4 يوليو / تموز 2014 ظهر البغدادي لأول مرة بشكل علني خطيبا للجمعة على منبر المسجد الكبير بالموصل خلال شريط مصور بثه تنظيم الدولة الإسلامية [8] .

 

 

ثانياً : " داعش " والتحالفات الإقليمية والدولية

" داعش " والمجموعات الجهادية :

بمجرد أن أعلنت أمريكا تدشين التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام حتى أعلنت حركة طالبان - باكستان تبعيتها لتنظيم الدولة ، ومن قبل كان قد أعلن تنظيم " جند الخلافة في الجزائر " مبايعته لـ " داعش " ، الذي يعيش حالة خصومة مستمرة مع تنظيم " القاعدة " ، إلى أقصى المشرق الآسيوي ، ليست " طالبان ــ باكستان " هي الجماعة الجهادية الوحيدة ، التي أعلنت ولاءها لـ " الدولة الإسلامية " في باكستان ، إذ أعلن تنظيم أنصار بيت المقدس في منطقة سيناء بمصر تبعيته لتنظيم الدولة الإسلامية ، وكذلك نفس الأمر بالنسبة لبعض المجموعات الجهادية في ريف سوريا ودمشق ، وبعيدا عن المنطقة كانت هناك " جماعة الأحرار " ، التي يتزعمها قاسم عمر خراساني ، سباقة إلى ذلك بعد إعلانها الانشقاق عن " طالبان " نفسها ، نهاية شهر أغسطس / آب الماضي [9] .

وتضم الجماعة قيادات بارزة في حركة " طالبان " ، منهم المتحدث السابق باسمها ، إحسان الله إحسان ، الذي اعتبر أن " الدولة الإسلامية في العراق والشام تعمل لتنفيذ الشريعة الإسلامية وأن جماعة الأحرار تؤيدها ، وتساعدها ما أمكن ذلك " .

قيادي آخر في " طالبان - باكستان " ، يدعى حبيب الله حبيب ، كان قد أعلن ولاءه لـ " الدولة الإسلامية " في شهر يوليو / تموز الماضي ، عبر تسجيل مصور بعنوان " النصرة الباكستانية للدولة الإسلامية " . يضع حبيب ، ومن معه ، أنفسهم في خدمة " الدولة الإسلامية " : " نحن جنود الدولة ، نبذل أموالنا وأرواحنا في سبيل الأهداف التي لأجلها تقاتل " [10] .

أما في الجارة القريبة ، أفغانستان ، فقد كثرت الأقاويل حول وجود فرع لتنظيم " الدولة الإسلامية " ، وهو ما أوحى به الرئيس الأفغاني ، أشرف غني أحمد زاي ، حينما تحدث عن أن " هناك مزاعم بوجود الداعمين لتنظيم الدولة في أفغانستان " ، قبل أن يستدرك بالقول : " لكن الشعب الأفغاني شعب مسلم ، لا يحتاج إلى أحد أن يساعده في تعليم الدين أو تطبيقه " .

وفي مقابل النفي الذي صدر عن قائد القوات الأميركية في أفغانستان ، الجنرال جان كمبيل ، لوجود فرع لـ " الدولة " هناك ، تؤكد مصادر قبلية على أن هناك جماعات في المناطق القبلية الأفغانية موالية للتنظيم ، وهو الأمر الذي يدعمه قيام البعض بتوزيع منشورات شرق أفغانستان تدعو السكان إلى دعم تنظيم " الدولة " .

ويطرح إعلان " طالبان – باكستان " ولاءها لتنظيم " الدولة الإسلامية " تساؤلات حول علاقاتها مع الجماعات الأخرى ، وفي مقدمتها تلك المنشقة عنها " جماعة الأحرار " ، فضلاً عن جماعة حبيب الله حبيب . ويرى مراقبون أن حركة " طالبان باكستان " وحدت صفوفها من جديد وأنها استعادت ، عبر إعلان ولائها لـ " الدولة " ، كافة فصائلها المنشقة [11] .

من جهة ثانية ، يطرح إعلان " طالبان باكستان " تساؤلات حول علاقتها بتوأمها الأفغاني ، وأميره الملا عمر ، الذي بايعته " طالبان باكستان " كأمير للمؤمنين .

إعلان الحركة الباكستانية لا بد وأن يؤثر سلباً على علاقتها بنظيرتها الأفغانية ، التي لا ترغب في الظروف الراهنة بإنشاء علاقات مع " الدولة الإسلامية " ، وخاصة أن قيادات في " طالبان أفغانستان " تخالف بعض سياسات التنظيم . وعلى ضوء الخصومة ، التي لا يبدو أنها سوف تجد حلاً قريباً بين " داعش " و " القاعدة " ، تتجدد المخاوف من تفجير صراع بين " طالبان باكستان " ، وفرع " القاعدة " في شبه القارة الهندية ، الذي أعلن عنه زعيم " القاعدة " ، أيمن الظواهري ، في الثالث من شهر سبتمبر / أيلول الماضي ، بهدف " نصرة المستضعفين في شبه القارة الهندية ، وتحكيم شرع الله " ، ويرى مراقبون أن إعلان " طالبان باكستان " سيخلق فجوة مع " طالبان أفغانستان " ، قد تفضي إلى صراع شرس بين الطرفين [12] .

 

 " داعش " وإيران والعراق :

كون داعش تمثل جماعة سلفية جهادية مسلحة ، ولها تواجد بالمنطقتين الأهم والأقرب لإيران ( العراق وسوريا ) فهي للوهلة الأولى وفي التحليل الظاهري توضع كعدو استراتيجي للجمهورية الإسلامية الإيرانية ، لكن بتحليل أكثر اقتراباً فداعش عملت فعلياً على الأرض بتحقيق عدة نقاط لصالحها على حساب إيران ؛ أولها القضاء على المستقبل السياسي على " نوري المالكي " الذي ينظر إليه على أنه رجل الولايات المتحدة والحليف الأهم لإيران ، المالكي استدعى في المواجهة مع " داعش " خطاباً وصف من قبل البعض[13] بالطائفية ، واستدعاء التاريخ لعمل تعبئة شعبية في مواجهة تنظيم الدولة ، فالرجل أعلن في إحدى خطاباته أن ما يحدث من مواجهة بين الجيش العراقي وجيش " داعش " هو : " الذين  قتلوا الحسين لم ينتهوا بعد ، والحسين لم ينتهي ، لا يزال موجودا ، مواجهة بين أنصار يزيد ، وأنصار الحسين .. الجريمة التي ارتكبت بحق الحسين لم تنتهي ، لقد أعدوا العدة لاستهداف زائري مقام الحسين ، وتخرب أجواء الزيارة [14] " .

فشل المالكي في مواجهة " الاحتجاجات السنية " ، ومتابعة جهود إعادة الإعمار في العراق ، ثم انهيار الجيش العراقي في الموصل أمام زحف مجموعة " داعش " استدعى معه تدخلاً داخلياً وخارجياً إثر رؤية رأت أن الإطاحة بنوري المالكي هو حل لتجميع شمل الداخل العراقي لمواجهة الخطر الداعشي ، وبالفعل تمت الإطاحة بنوري المالكي ، وتكليف رئيس " حيدر العبادي " مكانه .

الخطوة ذاتها تمت مباركتها من إيران التي أعلنت دعمها لـ " العملية القانونية " التي أدت إلى اختيار " رئيس جديد " للوزراء ، داعية العراقيين إلى " الحفاظ على الوحدة " .[15]

ظهر من التصريحات الأمريكية والإيرانية بوضوح ، أن هناك تفاهماً أميركياً ــــ إيرانياً قد استوى حول المرحلة المقبلة في العراق ؛ تبدأ بالمشاركة العسكرية الأميركية ضد تمدد " داعش " ، ولا تنتهي باستعادة كامل الشراكة السياسية مع الإيرانيين في العراق .

الأمر الأهم الذي فرضه « داعش » على إيران أنه وضع الأخيرة أمام خيار كانت دائماً تتفاداه بكل الوسائل ، وهو التدخل العسكري المباشر والمعلن في العراق وسورية معاً ، إذ ترتكز السياسة الإيرانية في توسيع دورها ونفوذها في المنطقة على قوى فصائل المجموعات الشيعية العرب المتحالفين معها ، وذلك إدراكاً منها لخطورة تدخل مباشر في البلدان العربية على خلفية حساسيات تاريخية وقومية ومذهبية حاضرة لدى الإيرانيين ، كما لدى الطرف الآخر .

في سورية مثلاً حيث الغالبية السنية الكبيرة ، وغياب مكون سياسي شيعي كبير ، وجدت إيران في حكم عائلة الأسد حليفاً ثميناً يملك دولة أمنية قوية . كان هذا واضحاً قبل الثورة السورية ، واتضح أكثر بعدها .

الدعم الذي قدمته إيران للأسد في صورة دعم سياسي وعسكري ولوجيستي تعتقد إيران أنها بذلك تكسب سياسياً من دون تدخل مباشر ، لكن أثبتت أحداث الثورة أن نظام الأسد مع حلفائها المحليين غير قادرة على تحقيق المهمة من دون دعم خارجي ، وهو ما اضطر إيران إلى إرسال مجموعات حليفة لإيران وسوريا مثل جماعة " حزب الله "  وخبراء من « الحرس الثوري » ، وإن كان بشكل غير معلن ، وتحت أغطية رسمية مختلفة .

في العراق ، كان النظام هناك يوصف دائماً بممارساته وخطابه بأنه نظام محاصصة طائفي تم فرضه بتفاهم أميركي - إيراني ، وطبقة سياسية عراقية جاءت إلى الحكم تحت ظلال هذا التفاهم وفي إطار الاحتلال الأميركي . مأزق العراق حالياً يعكس رثاثة الطبقة السياسية الجديدة ، فالقوى الشيعية تعتقد أنها كانت تخضع لهيمنة السنّة ، وبدلاً من أن تأخذ ببديل ديموقراطي تعددي وتداول سلمي للسلطة ، اختارت ما يرقى إلى نوع من الثأر من الماضي ، كما تراه هي على الأقل ، وهو أن دورها جاء لتستأثر بالحكم على حساب القوى السنية ، إلا أنها لا تستطيع تحقيق ذلك من دون دعم إيراني . مرة أخرى سنحت لإيران فرصة تحقيق ما تريده من خلال قوى عربية داخلية ، وتفسير ذلك واضح ، وهو أن إيران نجحت في إقناع حلفائها بأنها دولة الشيعة في المنطقة ، وأن ازدياد نفوذها يعدل ميزان القوى في هذه المنطقة لمصلحة هذه الدولة ، الأمر الذي لا يصب في مصلحة حماية حقوق هؤلاء الحلفاء فقط ، بل يحقق لهم السيطرة داخل بلدانهم ، وهي رؤية تعبّر عن غباء سياسي تغطيه أدخنة الصراعات المحتدمة [16] .

بعد سقوط الموصل تغير المشهد . فجأة برزت قوة « داعش » وحلفائها من العشائر السنية الثائرة ، والجيش العراقي السابق . ما زاد الأمر سوءاً أن سقوط الموصل أسقط معه حليف إيران الأهم ، المالكي و « ائتلاف دولة القانون » الذي يترأسه ، وقسم القوى الشيعية ، غالبية السنّة ترفض « داعش » من حيث المبدأ ، لكن هذه الغالبية مكشوفة سياسياً . الأميركيون أقرب إلى الأكراد والشيعة . إيران عدوتهم ، وتعمل على إقصائهم وتهميشهم ، وتدعم المد الطائفي في بلادهم ، وفي الجوار الدول العربية لا توفر لهم غطاء ولا دعماً في مقابل ما يحصل عليه خصومهم من دعم إيراني وأميركي ، الأكراد منشغلون بتأسيس دولتهم ، وجاءت الأحداث الأخيرة لتؤكد لهم أن خياراتهم ليست في بغداد ولا في طهران ، وإنما في أربيل وكركوك . كان أمل المالكي ومعه طهران أن تتولى واشنطن وقف زخم الأحداث ، ولجم تقدم « داعش » والعشائر بضربات جوية ، لكن واشنطن ترددت في البداية ، إذ بدأت تدرك أن المالكي ومن ورائه طهران ، هو سبب المشكلة [17] .

لعل أفضل من صور الرؤية الأميركية للأحداث هو الجنرال جي غارنر ، أول من تولى مسؤولية إعادة إعمار العراق بعد الاحتلال . في حديث لافت لـ « سي أن أن » اعتبر غارنر أن « داعش » مشكلة إيران ، قبل أن تكون مشكلة أميركا ، وإيران كما يقول لديها سلاح جو ، ويتساءل لماذا لا تتولى ضرب « داعش » ؟ ثم يضيف إلى ذلك كلاماً أميركياً غير مسبوق ، وهو أن المالكي عميل إيراني يريد منا ضرب « داعش » ، ليجر المكاسب السياسية بعد ذلك لنفسه ولرعاته في طهران . جنرال أميركي آخر هو ديفيد بترايوس الذي تولى قيادة القوات الأميركية في العراق ما بين 2006 و2008 ، حذر من تحويل سلاح الجو الأميركي في هذه الظروف ، إلى سلاح بجانب الشيعة ضد السنّة في العراق [18] .

الأحداث وضعت إيران مباشرة أمام الحال العراقية . سقوط مدن أخرى غير الموصل يعني أن حلفاءها في العراق لم يعد بمقدورهم مواجهة الموقف وحدهم . هل تتدخل بشكل مباشر ومعلن ؟ تدخلها سيحول تقسيم العراق من أمر واقع إلى حال رسمية ، وهذا من ناحية يخدم مصلحتها ، لكن تدخلها المباشر سيقلب اللعبة عليها ، وسيضاعف من استنزافها ، وهو استنزاف لا يزال مستمراً في سورية . الأسوأ أن تقسيم العراق سيعزلها جغرافياً عن سورية . فكيف ستتصرف ؟ لا تزال إيران تلتزم الصمت ، والتحركات الخفية . الإجابة عن هذا السؤال أحد المؤشرات التي ستحدد وجهة الأحداث في العراق .

إجمالاً ، يبدوا أن « داعش » ،  فعليا ظهر أنها تمكنت من توجيه ضربة موجعة لإيران ومحور ما يسمى " الممانعة " حين تمكن ، بالفعل ، من إقامة « دولة » أمر واقع عبر الحدود السورية ــــ العراقية ، من الرقّة إلى الموصل . ولعل إيران المنهكة من الدعم الاستثنائي الذي قدمته للسوريين خلال ما يقرب من أربع سنوات من الحرب ، بدأت تتجه إلى سياسات أكثر واقعية ، يتم تلمسها في الآتي :

أولاً ، التسليم بالدور المصري المركزي في الملف الفلسطيني ، بما في ذلك مباركة الإجماع الفلسطيني تحت سقف أوسلو ، مما يعني تحقيق ثلاثة مكاسب : خفض مستوى التوتر مع أمريكا وإسرائيل وتعزيز العلاقة الممكنة مع أكبر دولة عربية سنية هي مصر ، والقيام بخطوة ودية نحو السعودية ، الحليف الأول للقاهرة .

ثانياً ، التسليم بالحل السعودي في لبنان .

ثالثاً ، التفاهم مع التحالف الأميركي ــــ السعودي في العراق .

لكن الإيجابيات التي تحصلت عليها إيران من الحرب مع داعش تمثلت في أنه ومع صعود خطر تنظيم الدولة ، ومع اتساع اختلافات أنقرة مع حلفائها من الناتو ، ساعدت هذه التطورات طهران في تقديم نفسها كشريك إقليمي بدلاً من تركيا التي تتمتع بعلاقات ممتدة مع دول آسيا الوسطى والقوقاز بفضل الرابطة القومية . في مقابل ما كان يتم تصويره إعلامياً من عدم رغبة تركيا في التدخل لإنقاذ أكراد عين العرب من زحف تنظيم الدولة ، تصوِّر إيران نفسها كشريك للمجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب في سوريا والعراق إلى دول آسيا الوسطى والقوقاز . إذاً كمنافس لأنقرة ، تحاول إيران توظيف الوضع الإقليمي في الشرق الأوسط لصالحها بمنافسة تركيا في جوارها الشرقي [19] .

 

" داعش " وبشار الأسد :

الحقيقة أن علاقة تنظيم " داعش " بالنظام السوري الأسدي ، هي العلاقة الأكثر التباسا على الإطلاق بين " داعش " وبين أحد أهم الجهات التي تناوئه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ، فمن ناحية يستولي التنظيم على محافظات كاملة بسوريا ، ومن ناحية أخرى يقاتل التنظيم المجموعات الجهادية والثورية الأخرى التي تقاتل النظام السوري ، وتبقى تحليلات عدة تتحدث عن دعم غير مباشر استخباراتي وأمني لتعاظم حركة داعش على الأرض لإعطاء النظام السوري شرعية أمام الدول الغربية ، وعدم الضغط عليه بحجة مقاومته الجماعات المسلحة تحت يافطة ( الحرب على الإرهاب ) .

في أبريل 2013 أعلن أبو بكر البغدادي قائد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق عن دمج تنظيمه مع جبهة النصرة ليصبح " تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام " ما يطلق عليه " داعش " ، هذا القرار الذى يعد البداية الحقيقية لتنظيم الدولة المشاركة فى الساحة الجهادية السورية - تنظيمياً - بعد أن وجد أن هناك حاجة لقيادة العمل الجهادي ، والقضاء على الأطراف التى تسيء بممارساتها إلى الجهاد والإسلام ( انتهاكات بعض الفصائل لحقوق المدنيين ، وعدم الالتزام الديني أو تطبيق الشريعة في المناطق المحررة ) وهو ما لقي رفضاً شديداً من الجولانى الذى أصرّ على الفصل بينهما ، واعتبر الدمج يضر كثيراً بالتنظيم وبدور الجبهة على الساحة الجهادية في سوريا ، إلاّ أنه أمام إصرار البغدادي انتهى الأمر بعدم التوافق ، وبدء حدوث انشقاقات في الجبهة تلاه هجرة جماعية للمقاتلين خاصة الغير سوريين من النصرة إلى " داعش " ، حيث عاد الذين أرسلهم البغدادي في بداية التأسيس إلى أميرهم الحقيقي ، وقد كان هؤلاء يشكّلون القوة الرئيسة المتماسكة للجبهة ، نظراً لخبراتهم القتالية العالية ، وانضباطهم العالي تنظيمياً؛ وهو ما أدى إلى تراجع الجبهة كثيراً أمام داعش وانكماش قدراتها القتالية ، وتصدّع تنظيمها بعد أن وجد الجولاني نفسه محاطاً بالمقاتلين السوريين والقليل من المهاجرين ، الذين انضموا حديثاً بعد تأسيس الجبهة ، هذا بالإضافة إلى فقده للدعم الذى كان يتلقاه باستمرار من البغدادي ، فضلاً عن أن السوريين الذين انضموا إلى جبهة النصرة بعد تأسيسها أفسدوها بخبراتهم القتالية المحدودة وضعفهم التنظيمي وسوء انضباطهم ، وقد تجلّى ذلك في ممارسة بعضهم بعض أعمال الاستيلاء على المعامل والمصانع والمنشآت الاقتصادية ، مما جعل الحاضنة الشعبية لجبهة النصرة تتآكل تدريجياً لصالح تنظيم " الدولة " الذى تميّز بالنظام والانضباط الشديدين ، فضلاً عن الخبرات القتالية والتسليح العاليين ، الأمر الذى زاد شعبيته بعد أن أثبت قدرته على توفير الأمن للأهالي وتيسير العديد من الخدمات المعيشية لهم ( الخبز والوقود ) [20] .

بعد فترة قصيرة بدأت تظهر الممارسات المتطرّفة لداعش على مستوى تحكّمها في المناطق المحررة الخاضعة لسيطرتها وسعيها لتطبيق الشريعة الإسلامية وفق فهمها ، لتحتل منابر المساجد وتبدأ في سن بعض القوانين " الشرعية " وفرضها بالقوة على المواطنين ( فرض الحجاب ، منع الاختلاط ، تحويل كافة الكنائس إلى مقرات لهم ، وبدء تطبيق الحدود بقسوة شديدة ) وهو الأمر الذي كانت الجبهة تمتنع عنه بدرجة واضحة اتباعاً لقاعدة ( لا تطبيق للحدود في غياب الحاكم ) ، ومع استمرار تلك الممارسات التي كانت تتطور يوما بعد يوم ، ويزداد توسعها لتنتقل أيضاً إلى بعض الفصائل المسلحة ، التي كانت تراها " داعش " واقعة في مخالفات شرعية حادة تقتضي التدخل الفوري لتبدأ في مواجهتها وفرض البيعة للبغدادي عليها وتكفير كل من يرفضها وقتاله  [21] .

كانت أول مواجهات لداعش في سوريا مع الجبهة بعد أن رفض الجولاني الاندماج ، لتبدأ داعش في عملية " استعادة " الدعم الذي كان البغدادي يمد به الجبهة سابقاً ، فتستولي على مقرات الجبهة ومخازن الأسلحة ، في محاولة لتثبيت نفوذها في سوريا في أسرع وقت ، في البداية سعى الجولاني جاهداً في محاولات تفاوض مع البغدادي للتصالح والوصول لتصور يرضي الطرفان ويمنع المواجهات بينهما ، حيث كان يرى أن مواجهته لداعش فتنة كبرى تشغلهم عن عدوهم الحقيقي ، كما كان قلقاً من فقده لرضا التنظيم الدولي للقاعدة الذي يوفر له مظلة شرعية يحتاجها على الساحة الجهادية إذا ما أعلن الحرب على داعش التي تمثل القاعدة منذ سنوات في العراق ، ولكن باءت كل محاولات الجولاني بالفشل ، حتى بعد تدخّل الظواهري في محاولة للإصلاح والتي كانت في صالح الجولاني ، حيث رأى الظواهري أن يعود البغدادي للعراق ويظل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق كما هو ويترك الجبهة كما هي تقوم بمهمتها الجهادية في سوريا ، وهو ما لم يستجب له البغدادي ، ودخل في مواجهات شرسة مع الجبهة لم تترك للجولاني غير البدء فيها ، ليحدث أول انشقاق داخل تنظيم القاعدة تاريخياً ، وتبدأ داعش في محاولة ابتلاع الجبهة بكل شراسة [22] .

قبل اعتقال الجولاني عام 2008 ومنذ عام 2004 مع بداية عمله مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق بقيامه بإمداد التنظيم داخل العراق بالمجاهدين ، كان يقوم بهذا العمل تحت أعين المخابرات السورية ومن عاصر تلك الفترة شهد أنّ كل المجاهدين التابعين لتنظيم الدولة في العراق كانوا يأتون إليها عبر سوريا مباشرة من عدة دول ، لا يواجهون أية عقبات سواء في دخول الأراضي السورية أو منها إلى العراق بمساعدة الجولاني في سوريا والبغدادي في العراق .

 قامت الحكومة السورية بالإفراج عن الجولاني مع الاحتفاظ بابنه في يونيو عام 2011 بالرغم من علمها التام بتاريخه الجهادي في القاعدة ، ليذهب بعد ذلك إلى " البغدادي " في العراق طالباً الدعم العسكري لتأسيس الجبهة ، الأمر الذي كان متوقّعا بدرجة كبيرة .

منذ أن بدأ الخلاف بين البغدادي والجولاني تغيّرت ممارسات النظام السوري مع  داعش ، لتتحوّل إلى تقديم الدعم غير المباشر لها سعياً في تثبيتها على الساحة " الجهادية " السورية ، بعد أن أصبحت طرفاً أساسياً في قتال " النصرة " وأغلب فصائل المقاومة السورية ، لتشكّل بذلك عصى غليظة لها على الثورة السورية ، تمثّلت تلك الممارسات في إيقاف استهداف مواقعها العسكرية ومقرّاتها بهجمات الجيش السوري - إلا فيما ندر - فاتحاً لها المجال في عدة مناطق للحصول على الأراضي السورية ، واستيلائها على عدة مخازن للسلاح التابعة للنصرة ولبعض الفصائل الأخرى بل وللجيش السوري نفسه ، وذلك عبر عملياتها التي كانت تتم بمقاومة متواضعة من الجيش السوري ، بل وصل الأمر إلى دعمها عسكرياً في قتالها للجبهة وحلفائها ، مستخدماً القصف الجوي لتوفير غطاء لها ، ويمهّد لها الاستيلاء على مناطق محرّرة تحت سيطرة غيرها من الفصائل ، حيث تستهدف داعش بالأساس مقرات الجبهة ومخازن أسلحتها هذا بالإضافة إلى استهداف طيران النظام لقوات " جيش المجاهدين " ، " جبهة ثوار سورية " و " الجبهة الإسلامية " ( الفصائل الرئيسية التي تواجه تنظيم الدولة ) في مناطق متفرّقة في ريف حلب وإدلب ، لتقويض قدراتها وإضعافها لصالح " داعش " وتكثيف استهدافه مقراتها ومواقعها العسكرية .

كل ما سبق من ملابسات مريبة - سواء فيما تعلّق بنشأة تنظيم الدولة وعلاقته بالجبهة ، أو أدائه العسكري - يثير شكوكاً حقيقية تجاه الدور الذى تلعبه داعش على الساحة " الجهادية " السورية وتبعاته على مستقبل الثورة السورية ، لنجد أنفسنا أمام نتيجة واضحة مؤكّدة وهي : أن هذا التنظيم أصبح شوكة ضارة في ظهر الثورة السورية ، نزعها يعد أولوية حالياً وخطوة أساسية للمضي قُدماً .

تلك الملابسات فسّرها البعض وفق نظرية المؤامرة الكلاسيكية بأنها ظاهرة مخابراتية بالأساس أطلقها النظام السوري والمخابرات الأمريكية ( على غرار ما فعلته الحكومة العراقية والمخابرات الأمريكية في العراق مع المقاومة العراقية ) ليشق " الصف الجهادي " ويثبت تهمة التطرّف على المعارضة في سوريا مما يعزّز موقفه التفاوضي خاصة قُبيل جنيف 2 ، إلّا أن إشكالية هذا التفسير أنه لا ينتبه لحقائق هامة ويختزل " داعش " في بعض الممارسات ويجعلها مجرّد " أداة " يستخدمها النظام السوري في ترجيح كفّته ودعم موقفه السياسي والعسكري ، وهو ما يدفع بعيداً نحو تجاهل جذور المشكلة الحقيقية حتى يمكّن من بناء استراتيجيات متماسكة واضحة في مواجهته ، كما أن هناك عدة شواهد تُضعف فرص هذه الرؤية أهمها : ما حدث في العراق بين تنظيم الدولة والمخابرات الأمريكية ( سيأتي ذكره لاحقاً ) ، والتوسع التنظيمي لداعش من خلال سعيها لضم بعض الحركات الجهادية في المنطقة لتعزيز موقفها أمام " القاعدة " دولياً ، فضلاً عن أن جبهة النصرة كانت ستكون الأحق بإلقاء تهمة كهذه على " داعش " بالتأكيد ، وهو لم تشر إليها بأي طريقة مطلقاً ، حيث عاصرت تماماً تاريخ تنظيم الدولة منذ نشأته وحتى تحولها تنظيمياً إلى داعش ، تعلم جيدا ظروف النشأة والتكوين لها وطبيعة موقفها من النظام السوري وأمريكا ، هذا بجانب الاهتمام الذي حظى به هذا الانقسام من القيادة العليا للقاعدة متمثّلة في " أيمن الظواهري " الذي حاول عدة مرات حل الخلاف بين داعش والجبهة ، وهو ما انتهى إلى تصوّر يصب في مصلحة النصرة وهو ما رفضته داعش تماماً وأصرّت على مواقفها ، وقد تدخّل الظواهري لإدراكه مدى خطورة مثل هذا الانشقاق - الذي يعد بالأساس الانشقاق الأول في صفوف تنظيم القاعدة - على مستقبل التنظيم الذي طالما تميّز بتماسكٍ خاص ، حتى بالرغم من الانفصال التنظيمي لفصائله في أغلب الأوقات وهو ما يحدث لأول مرة بهذه الحدة والعداء على مدار تاريخها [23]

بالتأكيد لا يمكن إنكار حجم استفادة النظام السوري من ظهور داعش وسعيه لاستغلال هذا الوضع لصالحه بما يشوّه الثورة السورية ويُضعف كثيراً الموقف التفاوضي للمعارضة ، وقبل ذلك يقوّض الإنجازات العسكرية لها ميدانياً ، إلّا أنه لم يتّبع الطريقة المخابراتية الكلاسيكية على غرار نشأة " الصحوات " السنيّة في العراق ، بل اتبع سياسة مغايرة تماماً وهى سياسة التحكّم وليس الامتلاك أو السيطرة ، التحكّم في توجيه " الأهداف والطموح " لدى البغدادي والتركيز على المساحات المشتركة في الأهداف بغض النظر عن الدوافع والأسباب ، وعمل على تحقيق ذلك عبر التحكم في معادلتين رئيسيتين هما : معادلة التسليح ، والنفوذ على الأرض ، وقد نجح حتى الآن إلى حد كبير في توجيه الصراع بما يضمن تكبيد الجميع أكبر قدر من الخسائر ، ليُلحق ضرراً بالغاً بكافة مسارات القضية : الحراك الثوري ، العملية السياسية ، والعمل العسكري ، بل أصاب الثورة بالفعل بوصمة التطرّف وأصاب أغلب الفصائل المسلّحة في مقتل بالدفع بها في صراعٍ شرس للغاية يستنزف مواردها ويوقف تقدّمها .

يمتلك النظام السوري خبرة عالية في التعامل مع الجماعات الجهادية على غرار " داعش " وجبهة النصرة ، تلك الخبرة التي اكتسبها مؤخّراً منذ بداية غزو العراق وما بعده ، وشارك تنفيذياً في إحياء ودعم عدد من تلك الجماعات ، التي كانت - وما زالت - تحقق عدم الاستقرار " اللازم " في العراق حتى يومنا هذا ، وفى ظل هذا المشهد العبثي للغاية الذي وصلت إليه سوريا تبقى كافة الخيارات مفتوحة وواردة من الجميع بما يجعل محاولات التنبؤ بما هو قادم أمراً معقّداً للغاية في ظل التسارع العنيف للأحداث ، وكثرة وتنوّع الأطراف المتصارعة ومستوى التعقيد والتركيب في الصراعات الدائرة ، التي تجعلنا نرى عدة صراعات بين عدة أطراف تتقاطع في مساحات متباينة ، ويحيط بكل ذلك من كل جانب رحلة المعاناة اليومية لملايين من البشر ممن أصبحت لديهم الحياة هي العناء ، والموت هو الهناء والراحة والنجاة من هذا الجحيم .

 

تكرار سيناريو العراق :

يوجد تشابه كبير بين طبيعة صراع " داعش " مع الفصائل الأخرى - وعلى رأسها النصرة - وبين صراعها السابق في العراق مع العديد من فصائل المقاومة العراقية ، على مدار عامين كاملين منذ نهاية عام 2006 وحتى نهاية 2008 ، دارت رحى المواجهات بين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والذي كان يقوده آنذاك " أبو عمر البغدادي " - كما ذُكر سالفا - وبين عشائر الأنبار ، مثل : الجيش الإسلامي في العراق ، حماس العراق ، جماعة أنصار السنة ، كتائب ثورة العشرين ، جيش الراشدين ، وغيره من فصائل " الجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية " بالإضافة إلى أجنحة " الإخوان المسلمين " .

اشتعلت تلك المواجهات بسبب إفراط تنظيم الدولة الإسلامية في الممارسات المتطرّفة كتعمّد استهداف المتطوعين في الجيش العراقي والشرطة العراقية ، واستهداف أي فصيل يتعاون مع الحكومة العراقية على أي مستوى واتهامه بالعمالة والخيانة ، الأمر الذى دفع " ابن لادن " في ذلك الوقت إلى التدخّل ومطالبة " البغدادي " بالتراجع عن مثل تلك الممارسات ونبذ التعصب والتطرف وهو ما فعله " الظواهري " أيضاً ، إلّا أن ذلك لم يلق صدى لدى البغدادي الذى استمر في ممارساته ، التي دفعت فصائل الجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية إلى الاصطفاف في مواجهته وحلفائه ، بعد أن أدرك الجميع أن هذا التنظيم فتح باب تشويه المقاومة العراقية ، واستمراره سوف يؤدي إلى إلحاق الضرر البالغ بالمقاومة ومستقبل العراق .

كان هذا الصراع على أعين القوات الأمريكية ، التي وجدت استفادة كبيرة من تأجيج الصراع بين تنظيم الدولة التي كانت ترى فيه خطراً وتهديداً حقيقياً عليها وبين باقي فصائل المقاومة ، التي أيضاً كانت تُكبّد القوات الأمريكية خسائر فادحة ، ورأت أن استمرار هذا الصراع يحقق لها عدة مكاسب أهمها :

- أنه يخفف وطأة المواجهات عليها ، ويحد من الخسائر التي تلقاها على أيدي تنظيم الدولة والمقاومة العراقية ، بما يعطيها متنفساً لإعادة تنظيم صفوفها .

 - ضرب المقاومة العراقية في مقتل بتثبيت تهمة التطرف عليها ، وتفتيت المقاومة باستنزافها في صراع داخلي يبعدها عن مهمتها الأساسية في مواجهة القوات الأمريكية . 

ولم تكتفِ المخابرات بالمشاهدة فقط بل قرّرت التدخّل في هذا الصراع بما يضمن استمراره حتى يتحقق لها مرادها ، فقامت بتطعيم الطرف الذي يواجه تنظيم الدولة بقوات " الصحوات " وهي مجموعات مسلحة - منها بعض البعثيين - كانت تقاتل مع القاعدة ومع فصائل المقاومة الأخرى منذ بداية الغزو وليس لها انتماءات أيدولوجية أو تنظيمية متماسكة محددة ، وقد نجحت المخابرات الأمريكية في استقطابهم عبر دفع " السلطة العراقية " إلى دعوتهم إلى " مصالحة وطنية " بموجبها تسقط عنهم كافة التهم وتقدم لهم دعماً يصل إلى دمجهم في القوات العراقية ليكونوا جزءاً من مستقبل العراق ، وهو ما قاومته بعض الأجنحة داخل الحكومة العراقية في ذلك الوقت إلا أن المخابرات الأمريكية فرضت ذلك عليها وبدأت في تقديم دعمها  لتلك الصحوات ، والذي وصل إلى 200 مليون دولار شهرياً ، لتبلغ قواتها مائة ألف مقاتل في أواخر عام 2008 ، كل ذلك في مقابل محاربة تنظيم الدولة وحلفائه ( الفصائل الجهادية التابعة للقاعدة في بلاد الرافدين والتي بايعت البغدادي أميراً لها ) ، لتصبح " الصحوات " أكبر اختراق حقيقي للمقاومة العراقية ، وسبباً رئيساً في فنائها .

وها هي الأيام تمر لتدور الدائرة مرة أخرى على تنظيم الدولة بنفس الأسباب الرئيسة ، الصراع الذي لا يصب سوى في مصلحة النظام السوري ، الذي يجد في استمراره مكسباً حقيقياً له ، وهو الأمر الذي دفعه إلى التدخل غير المباشر فيه لمحاولة ضمان استمراره بين داعش والنصرة وحلفائها أطول فترة ممكنة ، هذا التدخل الذي لم يتّبع فيه النظام السوري أو المخابرات الأمريكية ذات السياسة الكلاسيكية - كما ذكر سالفا - ، وهو ما يحقق لها ذات الأهداف وبكُلفة أقل بكثير عن كلفته في العراق ، لذلك يجب التعامل مع أطراف الصراع في سوريا بواقعية وإدراك أن هناك تنظيمات " مستقلة " لها طموح حقيقي واضح في المنطقة وتسعى لتحقيقه بكل ما تمتلك من قدرة ، وكون هناك تقاطع في الأهداف والمكاسب فهذا لا يبرر مطلقاً اختزال الصراع في نظرية مؤامرة بحتة بأيدي النظام السوري أو المخابرات الأمريكية [24] .

 

" داعش " والخليج :

هناك وجهتا نظر مطروحة في مسألة علاقة تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش )  بدول الخليج ، الأولى تتحدث عن ارتباطات وثيقة بين تنظيم الدولة وبعض دول الخليج ، التي دعمت " مخابراتها " وجود التنظيم الراديكالي رغبة في وقف التمدد الإيراني بالعراق ، ومن ناحية أخرى وضع " شوكة " في ظهر النظام الأسدي في سوريا .

وجهة النظر هذه بالطبع يتم تبنيها من مجموعات مختلفة مثل إيران والحكومة العراقية وبعض الدوائر الغربية ، فرئيس الوزراء السابق للحكومة العراقية ، نوري المالكي ، وجه أصابع الاتهام بشأن تمويل داعش ، قائلاً : " إنه يحمل السعودية مسؤولية الدعم المالي لداعش " [25] .

التصريحات ذاتها قوبلت برفض الولايات المتحدة ، حليف السعودية إذ وصفت جين بساكي ، المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية ، تصريحات المالكي بـ " العدائية وغير الدقيقة " .

كما تحدث تشارلز ليستر الباحث الزائر بمركز بروكينجز الدوحة عن أنه " لا يوجد سجل حسابي متاح يكشف عن مشاركة حكومة إحدى الدول في نشأة وتمويل داعش كمنظمة " . لكن غونتر ماير مدير مركز أبحاث العالم العربي في جامعة ماينز الألمانية لا يتشكك مطلقا في مصدر أموال داعش قائلاً : " الدعم القادم من دول خليجية وفي مقدمتهم السعودية وأيضا قطر والكويت والإمارات " [26] .

ويوضح ماير أن سبب تمويل دول خليجية سنية لداعش هو دعم مقاتلي الحركة ضد نظام بشار الأسد في سوريا ، لكن في نفس الوقت يزداد وعي السعودية بالمخاطر التي قد تنتج عن عودة مقاتلي داعش السعوديين وإمكانية انقلابهم على النظام السعودي نفسه ، وفي رأيه أيضا أن : " مصدر التمويل الأكبر ليس الحكومة نفسها وإنما " شخصيات سعودية ثرية " [27] .

بالطبع وجهة النظر الثانية ، والتي تؤيدها حقائق واقعية على الأرض ، هو أن " داعش " لا تستهدف العراق وسوريا فقط ، وإنما تضع في خريطتها التي تستهدفها دول بعض مجلس التعاون الخليجي ، وثمة مؤشرات واضحة بدت ، خلال الفترة الأخيرة ، تؤكد أن مخاطر تنظيم داعش لا تقتصر على الداخل العراقي فقط ، وإنما قد تمتد إلى دول المنطقة ، وتحديداً دول مجلس التعاون الخليجي ، على نحو ما تعكسه الخريطة الجديدة للعراق التي نُشِرت أخيرا من قبل التنظيم ، والتي شملت حدودها دولة الكويت ، مما دفع وكيل وزارة الخارجية الكويتي ، خالد الجار الله ، إلى التعليق قائلاً : '' لقد أشرنا إلى خطورة الموقف في العراق سابقا ، وداعش لا تستهدف الكويت فقط ، وإنما المنطقة بأكملها ، والخريطة التي نشرت تؤكد هذا الكلام '' ، مؤكدا أن '' الخطر موجود ، وعلينا الحذر ، وعلينا التحرك بشكل جيد على مستوى التنسيق الأمني بما يحصن جبهتنا الداخلية في دول التعاون " [28] .

إدراك دول الخليج لاحقاً أن توسع وتمدد تنظيم الدولة الإسلامية هو صورة مختلفة تماماً عن أي جماعة سلفية جهادية أخرى ، يمكن احتواؤها ، أو القضاء عليها ، فتوسع التنظيم وتمدده السريع ، وقدرته على الإطاحة بجيش بحجم الجيش العراقي ، ودخوله في نفس الوقت في معركتين منفصلتين ، مع النظام السوري من ناحية ، والأكراد من ناحية أخرى ، واستيلاؤه على أراضي واسعة بالعراق وسوريا ، وقربه من الحدود السعودية والكويتية كل ذلك كان إنذارا واضحا للدول الخليجية التي سارعت بدعم أمريكا في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ) ، وانضمامها للتحالف الدولي الذي يقود الحراك الآن ضد التنظيم .

كان اجتماع لوزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي ، والذي عقد في 26 سبتمبر 2014 ، والذي حضره وزير الخارجية الأمريكي ، جون كيري ، قد توصل إلى توافق لاتخاذ خطوات ملموسة لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ) ، وتم الإعلان في بيان شدد على " إن تنظيم داعش الإرهابي يشكل خطراً مباشراً على السلام والأمن المشترك ، وأدانوا الجرائم البربرية التي يرتكبها تنظيم داعش بما فيها القتل الوحشي والاغتصاب والاستعباد والتعذيب والاختطاف من أجل الفدية ، والمتاجرة بالنساء والبنات ، وحرق المنازل وتدمير البنية التحتية الأساسية " [29] .

وبالفعل وفرت دول الخليج الدعم العسكري واللوجيستي في حرب الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة ، وهي الضربات بالفعل التي حجمت كثيراً من تحرك التنظيم على الأرض ، فعلى المستوى العسكري سُجل نجاح ضربات التحالف الدولي جوّاً ، وهو الأمر الذي قابله تمدد لهجمات الجيش العراقي والبشمرجة والقوات الكردية بسوريا ضد تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ) على الأرض حيث سيطر البشمرجة والجيش العراقي على مناطق كثيرة كانت قد دخلها داعش الصيف الماضي ، وبالمثل حررت القوات الكردية في سوريا معززة بمقاتلي الجيش الحر كوباني في معركة استمرت عدة أشهر ضد داعش . حيث تقدر الخسائر البشرية في صفوف داعش بين ألف إلى 6 آلاف بينهم قيادات عليا ذات خبرة عسكرية كبيرة  [30] .

وهي الأمور التي تؤول إلى تحجيم التنظيم الجهادي وقدراته على الأرض ، لتبدأ إرهاصات غيابه مبكراً .

 

" داعش " ومصر :  

بالطبع كانت العمليات الأخيرة التي شنها تنظيم " أنصار بيت المقدس " - الذي أعلن بيعته الرسمية لخليفة " داعش " - على الجيش المصري في شمال سيناء ، بالخصوص عملية " كرم القواديس " كان بمثابة إعلان رسمي لوجود " داعش " على الأراضي المصرية [31] ، وكانت العملية النوعية التي أسقطت جنوداً وضباطاً من الجيش المصري في كمين " كرم القواديس " في شمال سيناء ، ومن ثم ترويج الفيديو المصاحب للعملية ولبعض العمليات الأخرى لتنظيم " أنصار بيت المقدس " بمثابة فتح جبهة حرب واسعة رداً على العمليات الأخيرة للجيش المصري في سيناء ، وإعلان واضح بتطور الجماعة الجهادية المسلحة وتطورها على الجبهة الشرقية لمصر " سيناء " والتي تلاصق غزة وإسرائيل .

يرى النظام المصري – بحسب الرواية الرسمية والإعلامية - أن تنظيم داعش هو تنظيم ممول خارجيا يستهدف : " إخضاع مصر لسلطة داعش ( تنظيم الدولة الإسلامية ) التي تستغل الدين بتمويل خارجي لإشاعة الفوضى في البلاد وتمهيد الطريق لتقسيمها " . [32]

وإعلامياً ، طوال الوقت تصدر التقارير الصحفية والإعلامية ، ومقالات الكُتَّاب الموالين للإدارة المصرية الحالية فكرة أن " داعش " جماعة إرهابية تمارس أعمال إرهابية مروعة ، وأنها : " خطر على أبواب مصر" [33] . في مفارقة قد تكون " داعش " الآن هي الأبعد جغرافياً عن مصر ، لكن فعلياً قد يكون النظام الجديد الذي على رأسه وزير الدفاع السابق " عبدالفتاح السيسي " هو الأكثر المستفيدين فعلياً من الإرباك الحادث في العراق وسوريا وليبيا ، نتيجة للآتي :

منافع الحرب على " داعش " تتعدد على الجانب المصري . فعلاوة على تحسين صورة بلد يعرف مخاضاً سياسياً صعباً منذ إسقاط حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك ، وعلى تقوية العلاقات الاقتصادية مع الغرب ، فهذه الحرب قد تمنح السيسي فرصة لتأكيد مكانة مصر في المنطقة ، وربما قد تساهم في تحقيق تصالح مع دول ، تقول مصر إنها تدعم " مشروع الإخوان المسلمين " ، كتركيا وقطر . خاصة بعد دور السيسي في صياغة مبادرة وقف إطلاق النار بين إسرائيل والفلسطينيين في حرب غزة [34] .

يشكل القضاء على " داعش " فرصة مهمة للحكم الجديد في مصر " لتلميع صورته ، وإظهار نفسه كشريك اقتصادي وأمني أساسي في منطقة الشرق الأوسط " ، والتحرّكات الإقليمية الواسعة للجماعات الجهادية تحت أسماء متعددة من بينها داعش وأنصار الشريعة والقاعدة ، تحتّم على المنتظم الدولي التعاون الأمني مع مصر صاحبة الموقع الاستراتيجي في حربها ضد ما يسمى ( حرب الإرهاب ) .

الدعم الذي ستقدمه مصر بالأساس دعما سياسياً بعدم الهجوم و شن غارات جوية في الأراضي العراقية والسورية ، وعلى المستوى العسكري سيكون محدوداً بنواحي استخباراتية .

لكن من المستبعد بالفعل مشاركة عسكرية مباشرة من مصر في سوريا والعراق ، لطبيعة الرهانات الأمنية داخل مصر الذي يرفض تماماً التدخل العسكري بقوات سواء مصرية أو أجنبية ، ولطبيعة الدور الإقليمي الذي يبتغيه السيسي ، والذي صرَّح من قبل عن رفضه للتدخل العسكري في العراق وسوريا [35] .

دخول مصر في الحلف الدولي المخصّص لمحاربة " داعش " ، صار مسألة وقت فقط ، خاصة بعد الزيارة المعلنة لوزير خارجيتها ، سامح شكري ، في اجتماع بمدينة جدة السعودية ، مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ومسؤولين عرب ، للبحث عن سبل مواجهة انتشار التنظيمات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط ، وقبلهما بالطبع حديث الرئيس المصري ، عبدالفتاح السيسي ، في مقابلته – السابق ذكرها - مع صحيفة " وول ستريت جورنال " الأميركية [36] .

هناك أمر هام وجب الالتفات إليه في نقطتين تحديداً بالنسبة للسعودية وإيران ، وهما المرتبطتان بالحوار الغربي / الأمريكي مع إيران بعد اتفاقية جنيف 2 والحرب ضد داعش ، فالأولى وهو الحديث عن تحجيم إيراني بالمنطقة بعد التقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ، وترك الأمريكان لإيران العراق مكشوفة يقول إن هناك حاجة فعليا لإقامة تحالف سني بالمنطقة مضاد ، ومن الطبيعي أن تعمل السعودية والإمارات وبقية دول الخليج على مد جسر التعاون مع مصر ( وهو ما حدث فعلياً منذ تظاهرات 30 يونيو والتي أطاحت بالرئيس المنتخب محمد مرسي ) ، ومد جسر تعاون مع " تركيا " و" قطر " ، وبالتالي يمكن طرح سؤال هام ، هل يعيد السعوديون والإماراتيون رؤيتهم للخطوة التي اتخذوها لدعم السيسي في مصر ، فحدوث تحالف سعودي / إماراتي من جهة ، وتركي قطري من جهة أخرى يستلزم بالتبعية على الأقل إحداث ضغط لعقد مصالحة بين النظام المصري الحالي وبين الإخوان لتفويت الفرصة على إيران من ناحية في زيادة هيمنتها على العراق وسوريا ، خصوصا بعد سقوط اليمن في أيدي الحوثيين ، ومن ناحية أخرى الاستفادة من هذا الصلح في وقف تمدد " داعش " .

 

ثالثاً : أسباب الظهور السريع لـ تنظيم الدولة " داعش "

 التناقضات السياسية والمصالح المتقاطعة 

القوة القتالية التي أظهرها تنظيم الدولة " داعش " بسيطرته على مساحة واسعة من الأراضي العراقية السورية التي تصل إلى 40 كليو متراً ما يساوي مساحة دولة بلجيكا ، مما أثار الكثير من التهم خلف من يقف وراء التنظيم بالضبط ؟! فهناك من يتّهم السعودية ودول الخليج العربي بالوقوف وراءه ، وهناك من يتّهم تركيا وهناك من يتهم الولايات المتّحدة وهناك من يتهم إيران ، داعش نفسها هي نموذج دال على أن نشأة الجماعات المسلّحة مسألة متشابكة ، ولا يمكن النظر إليها من جانب واحد فقط ، والحقيقة أن ورقة الإرهاب بشكل عام وتنظيم الدولة بشكل خاص أصبحت عبارة عن كرة في ملعب القوى المتصارعة ، فالكلام عن تحكم دولة بعينها أو اختزال الإسلام في الإرهاب أو المسلمين في الجماعات المتطرفة غير واقعي ، والأهم هنا أن قضية الإرهاب ذاتها عبارة عن ورقة تستخدم للابتزاز السياسي داخلياً وخارجياً .

 

 

التفسيرات القريبة والبعيدة التي تقف وراء دعم / ونشأة / وغض الطرف عن تمدد التنظيم عديدة منها :

  • المصالح المتشابكة لشركات التسليح مع مجموعات نافذة بالحكومات الغربية :

 الحجج جاهزة دائماً لشن حروب أو عمليات عسكرية سريعة بحجج مثل " الضربات الاستباقية " ، و " مكافحة الإرهاب " و " حماية المصالح " من الحكومات الغربية ضد حكومات معادية ، أو حركات مقاومة ، أو جماعات تنصف كجماعات إرهابية ، حيث تنفق أمريكا مليارات الدولارات على ملف مكافحة الإرهاب ، فقد طلبت إدارة أوباما من الكونجرس تمويلاً إضافياً بقيمة 2.3 مليار دولار لمكافحة تنظيم " داعش " في العراق وسوريا ، هذه الاموال ستستخدم – فقط - لتغطية نفقات الغارات التي تشنها طائرات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد التنظيم ، بالإضافة لنفقات تدريب وتسليح القوات العراقية [37] .

  • توسع النفود وفرض الهيمنة السياسية:

خلق التناقضات السياسية والمصالح المتقاطعة تعد سببا رئيسيا لتشجيع الجماعات المسلحة ومن بينها تنظيم الدولة الإسلامية ، والغرض بالأساس الضغط بملفات مختلفة ما بين السياسي والاقتصادي والعسكري ، خصوصا بعد التصدع الذي يعاني منه الائتلاف الوطني السوري الذي ضم كل أطراف الطيف السياسي في سوريا .

  • ازدواجية المعايير في محاربة الإرهاب .

أصبح ملف الإرهاب ملفاً يستخدم وفقاً لمصالح حكومات إقليمية وغربية ، ويتم تصنيف الجماعة / الحزب / الحركة وفقاً لمصالح بعينها ، فالجماعات الشيعية المدعومة من إيران في العراق مثل ميليشيات " بدر " أو ميليشيا " مقتدى الصدر" لا يتم  التعامل معها بنفس القدر الذي يتم التعامل به مع " جبهة النصرة " أو تنظيم الدولة الإسلامية .

الكثيرون يتهمون تنظيم " حزب الله " اللبناني بأنه قام بتهميش دور الحكومات المتعاقبة في لبنان ، ويدعون أنه قام بتشكيل أقرب لحكومة ظل تعمل لصالح أطراف إقليمية دولية على الأراضي اللبنانية بالرغم من انتخاب اللبنانيين لمن يمثلهم في مؤسسات الدولة ، وهو الأمر الذي أدى في رأيهم - إلى فشل حكومات تعاقبت على السلطة في لبنان . هذا الأمر عكس بالضرورة رد فعل من السنة في لبنان ، ودفع بعظهم للعنف مثل الشيخ أحمد الأسير بدعوى الدفاع عن النفس وحماية المعتقدات ودعم الثورة السورية بالتبعية التي يقف أمام جماعة " حزب الله " التي تدعم النظام البعثي في لبنان وسوريا ..

دولة اليمن هي الأخرى شهدت سقوطا لمؤسسات الدولة بيد جماعة الحوثي حين شنت الأخيرة هجومها على العاصمة في 21 / سبتمبر 2014 م وقتلت أكثر من 300 جندي ولا تزال إجراءات تسليم المحافظات اليمنية مستمر بشمل دراماتيكي حتى كتابة هذه الورقة ، ويصف مراقبون سكوت الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها بأنه إذكاء للحرب الطائفية في اليمن ، وهذا بالتأكيد يشد من عضد القاعدة بتزعمها الدفاع عن أهل السنة وقد يلقى هذا التوجه رواجاً كبيراً في أوساط الشعب اليمني ، الأمر الذي قد يصل إلى تكرار الحالة اللبنانية بشكل حرفي .

  • الإقصاء السياسي والتمييز على أساس الهوية الدينية

يرى محللون كثر أن أحد أهم أسباب تعاظم تنظيم الدولة " داعش " وانتصاراته في العراق هو الإقصاء السياسي الذي مارسته حكومة المالكي للسنة بعد أن سلمت له الإدارة الأمريكية حكم العراق ، حيث مارس المالكي إقصاءً شديدا للسنة ، وزاد معها سيطرة إيران على القرار السياسي العراقي والتعامل معه على أنه أحد المحافظات الإيرانية ، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الكثير من العراقيين الذين خرجوا في تظاهرات واسعة بالمدن السنية اعتراضا على سياسات حكومته ، وهي التظاهرات التي قوبلت بقمع شديد ، وهو الأمر الذي يفسر بعدها لماذا كان الصف الأول من قيادة تنظيم الدولة هم ضباط في الجيش العراقي السابق " البعثي "  .

من ثم عملت قيادات تنظيم " داعش " على ورقتي الطائفية بحجة الدفاع عن السنة وحماية المعتقد وورقة الوطنية المتمثلة في جذب الشباب المنتمي للتراب العراقي وحلم تحريره من الهيمنة الإيراني ، وقوبل هذا الأمر بتصريحات طائفية علنية من المالكي ، وهو ما اختصر المسافة على تلك القيادات لاجتذاب الشباب وإقناعهم بأهمية الدفاع عن الوطن والدين .

  • الاستبداد السياسي وضرب الديموقراطية

بالطبع شكل الاستبداد السياسي محضنا كبيراً لاحتضان الأفكار الجهادية ، واللجوء للعنف كوسيلة للرد على الأنظمة الحاكمة التي وقفت أمام اختيارات شعوبها في العيش بحرية ، ورفض الانصياع لأنظمة حكم سلطوية اعتمدت بالأساس على العصا الأمنية منذ وجودها بعد تأسيس الجمهوريات الحداثية بعد رحيل الاستعمار الأجنبي عن البلاد العربية .

في سوريا لم تستطع الثورة السلمية إزاحة حكم البعث الأسدي ، ولا مواجهة جيشه الكبير المدعوم من روسيا والصين وإيران وحزب الله وبعض البلدان الأخرى ، دعما سياسيا واقتصاديا وعسكريا ، فحدثت " العسكرة " سريعاً للثورة السورية ، وكانت الأرض خصبة بالتبعية للأفكار الأكثر تشددا في مواجهة الحرب " الطائفية " التي يشنها جيش ينتمي ويدين بالولاء للطائفة العلوية ، وفي اليمن الظروف مهيأة لاحتضان أكبر لتنظيم القاعدة بعد إطاحة " الحوثيين " المدعومين مباشرة من إيران بالحكومة التي شكلتها الثورة اليمنية ، وفي ليبيا بدا واضحاً أيضاً أن الإسلاميين يخوضون معركة فاصلة بين قوات " حفتر " المدعومة من الإمارات والسعودية ومصر .

في مصر صارت " السردية " المقبولة في أوساط شباب المسلمين هي السردية " القطبية " بالكفر بالديموقراطية ، والإيمان بأهمية تذويب الدولة القطرية ، وتفكيك شكل الدولة القومية الحديثة وأدواتها بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي ، ولجوء أفراد خلفياتهم غير إسلامية لتنظيمات جهادية مثل أنصار بيت المقدس رفضاً للمسار الذي تم فرضه على السياق السياسي من قبل الإدارة المدعومة من المؤسسة العسكرية .

 

رابعاً : الأفكار المؤسسة لـ " تنظيم الدولة "

ظهرت داعش وأعلنت الخلافة الإسلامية وقبلها إعلانها كفرها بدولة سايكس – بيكو فأعادت مفهوم " الخلافة الإسلامية " من قبره السياسي الذي دفن فيه بعد سقوط الخلافة العثمانية على يد كمال أتاتورك في 1924 م . لكنه كان إعلاناً لخلافة لم تتشرب شكل الدولة العثمانية بقدر ما كان تشرباً لجلب النص الشرعي وتنزيله بشكل حرفيِّ و " محرف " في صورة حدود شرعية ، وراية سوداء ، وصك لعملة إسلامية ، وهدم لأسوار الحدود ، ولحى كثة ، وسيوف قاطعة للرقاب ، وإعلان الجهاد على دول الكفر ، ودعوة الناس لدخول الدولة الإسلامية الجديدة أفواجاً وأفواجاً .

الأمر الذي حدا بالسؤال أين تقف أفكار داعش ، ومن أين تستقي أيدولوجيتها ، وما هي الأفكار المؤسسة للدولة الجهادية الإسلامية الوليدة ؟!

إنّ البحث في البنية الفوقية أو في المَعِين الإيديولوجي الذي يستقي منه تنظيم « داعش » أفكاره ، ويبني عليه أفعاله ليس بحثا ترفياً ، وليس القصد منه الادعاء أنّ هذه الأيديولوجيا هي سبب انبعاث ظاهرة « داعش » ، لكن هدف الحديث عن أيديولوجيا « داعش » ومصادرها يتمثل في أمرين : الأول هو في فهم نوع الشرعية الأيديولوجية التي تصبغ قرارات « داعش » السياسية ، فكلّ حراك سياسي يحتاج إلى خطاب يشرعن أفعاله عند مريديه ، والمصلحة السياسية وحدها لا تكفي لذلك ، وفي هذا السياق ، حتى وإن كانت المصلحة السياسية موجودة ، فإن الأيديولوجيا ستكون مهمة جداً لإسباغ الشرعية على الفعل . فرغم أن هتلر كانت لديه مصلحة سياسية ليتعامل مع اليهود كما تعامل معهم لكن لا يمكننا تصور هذه الأفعال من دون الأيديولوجيا النازية وصراع الأعراق . وكذلك « داعش » فهنالك وراء عدد من سلوكياته مصالح سياسية واقتصادية ، لكنه يحتاجون إلى الأيديولوجيا الإقصائية لإقناع أتباعهم وجمهوره بشرعية هذا الفعل . وربما يكون الدين ، في سياق معين ، أنجع وسيلة لإضفاء الشرعية على أكثر أفعال الإنسان وحشية وإجراماً . يقول سكوت هيبارد " إن الدين يعطي رخصة أخلاقية للسياسي ليفعل ما يشاء " [38] .

السبب الثاني الذي يجعل الحديث عن ايديولوجيا داعش مهماً هو أنّه ثمّة أفعال لهذه الجماعة السياسية يكون دافعها الأوضح هو تطبيق الأيديولوجيا التي تتبناها ، والدين كما تفهمه ، إذ أنها تعترف صراحة ، مثلاً ، بأن سبب إجبارها الأيزيديين على الإسلام ، وسبي نسائهم ، هو أنها تأخذ بقول جمهور الفقهاء الذين لا يجيزون أخذ الجزية من المشركين ، وإنّما فقط من أهل الكتاب ، فالمشركون ليس لهم إلا السيف أو الإسلام ونساؤهم تُسبى ، عكس نساء الطائفة المسلمة الممتنعة ، حيث لا يجوز سبيهنّ . فكما قلنا : إنّ الهدف من البحث في أيديولوجيا « داعش » ليس الجواب عن سؤال : لماذا انبعثت ظاهرة مثل " داعش " ؟ ولكنه للجواب على سؤال : لماذا يتشكل " داعش " بهذا الشكل ويتصرف على هذا النحو ؟ [39] .

بدا واضحاً الاتفاق المبكر في الأفكار الأساسية كسلفية وهابية جهادية بين تنظيم القاعدة وتنظيم " داعش " باعتبار الثانية منشقة عن الأولى وابنة لها ، وتفارقا في الاستراتيجية ، وشكل التحرك ، آمنت " القاعدة " بأهمية التحرك في صورة تنظيمات شبكية ليس بينها وبين بعضها رابط عضوي حتى لا يتم ضربها بسهولة ، وتأجيل إعلان الدولة الإسلامية لأجل بعيد وقت امتلاك الأدوات الكافية لهذا التنزيل السياسي الغائي الضخم ، فيما بكَّرت الثانية بإعلان الدولة معتبراً إياه وسيلة للتمدد والسيطرة وجلب الأنصار والأتباع .

اتبعت " القاعدة " مبدأ الحياد مع القطاعات الشعبية التي لا تدين بأفكارها في المناطق التي تسيطر عليها ، فيما أعلنت " داعش " سيطرتها السياسية والفكرية على كل الأراضي التابعة لها ، ومن ثم إلزام السكان باتباع منهجها السياسي ، والالتزام بخطها الفكري التي طبقت نصوصه في صورة قوانين وأوامر رسمية .

يبدوا أننا أمام " تنظيم عقائدي وسياسي " ، يمثل أقصى حالات التوحش والساديّة والغلو الديني والعنف العسكري ، إلى درجة بدا معها تنظيم القاعدة ، الذي تسيد زمناً المربع الأخير في اليمين الديني والسياسي ، معتدلاً وقابلاً للحوار ، بل وصلت المفارقة إلى درجة أن غدا خطاب القيادات الشرعية التاريخية لتنظيم القاعدة لا يفتأ يُحذّر من الغلو والتكفير وفكر الخوارج الذي يرونه تجلى بأبشع صوره في سلوك تنظيم داعش [40] .

ومن ناحية أخرى ، ومع كل هذه الصلابة العقائدية ، نحن أمام تنظيم يمثل حالة متقدمة من البراغماتية والانتهازية السياسية ، في سلوكه على الأرض ، وفي اختياره معاركه ، وفي تقديره الأوزان العسكرية للدول والقوى المحيطة به ، والتعامل معها وفق ذلك . ولهذا السلوك البراغماتي شواهد كثيرة . منها ما فعله تنظيم الدولة الإسلامية ، حين بقي أكثر من عام ، يخوض معارك شرسة ضد الفصائل الثورية في سورية ، وكثيرٌ منها منتمٍ بشكل ما ، يزيد أو ينقص ، للسلفية الجهادية ، في حين أن جبهاته الواسعة مع النظام الذي يعتبره نُصيرياً كافراً ، هادئة ، ومعاركه معه لا تكاد تُذكر [41] .

لو نظرنا إلى خريطة المساحات التي يهيمن عليها تنظيم داعش في سورية ، لوجدنا أن جميعها مساحات مُنتزعة من الفصائل الثورية ، لا من النظام السوري . وفي المقابل ، نجد أن النظام السوري تجنب - عمداً - خلال هذا العام ، الدخول في أي مواجهات تُذكر أو قصف المواقع والمدن التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية ( يمكن المقارنة مثلاً بين قصفه حلب والرقة ) ، بل كان النظام يتعمّد ، كما في شواهد كثيرة ، مقاتلة وقصف أي فصائل ثورية تدخل في مواجهات ومعارك مع تنظيم الدولة الإسلامية ، وكأنه يخوض معه المعركة نفسها . أيضاً ، رأينا مقدار تشدد تنظيم الدولة الإسلامية في هدم كل المراقد والمزارات والأضرحة ، حتى تلك التي تُنسب إلى الأنبياء والصحابة ، باعتبارها مظاهر شركيّة . لكن ، حين تعلق الأمر بضريح جد العثمانيين " سليمان باشا " الموجود داخل سورية ، وفي المناطق الخاضعة لتنظيم الدولة الإسلامية ، فلم يكتفِ التنظيم بالامتناع عن هدمه ، بل سهّل دخول القوات التركية للضريح وحماها . وحتى الآن ، تقوم قوات داعش بحمايته ، ولم تتعرض له بالهدم [42] .

أيضاً ، فيما يخص علاقة تنظيم الدولة الإسلامية بالفصائل المسلحة في سورية ، ففي وقت تخوض فيه داعش معارك شرسة ، لا تخلو من نزعات انتقامية ، وإعدامات ميدانية ، وقطع رؤوس أسرى ، وخطاب تكفيري حاد مع فصائل محسوبة على السلفية الجهادية ، مثل جبهة النصرة وأحرار الشام وسواهما ، فإن التنظيم في المقابل ، قَبِل بمبايعة فصائل مسلحة وولائها ، هم أقرب لقطاع طرق وجباة أموال ومليشيات ارتزاق ، وكثيرٌ من هذه الفصائل بايعت تنظيم الدولة الإسلامية ، لدوافع مادية ، أو للاحتماء بها من العقاب الذي فرضته عليها الهيئات الشرعية ( كما تكرر ذلك مراراً في ريفي حلب ودير الزور وسواهما ) . ومن الشواهد أيضاً ، يمكن أن نذكر قدرة تنظيم الدولة الإسلامية على معرفة المناطق التي تُمثل خطوطاً حمراء لدول مؤثرة وعدم اقتحامها ( كما في أربيل التي تُمثل خطاً أحمر أميركياً ، وبغداد ومناطق الكثافة الشيعية في العراق التي تُمثل خطاً أحمر إيرانياً ) ، فضلاً عن عدم فتح هذا التنظيم جبهات مع قوات النظام السوري ، سوى باستثناءات محدودة ، على الرغم من الحدود الواسعة بينهما . لذلك ، تجد أن كل المدن التي تخضع ، الآن ، لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في سورية ، هي مدن مُنتزعة من الفصائل الثورية ، ولم تنتزع داعش أي مدينة من النظام السوري ، لأنها في الأصل لا تخوض معارك معه . وثمة شواهد أخرى عديدة على هذا السلوك المفرط في البراغماتية لتنظيم الدولة الإسلامية .

لا يمكن اعتبار تنظيم الدولة الإسلامية مجرد تطور طبيعي للسلفية الجهادية ، أو للمدرسة الوهابية ، ففي وقت تتباين فيه المرجعيات المدرسية للسلفيات الجهادية في العالم العربي ( مثلاً جماعة الجهاد في مصر اتكأت في تأصيلها مواقفها على نصوص ابن تيمية وفتاويه ، مع استلهامٍ لأفكار المفاصلة لدى سيد قطب [43] .

" يمكن أن نذكر قدرة تنظيم الدولة الإسلامية على معرفة المناطق التي تُمثل خطوطاً حمراء لدول مؤثرة وعدم اقتحامها " .

في المقابل ، كانت التنظيمات الجهادية في الجزائر والمغرب تعتمد على تراث المذهب المالكي ، في تأصيل التكفير والقتال ، خصوصاً التراث الذي تكوّن في المرحلة التي هيمنت بها الدولة الفاطمية على المغرب العربي الذي ينتمي معظم سكانه للمذهب المالكي ، فتراكم تراثٌ لفقهاء مالكية يكفّر السلطة الفاطمية ، ويدعو إلى الخروج عليها . فيما كانت التنظيمات الجهادية في الشام والعراق والخليج أقرب لاستلهام نصوص المدرسة النجدية الوهابية في التكفير والقتال ) .

لكن تنظيم الدولة الإسلامية يبدو خارج هذه الدوائر جميعها ، فهو تنظيم على الرغم من امتداده وكثرة المنتمين إليه ، لم يُصدر تنظيراً شرعياً تأسيسياً موسعاً لمواقفه العقدية والسياسية ، يمكن الاعتماد عليه ودراسته ، وما أصدره لا يعدو أن يكون تأصيلاً لاحقاً ذا طابعٍ تبريريٍ جدلي ، كما لا تنتسب لهذا التنظيم أيٌّ من الشخصيات الشرعية المعروفة ، والمؤثرة في الوسط الجهادي ، ويخلو من أي شخصية شرعية لها وزن . بل إن جميع الشخصيات الشرعية التاريخية المرموقة في الوسط الجهادي ، أو المؤثرة عليه ( من أمثال أبو محمد المقدسي ، وأبو قتادة الفلسطيني ، وأبو بصير الطرطوسي ، وسليمان العلوان ، وهاني السباعي ، فضلاً عن زعيم تنظيم القاعدة ، أيمن الظواهري ) أصدرت بياناتٍ متعددة ، تُحذر من غلو تنظيم الدولة الإسلامية ، وتساهله في التكفير وسفك الدماء ، وعدم شرعيّة إعلانه الدولة ثم الخلافة .

وفي مقابل خلو تنظيم الدولة الإسلامية من شخصيات شرعية معتبرة ، تتصدر السلّم القيادي لهذا التنظيم شخصيات عسكرية ، معظمهم كانوا ضباطاً في الجيش العراقي البعثي زمن صدام حسين ، ( مثل حجي بكر ، وأبو مسلم التركماني ، وأبو عبد الرحمن البيلاوي ، وأبو أحمد العلواني ، وأبو مهند السويداوي ، ومحمد الندى الجبوري ، وسواهم ) . فوجود مثل هذه الأسماء على رأس تنظيم الدولة الإسلامية ، من دون أن يكون لها أي سابقة ، أو تاريخ في العمل الجهادي ، ومن دون أي مخزون شرعي أو " ثقافة جهادية " ، أو تطور منطقي في تراتبية التنظيم والولاء ، تبرر قيادتهم تنظيماً ، يقع في أقصى يمين السلفية الجهادية ، هو أمرٌ يثير أسئلة مشروعة عن الدوافع المحركة لهذه القيادات ، وطبيعة هذا التنظيم وظروف تكوّنه ، وعن مدى وجود " بنية نظرية صلبة " لدى هذه القيادات تُمثل محركاً رئيسياً للقيام بهذا " المشروع الجهادي " [44] .

يمكن اعتبار ما سبق بعضاً من مناطق التمايز والاختلاف بين تنظيم الدولة الإسلامية وما ألفه الدارسون ، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود ، من تنظيماتٍ تنتمي للسلفية الجهادية . لذلك ، حين نبحث في أسباب نشوء هذا التنظيم ، ونقيّم خطابه الشرعي وسلوكه السياسي والعسكري ، يجب أن نأخذ هذه التباينات بعين الاعتبار.

  

خاتمة وتوصيات

توسعت دولة الخلافة الإسلامية وصارت لها أرض كبيرة بالعراق وسوريا ، وبالتالي تزيد خبرتها كل يوم في المساحات العسكرية والإدارية والاقتصادية ، ومحاربة تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ) باعتباره حركة ذات نسق شبكي ، بانتهاج أسلوب فقط محاربة " رجال العصابات " وحده لن يكفي لإنهاء دولة التنظيم ، والإطاحة بها ، يبدو أن القدرات الحقيقية لمجابهة هذا التنظيم ستتمثل في جيش تنظيمي كبير وتحالف إقليمي واسع قد يغير خارطة الأوضاع الحالية بالمنطقة .

وبالتالي فمن المتوقع وفقا لهذا الحال أن تتغير تركيبة التحالفات بالمنطقة لاعتبارات عدة ، بحيث تتأخر معركة مجابهة الإخوان المسلمين لأهمية التقارب السعودي - الخليجي من ناحية ، وقطر وتركيا من ناحية أخرى ، وهو ما سيجعل من الأهمية حل الملف الإخواني في مصر والخليج وارداً .

يتبقى وضع تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش )  قائماً طالما بقيت المشكلة السورية طي وضعها المتجمد ، فالنظام السوري مستفيد بشكل كبير من وجود تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ) في  شرعنة وجوده أمام النظام العالمي بحجة " مقاومة الإرهاب " ،  وتدخل إيران وحزب الله لدعم النظام السوري سيصبح أكثر شرعية أمام الداخل الإيراني واللبناني بحجة مقاومة " سلفنة " الحراك السوري المقاوم للنظام السوري ، بل وجود ( تنظيم الدولة الإسلامية ) داعش نفسه يؤثر على حركة المعارضة السورية بأطيافها المختلفة لانشغالها بالحرب الجانبية مع تنظيم الدولة ومواجهتها على الأرض .

في الجانب العراقي ، يظل أيضاً وجود تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ) متعاظما في الأراضي العراقية التي استولت عليها ، طالا بقي الدعم الإيراني للحكومة العراقية ، والممارسات الإقصائية التي تُمارس من قبل الحكومة العراقية ضد العشائر السنية ، وهو ما يستلزم معه إحداث حالة " توافق وطني " يتشكل عنها مسار واضح لتشكل حكومة " وحدة وطنية " مبنية تتبنى أجندة وطنية لعمل مصالحة داخلية ، وبدء ترميم ما أحدثه الاحتلال الأمريكي عبر أكثر من ثلاثة عشر عاماً من الوجود بالعراق ، وهو أمر يحتاج جهد ونفس طويل ، وتنازلات من كافة الفصائل العراقية ، وإدراك لحجم الخطورة التي يتجه لها الوطن العراقي .

على المستوى الدولي ، لابد من إدراك خطورة قمع الأنظمة الاستبدادية التي تُمارس قمعاً ضد شعوبها ، وتقييد على حرياتها ، وأنَّ ما يتم في المنطقة حالياً هو نتاج دعم لعشرات من السنوات لأنظمة تواطأت ضد مصلحة شعوبها ، وأن المراهنة على الخيار الشعبي - حتى ولو كان بطيئاً - سيصبح هو الأسلم لوجود دول يمارس فيها ديموقراطية يصبح الناتج منها حكومات ممثلة لشعوبها .

على المستوى المحلي ، لن تكون هناك ديموقراطية حقيقية ، بدون بديل سياسي ومجتمعي متجاوز لثنائية السلطة / التطرف ، هذا البديل السياسي سيتبلور من خلال مؤسسات مجتمعية ومدنية ، وحركة حزبية نشطة ، وحراك نقابي وعمالي ، هذا البديل يصبح هو فعلياً البديل عن الثنائية المستوطنة الآن في المنطقة العربية .

 

˜˜˜˜


مصادر البحث

  • العوين ، د . محمد عبدالله ( 2014 ) ، قصة داعش من التوحيد والجهاد إلى الخلافة المزعومة

، http://www .al-jazirah .com/2014/20140721/ln41 .htm

  • القاعدة والحرب على الإرهاب ، موقع الجزيرة نت ، http://www .aljazeera .net/
  • تنظيم القاعدة في العراق ، موقع بوابة الحركات الإسلامية ،

، http://www .islamist-movements .com/2602

  • تنظيم الدولة الإسلامية ، الجزيرة نت ، http://goo .gl/LIWJBo
  • أبو بكر البغدادي ، الجزيرة نت ، http://goo .gl/B2WbZL
  • " داعش " يغزو شرق آسيا : " طالبان ــ باكستان " آخر المنضمّين ، صبغة الله صابر ، العربي الجديد ، 6 أكتوبر 2014 ، http://goo .gl/AbG1CL
  • مأزق إيران مع داعش ، خالد الدخيل ، جريدة " الحياة " اللندنية ، 22 يونيو 2014 ، http://goo .gl/dUaqKX
  • فيديو قصير من خطاب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ، موقع اليوتيوب ، http://goo .gl/GQvvI5
  • ضربة للمالكي من أقرب حلفائه : إيران تدعم عملية اختيار رئيس جديد للحكومة ، موقع سي إن إن باللغة العربية ، 12 أغسطس 2014 ،http://goo .gl/1izaUx
  • مأزق إيران مع داعش ، خالد الدخيل ، جريدة " الحياة " اللندنية ، 22 يونيو 2014 ، http://goo .gl/dUaqKX
  • تامر بدوي ، التأثيرات المحتملة لتنظيم الدولة على المجال الأوراسي : الأبعاد والتداعيات الإقليمية ، مركز الجزيرة للدراسات ، http://goo .gl/x3Ld75 . الأحد 23 نوفمبر 2014
  • داعش : لا صوت يعلو فوق صوت التطرف ، حيفة أبو الفتوح ، موقع نون بوست ، 2-8-2014 ، http://www .noonpost .net/content/1779
  • من المسؤول عن تمويل داعش ؟ ، موقع دويتش فيلة الألماني ، 2-6-2014 .http://goo .gl/2rdlu0
  • أوباما يطلب من الكونجرس 2.3 مليار دولار لمكافحة " داعش " ، جريدة الدستور ، 7 نوفمبر 2014 .
  • أحمد الجنيدل ، « داعش » وهابي أم إخواني ؟ ، جريدة الأخبار اللبنانية ، 28 نوفمبر 2014 ، http://www .al-akhbar .com/node/220744
  • السيسي : ندعم الحرب على " داعش " دون التدخل عسكرياً ، موقع العربية . نت ، 23 سبتمبر 2014 ،http://goo .gl/bxRW7C