يرجى تدوير الجهاز الى الوضع العامودي للحصول على افضل طريقة عرض لموقعنا

مقدمة

عاد مصطلح "الدولة العميقة" إلى الظهور والانتشار مجدداً، وبقوة، عقب ثورات الربيع العربي التي تفتحت ابتداءً من أواخر 2010 في تونس، وبدايات 2011 في مصر واليمن وسوريا وليبيا، وتلتها أحداث جسام عصفت وما تزال تعصف بالمنطقة، بعد أن تم حرف مسار الثورات العربية إلى صراعات وحروب داخلية، بمشاركة خارجية، كما في اليمن وسوريا وليبيا، أو إلى انقلاب عسكري دموي فاشي كما في مصر، أما في تونس فنستطيع القول إنها نجت من براثن الدولة العميقة، وخطت خطوةً للأمام، أو تحاشت هذه الأحداث؛ نتيجةً لوضعها وظروفها الخاصة، والدور الذي قام حزب النهضة التونسي ليتحاشى مآلات أقرانه في مصر واليمن.

لم تكن هذه الأحداث نتيجةً لفشل الثورات، بل كانت نتيجة إفشال متعمد لها. فتلك الثورات التي خرجت بروح جماهيرية بحتة تتطلع للحرية والكرامة والديمقراطية، فاجأت النظم المستبدة وأربكتها لفترة وجيزة، قبل أن تستجمع قواها وتعيد بناء منظومتها للحيلولة دون نجاح الثورات في تحقيق أهدافها، ولتختلق الظروف التي تهيئ لها العودة إلى سدة الحكم من جديد، كما في مصر، أو البقاء في الحكم كما في سوريا، أو الدخول في أتون حرب وصراع داخلي يمنع قيام دولة ويقضي على الاستقرار ويهيئ لفوضى عارمة كما في اليمن.

هذه الأحداث والمآلات ما كانت لتظهر بهذه الصورة المهولة لولا وجود وتغلغل ما يسمى بالدولة العميقة في مفاصل الدولة ومؤسساتها وتفرعاتها، والمجتمع وكياناته وشخوصه، وفي هذه الورقة سيتم التركيز على الحالة اليمنية، وذلك من خلال المحاور التالية:

أولاً: ماهية الدولة العميقة .

ثانياً: أدوات الدولة العميقة في اليمن.

ثالثاً: مسارات ونتائج الصراع الداخلي في اليمن.

رابعاً: سقوط الدولة والموقف الإقليمي والدولي من ذلك.

 

 

أولاً: ماهية الدولة العميقة

هناك الكثير من التعريفات لمصطلح الدولة العميقة، ويمكن تعريف الدولة العميقة باختصار بأنها عبارة عن ذلك التحالف العميق الذي يجمع في طياته بنيان الدولة المختلفة؛ من جهاز إداري وسياسي وإعلامي ومؤسسات عسكرية واستخبارات وقضاء ومثقفين ورجال دين ودعاة وشيوخ قبائل ورجال أعمال.. إلخ، واستثناء أفراده من أي محاسبات أو مسائلات، وعدم تعرضهم لأي متابعات قضائية إن اهتز النظام القائم أو استجدت أحداث من شأنها زعزعة المنظومة التي يستظلون بظلها ويحتمون بسلطانها، وينهبون ويفسدون بوجودها. فهي ليست دولة داخل دولة كما يحلو للبعض وصفها، بل هي الدولة ذاتها بترتيباتها المؤسساتية، وتنظيمها المتجذر والممتد أفقياً ورأسياً، وبقدراتها القمعية والإكراهية، وبأدواتها التضليلية والتجسسية والمتابعة، وإطارها الإعلامي والثقافي والديني والقبلي والمذهبي، التي تبني لها الشرعية الزائفة وتزين لها سلوكها المشين.

فهي تركيبة معقدة ومتداخلة أشد التداخل، تجتهد ألّا تترك مجالاً إلا واكتسحته وزرعت أذرعاً لها فيه، سواء كان ذلك المجال سياسياً أو اقتصادياً أو ثقافياً أو حتى رياضياً، أو أي مجال مهما صغر حجمه وقلّت قيمته، وكان له تأثير (كعقال الحارات وأئمة المساجد وشيوخ القبائل.. إلخ)، وهذا يعني أن اختراقها قد يكون محالاً، وتفتيتها من الداخل أمر يحمل الكثير من المجازفة والخطورة، إذ قد يتفتت بتبعاتها كيان الدولة ككل، لذلك فإن إزاحة رأس النظام، باعتباره أهم مكون للنظام، لا يؤدي إلى انهيار المنظومة بقدر ما يعني تواري ذلك المكون لفترة مناسبة تتيح له الفرصة ليتهيأ للعودة  بقوة، من خلال المؤسسات الجديدة التي ما زالت عناصر الدولة العميقة فاعلة داخلها، وذلك عن طريق محاولة خنقها وزرع القلاقل فيها حتى تضعف وتتهاوى، أو القبول بها كأمر واقع، مع عدم الانصياع لقوانينها، والعمل على إفشالها بجعلها تعمل في الحدود الدنيا من القدرة، والرهان على الزمن حتى تفقد ثقة الجمهور، وهو ما يضعفها ويجعلها تتهاوى وتفشل[1].

وفي الحالة اليمنية نجد أن الدولة العميقة تجسدت في شخص الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، فخلال فترة حكمة التي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود استطاع أن يؤسس منظومة فساد واسعة، عبارة عن شبكة معقدة من لوبيات مالية وعسكرية وأمنية وسياسية وقبلية، وهي شبكة متينة في قوتها، معقدة في تركيبتها، ومتباينة في أهدافها التي تسعى إلى المحافظة عليها، هذه المنظومة لها ارتباطات وعلاقات بقوى مشابهة على المستوى الإقليمي والدولي، يربطها هاجس واحد هو الحفاظ على مصالحهم من أي تهديد قد ينشأ، لذلك فقد سلكت بعض الثورات مسلكاً تصالحياً يحقق أهداف الثورات ويمنح النظام السابق فرصة للتعايش، وهذه تسمى "العدالة الانتقالية"، النقيض من العدالة الجنائية التي تقوم على المحاكمات والقصاص.

 

العدالة الانتقالية

 تسلك جميع الثورات ضد الأنظمة المستبدة أحد المسارين التاليين:

1- تفكيك النظام (الدولة العميقة) وبنيانه وهياكله دفعة واحدة وإحلال النظام الجديد الذي حدد معالمه الثوار محل ذلك النظام، وهذا المسلك قد يؤمن الثورة من الانتكاسة، ويضع حداً للثورة المضادة، إلا أنه قد يؤدي أيضاً إلى حدوث فوضى عارمة أو حرب أهلية، ويطيل أمد الصراع، خاصةً عندما يكون الحاكم معتمداً على القوة العسكرية لحماية أركان حكمه (الأنظمة العسكرية)، كما هو الحال في بلدان الربيع العربي، ومنها اليمن.

2- المسلك الثاني للثورات قد يكون تصالحياً؛ أي عبر تسوية مع النظام السابق يتفق فيه كل الأطراف على مبادئ وآليات للمصالحة، وينتج عنها انتقال سلس للحكم، ووضع تسوية واتفاقات لا تجتث رموز النظام السابق، ولا تهمل وضع المتضررين والمجني عليهم الذين وقعوا ضحايا ذلك النظام، وهو ما يُطلق عليها "العدالة الانتقالية"، التي تهدف بشكل أساسي إلى تحقيق المصالحة الوطنية، وإرساء العدالة والقانون، ونقل المجتمع من مرحلة الصراع إلى مرحلة المصالحة الاجتماعية والسلم الاجتماعي، ولها شقان؛ جزائي وتصالحي، على أساس معرفة الحقائق والتعويض المادي والمعنوي للضحايا وجبر الضرر، وتحديد المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان عن طريق الاعتراف والاعتذار العلني، ووضع الضمانات الدستورية والقانونية لعدم تكرار تلك الانتهاكات. قد تختلف مبادئ وقواعد العدالة الانتقالية بحسب ظروف كل نظام وكل مجتمع، وبحسب الأرضية التي مهدت لذلك، ومدى قبول الأطراف، لكن هناك ثلاثة مقومات لا يخلو منها أي قانون للعدالة الانتقالية، وهي:

.المساءلة. - المحاسبة. - المصالح

ويتم ذلك عن طريق تشكيل لجان تكون مهمتها، في الغالب، تقصي الحقائق، وحصر الضحايا والمتضررين، وتقدير حجم الضرر؛ تمهيداً لتعويضهم بشكل عادل يرضيهم، ومحاسبة الجُناة (علماً أن هذه المحاسبة تكون معنويةً لا جنائيةً، إلا في الحالات التي يكون فيها النظام السابق قد انهار وتفكك وارتكب جرائم كبرى، كما أنها تختلف بحسب نصوص الاتفاقات، فقد يكون الجزاء الحرمان من أي نشاط في المستقبل)، وتطهير المؤسسات من الفساد والمفسدين، وتجميد الأرصدة وسحبها لمصلحة المتضررين، ووضع الضمانات الكفيلة بمنع تكرار تلك الانتهاكات، وتأكيد ضرورة الانتقال الديمقراطي وتحقيق الدولة المدنية.. إلخ، ويكون تطبيق ذلك عبر مراحل تؤدي إلى تحقيق أهداف الثورة، وتجنب الفوضى والصراع الدموي. وقد نجح هذا المسلك في أمريكا اللاتينية في الثمانينيات من القرن الماضي (الأرجنتين، تشيلي، المكسيك، على سبيل المثال)؛ حيث تكونت قناعات لدى الأطراف بأهمية وضرورة الوصول إلى مرحلة الانتقال الديمقراطي والاستقرار السياسي، عقب أحداث وردّات ثورية، ومراحل من الفوضى والصراع، أو نتيجة لضعف الذراع العسكرية للدولة، بسبب انقسامات داخلية أو هزيمة خارجية، كما حصل في الأرجنتين بعد الهزيمة أمام المملكة المتحدة البريطانية في حرب الفوكلاند عام 1982 واستسلام الأرجنتين.

 

العدالة الانتقالية في المشروع اليمني:

عرّف مشروع قانون العدالة الانتقالية اليمني المصالحة الوطنية بأنها: "عملية للتوافق الوطني، على أساسها تنشأ علاقة بين الأطراف السياسية والمجتمعية قائمة على التسامح والعدل، وإزالة آثار صراعات الماضي، ومن خلال مجموعة من الإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون والقوانين الأخرى الهادفة إلى تحقيق الأمن والسلام الاجتماعي والمصالحة بين أفراد المجتمع".

وقد أخذ مشروع القانون اليمني بالعدالة التصالحية، حيث حدد في المادة الثالثة المبادئ والأسس التي تقوم عليها، بالنص على أنه "يهدف هذا القانون إلى تحقيق ما يلي:

  • إجراء مصالحة وطنية عامة، تؤدي إلى معرفة الحقيقة وتهدف إلى الحفاظ على وحدة اليمن وأمنه واستقراره، وترسيخ قيم الانتقال الآمن والسلس للسلطة، والتزام كافة الأطراف بوقف كل أشكال الانتقام والمتابعة والملاحقة القضائية والقانونية والسياسية.
  • اتخاذ الإجراءات اللازمة لتطبيق العدالة الانتقالية، وتسليط الضوء على الانتهاكات لحقوق الإنسان التي ارتُكِبت، وضمان جبر الضرر للمتضررين أو ورثتهم على أن يتم إشراك الضحايا أو ورثتهم في الإجراءات المحققة لجبر الضرر وتجنب أخطاء الماضي.
  • المساهمة في تنمية وإثراء ثقافة وسلوك الحوار، وإرساء مقومات المصالحة وبناء الدولة المدنية- دولة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان- ومحو آثار انتهاكات حقوق الإنسان، والحيلولة دون تكرارها مستقبلاً"[2].

هذا المشروع وغيره من المشاريع المتعلقة بالعدالة الانتقالية التي تم اقتراحها لم ترَ النور ولم يتم إقرارها، نتيجةً للخلاف الكبير داخل مجلس النواب بخصوص بعض المواد، والمطالبة بإضافة بعض المواد وتعديل أخرى، مع اشتراط التوافق بين جميع المكونات داخل المجلس لإقرار أي مشروع قانون، بناءً على الاتفاقية الخليجية وملحقاتها، فضلاً عن استحواذ حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يرأسه صالح على الأغلبية المريحة بالمجلس، واستخدام تلك الميزة في عرقلة القوانين، والتأثير على سير عمل الحكومة، وتأخير وعرقلة أية مشاريع تخدم الثورة والوضع الجديد، واستغلال ذلك لرمي كل الإخفاقات على الطرف الممثل للثورة، مع أن الإدارة والحكم بالمشاركة والتوافق بل إن معظم دوائر ومفاصل الدولة يديرها الرئيس المخلوع شخصياً، كما سيتضح لاحقاً.

وبالنظر إلى طبيعة النُّظم العربية بشكل عام، والنظام اليمني بشكل خاص، التي تتضح من خلال التاريخ السياسي التسلطي، الذي لم ينتج عنه إلا مزيد من التخلف والانكماش الاقتصادي، وغياب الديمقراطية والحياة المدنية، واستفحال القوة العسكرية والقمعية، فقد كان من المتوقع أن يستغل رأس النظام السابق هذه الفترة ليحولها من "عدالة انتقالية" إلى "فرصة انتقامية"، وهذا ما دفعنا إلى التطرق لهذه النقطة باعتبار أنها البداية الحقيقية للعبث الذي مارسه علي عبد الله صالح وأدواته في الدولة العميقة، مستغلاً الاتفاقية الخليجية وما تخلل بعض موادها من عدم وضوح أو تزمين، ومن ذلك أن الاتفاقية نصت على أن تبدأ المرحلة الانتقالية الثانية، ومدتها عامان، مع تنصيب الرئيس بعد الانتخابات الرئاسية المبكرة، وتنتهي بإجراء الانتخابات العامة وفقاً للدستور الجديد، وتنصيب رئيس الجمهورية الجديد[3]، والمقصود بالمرحلة الانتقالية الأولى الفترة الزمنية التي امتدت منذ توقيع المبادرة حتى انتخاب الرئيس التوافقي، التي جرت في 21 شباط/فبراير 2012، فهناك من فسرها بأن فترة الرئيس عبد ربه تنتهي في شباط/فبراير 2014، لكن قرارات مجلس الأمن جاءت لتؤكد استمرار شرعية هادي حتى انتهاء الفترة الانتقالية، دون اعتبار للمدة؛ لأنها عامان مشروطة بإتمام الانتخابات.

أضف لذلك اللين والتعاطف الذي وجده علي عبد الله صالح من الدول الإقليمية والغربية، باعتبار نظامه شريكاً أساسياً في محاربة الإرهاب، والهاجس المشترك من صعود تيار الإسلاميين، خاصةً الإخوان المسلمين، عقب ثورات الربيع العربي.

هذه العوامل وغيرها مهدت الطريق وهيأت السُّبل أمام الدولة العميقة لكي تنشط، بل ويستفحل خطرها، حتى تمكنت من إسقاط الحكومة ثم الدولة بمكوناتها الطبيعية.

 

الاتفاقية الخليجية وعودة رموز الدولة العميقة

اتفقت الأطراف اليمنية على اختيار المسلك الثاني (التصالح)؛ نظراً لحساسية الوضع اليمني وتركيبة المجتمع اليمني المميزة؛ حيث القبائل المسلحة، وانتشار السلاح في معظم بيوت اليمن، إن لم يكن فيها كلها، في ظل انقسام شديد الحدة بين مؤيدي الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح ومؤيدي الثورة، أفرز حشداً وحشداً مضاداً، وهو ما شكل تهديداً خطيراً على الوضع العام، ودق أجراس حرب أهلية، أمام كل ذلك كان خيار المصالحة هو الخيار الذي فضله قادة الأحزاب السياسية المشاركة في الثورة (أحزاب اللقاء المشترك الذي يضم: التجمع اليمني للإصلاح، الحزب الاشتراكي اليمني، الحزب الوحدوي الناصري، حزب الحق، اتحاد القوى الشعبية، حزب البعث العربي الاشتراكي)، وكذلك المجتمع الدولي والدول الإقليمية، فقد رأوا فيه المخرج الأكثر أمناً، ويبعد اليمن عن منزلقات الحرب وانهيار الدولة ووقوعها فريسةً للجماعات الإرهابية (القاعدة)، خاصةً بعد توسع القاعدة وسيطرتها على عدة محافظات أواخر 2011 (أبين، شبوة البيضاء)، ومما زاد المخاوف من الحرب الأهلية التهديدات والتحذيرات التي كان يكررها علي عبد الله صالح في كل خطاباته منذ اشتعال ثورة 11 فبراير، من أن تركه للسلطة يعني الدمار والحرب، وكان يمارس سياسة الابتزاز والتهديد بالحرب الأهلية، لكي يخوف بها الداخل ويبتز بها الخارج الذي يخشى أن تتعرض مصالحه للتهديد من جراء ذلك لو حصل؛ نظراً لموقع اليمن البحري المميز والمؤثر على التجارة والملاحة البحرية الدولية[4]، وكذلك حذر منها المجتمع الدولي والإقليمي، فبادرت دول مجلس التعاون الخليجي إلى الوساطة والضغط بهذا الاتجاه، كما تدخل مجلس الأمن بكل قوته للدفع نحو الخروج بآلية مناسبة، وصدر عنه أكثر من قرار بالحث على التوافق والالتزام بالاتفاقية الخليجية كمخرج وحيد للأزمة في اليمن؛ ومن أهمها: "القرار رقم 2014 لسنة 2011، والقرار رقم 2051، عام 2012، والبيان الرئاسي فبراير 2013".

وكان مجلس الأمن والدول الإقليمية قد أقروا المبادرة الخليجية ، وتم البناء عليها والدفع نحو تبنيها وتثبيتها كمخرج للوضع اليمني، والضغط على قادة الأحزاب للتوافق عليها، وعلى الرغم من التعديلات المتكررة عليها، فإنه تم التوافق عليها في النهاية كتسوية سلمية، فبتاريخ 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2011، في مدينة الرياض، وقع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وممثلو الأحزاب اليمنية برعاية الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز على هذه المبادرة، وسط ترحيب أممي إقليمي وأمريكي، ووسط رفض واسع من شباب الثورة؛ لشكهم وتخوفهم من مراوغات ومماطلة علي صالح (الراقص على رؤوس الثعابين). وبتاريخ 20 كانون الأول/ ديسمبر 2011 خرجت مسيرة شبابية كبيرة تحركت من تعز نحو صنعاء مشياً على الأقدام؛ للتعبير عن رفضها منح الحصانة للرئيس المخلوع ومعاونيه، التي منحتهم إياها الاتفاقية الخليجية، وقطعت هذه المسيرة، المسماة "مسيرة الحياة"، مسافة 250 كم لتصل العاصمة في الـ 24 من الشهر، فجُوبهت بالعنف والقتل والاعتقالات من قوات الأمن وأفراد من الجيش الموالي لصالح، وسقط فيها 14 شهيداً ومئات الجرحى، وهو ما دفع رئيس الوزراء محمد باسندوه، ووزير الداخلية آنذاك محمد قحطان، إلى التهديد بالاستقالة مالم يتم إجراء تحقيق بالواقعة، وكشف ومعاقبة المتسببين، وكغيرها من لجان التحقيق لم تظهر نتائجها حتى اليوم[5]، وهو ما أكد المخاوف من نوايا علي عبد الله صالح، ومع ذلك فقد أذعن الشباب للأمر الواقع؛ لأن معظم الشباب منتمون حزبياً.

ومن خلال الاتفاقية تلك ضمن علي عبد الله صالح العودة للحكم عبر رموزه الذين مثلوه في الحكومة، وعبر الإبقاء على كل أذرعه في كل مؤسسات الدولة وأجهزتها.

 

علي عبد الله صالح على رأس الدولة العميقة

مع أن اتفاقية الخليج[6] جاءت بتوافق كل الأطراف السياسية، وبمباركة وتأييد كبير من المجتمع الدولي ودول المنطقة وجامعة الدول العربية، فإنها كانت مصدر تخوف وقلق لشباب الثورة، خاصةً ما يتعلق بالشراكة مع النظام الذي ثاروا عليه ويعون جيداً تاريخه وما ينطوي عليه من قمع وبطش، وهو الذي لم يتورع -في سبيل الحفاظ على السلطة- عن استخدام القوة العسكرية لقمع المظاهرات والاحتجاجات السلمية، التي سقط فيها 2000 شهيد، و22000 جريح، وغُيِّب أكثر من 1000 معتقل ومختطف مخفي، وما زالت "جمعة الكرامة" (في 18 آذار/ مارس 2011) ماثلة في الأذهان، حين ارتقى أكثر من 44 شهيداً و200 جريح[7] ، في أشد الأيام دموية.

 

لذلك أصبح من المؤكد في الحالة اليمنية أن بقاء المخلوع علي صالح (رمز الدولة العميقة) في المشهد، وعلى رأس حزب أسسه وحكم البلاد به لسنين طويلة، وظل يديره حتى بعد استقالته، إنما هو التجسيد الفعلي للدولة العميقة، وما زاد من جبروته هو منحه الحصانة التي عدها انعتاقاً من الملاحقات القضائية، فبات من الطبيعي والحالة هذه أن يحرك باقي مكونات الدولة ذاتها (من مؤسسات عسكرية، وبيروقراطية إدارية، ومؤسسة قضائية، ووسائل إعلام، ومثقفين وشيوخ قبائل وما سواهم)، لا سيما أن نصف الحكومة المتمثلة في الوزارات من نصيبه ويديرهم بنفسه، إضافةً إلى الأجهزة الإدارية الأخرى في المحافظات والمدن، وأن يعمل على إعاقة أداء النظام الجديد للضغط عليه والتشويش على أدائه، بل والسعي لإسقاطه بأي وسيلة. لذلك تركت الدولة العميقة في اليمن الدولةَ المركزية تتهاوى، وهيبتها تتلاشى وتلتهمها ميليشيا، ولتحقيق غايات الدولة العميقة تلك مارس الرئيس المخلوع لعبته للالتفاف على الدولة عبر أدوات عديدة، لعل أهمها ما سيرد ذكره.

 

ثانياً: أدوات الدولة العميقة في اليمن

كما ذكرنا سابقاً فالدولة العميقة تستند إلى مؤسسات الدولة وهياكلها كأذرع لها تتبادل معها المصلحة والحماية، ومن أهم أدوات الدولة العميقة في اليمن الأداة المالية والعسكرية والأمنية، وشيوخ القبائل، وشراء الولاء، ونشر الفوضى والصراع المجتمعي تحت الكثير من المبررات؛ كالصراع القبلي، ومافيا الأراضي، والأخطر من كل ذلك استغلال الجماعات الإرهابية؛ كتنظيم القاعدة وجماعة الحوثي.

وسنتناول باختصار بعض ممارسات رأس الدولة العميقة، أو قل "العقيمة" لتوصيف أدق، التي ارتكبها منذ توقيع المبادرة الخليجية في 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2011، وانتقال السلطة، حتى دخول اليمن في أتون الحرب التي تشهدها كل ربوع الجمهورية في الوقت الحالي.

 

أ- الهياكل والمؤسسات المدنية للدولة:

أثبتت التجارب وسنوات من الحكم، ودراسات أكاديمية[8]، وتقارير نشرها المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية[9]، أن تشكيل واختيار وزراء الحكومة والمسؤولين التنفيذيين كان يفتقر بشكلٍ كبير وعميق للمعايير العلمية أو الكفاءة والقدرة والإخلاص، إلا ما ندر واستدعته الضرورة، فكانت هذه التعيينات تستند إلى مقدار الولاء للزعيم، كما أن كل الحكومات المتعاقبة كانت رهينة لأهواء الرئيس وتوجهاته، والحكومة الوحيدة التي رفض رئيس الوزراء فيها الخضوع للرئيس، وطالب بأن يمارس صلاحياته الكاملة، كانت حكومة الدكتور فرج سعيد بن غانم، رحمة الله عليه، ولذلك لم تكمل عاماً واحداً حتى تقدم رئيس الوزراء باستقالته (15/9/1997 حتى 15/5/1998)[10]. وكان المخلوع يعتمد في التعيين للوزارات على معيار الجغرافيا ومعيار الحزب، بناءً على ولاء الأشخاص والمحافظات، لذلك لم يلحظ المواطن اليمني أي تغييرات في أشخاص الوزراء والمسؤولين وقادة الأجهزة في الدولة، وكأن تلك المهام محصورة ومنوطة بأشخاص بعينهم، وأسر محددة ممن يدينون للرئيس بالولاء، والحقيق أن هؤلاء تربطهم مصالح متجذرة مع الرئيس، ولم يستطع أي منهم أن يتخلى عنه حتى عقب ثورة الشباب السلمية في 11 شباط/ فبراير 2011، ومن ثم فإن من أيد الثورة هم من المسؤولين الذين لا تاريخ طويل يربطهم بالرئيس، باستثناء اللواء علي محسن الأحمر قائد الفرقة الأولى مدرع.

ومما تسبب في تدهور الأمور وعزز يد الدولة العميقة أن بعض تلك الشخصيات عادت لشغل الوزارات في حكومة الوفاق ضمن حصة الرئيس من الحكومة التي تشكلت بالمناصفة بين حزب الرئيس المخلوع (المؤتمر الشعبي العام)[11] وحلفائه، والأحزاب التي شاركت في الثورة، ومن ثم فقد استطاع علي عبد الله صالح أن يحرك أدواته ويعمد إلى تعطيل الحكومة وتثبيطها، خاصةً أن اتفاقية الخليج كبلتها باشتراط التوافق في العمل والقرارات، مما جعل قراراتها وعملها بطيئاً جداً، ومتناقضاً في أغلبه مع أهداف وتطلعات الثوار، التي كان منها مطالباتهم المتكررة للحكومة بحماية الصحفيين، وإطلاق سراح المعتقلين والمختطفين منذ أيام الثورة، وإعادة هيكلة الجيش، وبسط نفوذ الدولة، وتغيير المحافظين الفاسدين.. وغيرها من المطالب التي تعرقلت بفعل وجود علي صالح على رأس حزب له 50% من كيان الحكومة، وأكثر من 70% من المسؤولين التنفيذيين في أجهزة الدولة المختلفة، وفي المحافظات، تمكن من خلالهم من تعطيل الحكومة ووضع العراقيل لإسقاطها تمهيداً لإجهاض الدولة.

وعليه فقد عمد المخلوع لتحقيق مأربه في إجهاض الدولة إلى عدة وسائل أو طرائق، لعل أهمها وسيلتان هما:

  •  إعاقة محاولات التغيير ومنع التعيينات الجديدة:

غلب على حكومة الوفاق الوطني طابع الجمود والعجز عن إجراء الكثير من التغييرات في مؤسسات وهياكل الدولة بشكل عام، بما يلبي مطالب وطموحات الثوار؛ وذلك بسبب رفض وتعنت وزراء حزب المؤتمر الشعبي العام وحلفائه في الحكومة، رغم المطالب المتكررة واحتجاجات وثورات المؤسسات، حتى اضطر رئيس الوزراء ومن معه من الوزراء المؤمنين بالثورة والتغيير إلى النزول إلى العديد من تلك المؤسسات، واللقاء مع المحتجين وشباب الثورة لإقناعهم بالتحلي بالصبر والتريث حتى نهاية الفترة الانتقالية، أو التوصل إلى توافق مع شركائهم من النظام السابق[12].

 كما أن بعض المحافظين ظلوا في مناصبهم حتى 2014 قبل أن يتم تغييرهم إرضاءً للحوثي، ومنهم من ظل في منصبه حتى اليوم؛ كمحافظ المحويت أحمد علي محسن الأحول، الذي تربطه علاقات وثيقة مع الرئيس المخلوع، مع أنه من ضمن المتهمين بمجزرة جمعة الكرامة، حيث إن العمارة التي حصل منها إطلاق النار كانت لمحافظ المحويت[13]، أما محافظا عمران والجوف، وهما محسوبان على حزب الإصلاح، فقد تم تغييرهما بناءً على إملاءات جماعة الحوثي؛ وتم تعيين محمد بن حسن دماج محافظاً لمحافظة عمران، ومحمد بن سالم بن عبود محافظاً لمحافظة الجوف، بتاريخ 15 أيلول/سبتمبر 2012، ثم تم تغيير محافظ عمران بمحافظ جديد من أنصار علي عبد الله صالح هو محمد صالح شملان، بتاريخ 8 حزيران/ يونيو 2014، بناءً على طلب الحوثيين في أحداث عمران، أما محافظ محافظة الجوف، محمد سالم بن عبود، فقد تم تغييره بتاريخ 23/12/2014[14]، لنفس السبب.

وما زال محمد بن حسن دماج معتقلاً لدى الحوثيين منذ أيلول/سبتمبر 2014، مع أن عمره يتجاوز الـ75 عاماً، وصرح نجله أنه اتصل بهم في 18 نيسان/ أبريل الماضي، وأخبرهم أنه معتقل في مستودع للأسلحة في جبل نقم، حسب تقرير لمنظمة العفو الدولية[15]

كما أن حزب المؤتمر، وكتلته النيابية، رفضوا تعطيل صلاحيات المجالس المحلية للمديريات والمحافظات، على الرغم من انتهاء فترتهم القانونية، وربطوا بقاءها ببقاء مجلس النواب الذي تم تمديد فترته بموجب الاتفاقية الخليجية حتى إجراء الانتخابات النيابية على ضوء الدستور الجديد، مما جعله أكثر المجالس النيابية عمراً

  • السعي لإعاقة أعمال الحكومة لإظهار فشلها ثم إسقاطها:

 من خلال خبرة الرئيس المخلوع بالوضع اليمني من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتركيبة المجتمع ووعيه واحتياجاته الأساسية، فقد عمد إلى خلق الأزمات عن طريق عناصره في الحكومة وفي مؤسساتها، خاصةً المجالس المحلية في المحافظات والمديريات؛ كتعمد تأخير صرف المرتبات، وقطع الكهرباء، والتلاعب بحصص كل منطقة من النفط والغاز، حتى أقفلت الكثير من محطات الوقود وتضرر المواطنون بشكل كبير؛ لأن ذلك أدى إلى ارتفاع الأسعار في السلع الأساسية والمواد الغذائية ووسائل المواصلات والموارد الزراعية بسبب ضياع المحاصيل لانعدام مادة الديزل أو ارتفاع أسعارها بشكل فاق قدرة المزارعين، وشملت المضار مناحي الحياة كافة، وتزامن ذلك مع حملات إعلامية شرسة ضد الحكومة وضد الثورة، وبشكل خاص ضد حزب التجمع اليمني للإصلاح، ورفعت بعض تلك الحملات شعارات تنسب هذا الخلل والتدهور إلى (دولة الإصلاح، حكم الإخوان، أخونة الدولة، الإقصاء.. إلخ)، مع رفع وترديد شعارات ممجدة للحكم السابق، منها: (سلام الله على عفاش، يا علي عود عود، ما لها إلا علي.. إلخ).

وإضافةً إلى تردي الأوضاع الاقتصادية، فقد شهدت اليمن العديد من الأزمات الخانقة، وبشكل خاص أزمة الكهرباء وانعدام المشتقات النفطية، التي بلغت أوجها في شهر حزيران/يونيو 2014؛ مع خروج المظاهرات وقطع الشوارع بالعاصمة صنعاء، وما رافقها من أعمال تخريبية، وهو ما اعتبره رئيس الوزراء السابق محمد سالم باسندوة محاولة فاشلة من قبل الرئيس السابق علي عبد الله صالح للانقلاب[16]، التي تكن هي المرة الأولى التي يُتهم فيها الرئيس المخلوع بمحاولة الانقلاب؛ بل الخامسة وفق ما نشرته الصحافة. وقد كانت العاصمة شهدت توترات عديدة بين الرئيس السابق والرئيس الحالي، دفعت بالرئيس هادي إلى التوجيه بإغلاق قناة "اليمن اليوم" الفضائية التابعة لصالح؛ بتهمة التحريض وإثارة الفوضى، وذلك بتاريخ 11حزيران/ يونيو 2014[17] إثر الأحداث السابقة، وهو ما أجج الخلاف والصراع بينهما، وأصدر حزب المؤتمر وحلفاؤه بيان إدانة وتحدٍّ واتهام للرئيس هادي وللحكومة بالتقصير وبجر البلاد للفوضى في نفس اليوم 11حزيران/يونيو[18].

لم تتوقف آلة الدولة العميقة عن بث الفوضى ونشر الشائعات، وعرقلة أي محاولات للنمو، حتى وصلت الأوضاع الاقتصادية، وخاصةً ما يتعلق بالمشتقات النفطية، إلى مرحلة بالغة الحساسية، ومعها تتزايد الضغوط والأعباء على الحكومة، إلى أن قرر رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي رفع الدعم عن المشتقات النفطية ابتداء من 30 تموز/ يوليو 2014، فارتفعت أسعارها إلى الضِّعف، وهو ما يسميه الشارع اليمني (الجرعة)، وعلى الرغم من وعود من الرئيس باعتماد منظومة إصلاحات للتخفيف من المعاناة؛ كرفع الرواتب، فإن ذلك لاقى استياء واسعاً، ورفضاً أوسع، خاصةً أن الحكومة، وعلى لسان رئيس الوزراء نفسه، كانت قد وعدت بعدم إقرار تلك الجرعة، مما وضعها في مأزق كبير، فتقدم رئيس الوزراء باستقالته لرئيس الجمهورية، واشتعلت الشوارع بالمظاهرات التي نظمتها قيادات وأنصار حزب المؤتمر الشعبي العام وأنصار الحوثي، ومعهم جموع من المواطنين الذين خرجوا متأثرين بالإعلام، متخوفين من تبعات تردي أحوال المعيشة نتيجة للغلاء الذي سينتج عن تلك الإجراءات الحكومية التقشفية.

استغل المخلوع تلك الظروف لخلط الأوضاع ومحاولة إسقاط الدولة والرئيس نفسه، وتحالف مع عدو الأمس (الحوثيين) لتحقيق ذلك.

 

ب-  المؤسسات العسكرية والأمنية

عند الحديث عن المؤسسات العسكرية والأمنية في اليمن في عهد صالح، فسنجد أنها التجسيد الحقيقي للدولة العميقة؛ وذلك من خلال نقطتين، هما:

الأولى: توزيع الجيش والأمن على أفراد عائلة المخلوع وأقاربه كما يلي، كأمثلة:

1- أحمد علي عبد الله صالح (ابن): عميد ركن، من مواليد 1972، قائد الحرس الجمهوري والحرس الخاص (2004-2012)، التي يقدر قوامها بـ 33 لواء، ويعتبر الذراع الأساس لصالح، وبه أفضل الألوية قوةً وتجهيزاً.

2- محمد صالح الأحمر (أخ غير شقيق): لواء ركن طيار، قائد القوات الجوية واللواء السادس طيران، حتى 2012.

3- محمد علي محسن الأحمر (من أقارب صالح): لواء، قائد قوات الدفاع الجوي.

4- علي محسن الأحمر: لواء، قائد المنطقة الشمالية الغربية وقائد الفرقة الأولى مدرع، ويقدر حجمها بـ 23 لواءً، وكان الذراع اليمنى للمخلوع، والبعض يسميه رجل إطفاء الحرائق، ومن أهم أدواره إفشال انقلاب 10 آب/أغسطس 1978 ضد صالح، الذي قاده مجموعة من قادة الألوية والضباط، وحروب المناطق الوسطى 1979، وحرب الانفصال 1994، وحروب صالح الستة ضد الحوثيين (2004-2009)، التي تبين فيما بعد أن صالح كان يهدف منها إلى إضعاف وتدمير هذا الفصيل من الجيش.

وفي 21 آذار/مارس أعلن اللواء علي محسن الأحمر تأييده للثورة الشبابية، وتكفل بحمايتهم في الساحات بعد مجزرة جمعة الكرامة في 18 آذار/مارس 2011، التي نتج عنها حوالي 45 شهيداً ومئات الجرحى.

5- الألوية (الأول والثاني والثالث والثامن، اللواء 130، واللواء 56، ومعسكر خالد بن الوليد)، كلها يقودها أقارب صالح وأخواله.

6- قوات الأمن المركزي، وهي قوة ضاربة، تتشكل من أكثر من عشرة ألوية مستقلة عن وزارة الداخلية، كان يقودها محمد  عبد الله صالح (شقيق)، ثم ورثة ابنه يحيى محمد  عبد الله حتى 2012.

7- طارق محمد  عبد الله صالح: قائد الحرس الرئاسي الخاص.

8- عمار محمد  عبد الله صالح: وكيل جهاز الأمن القومي الاستخباراتي، وكان هو من يقود الجهاز على الرغم من وجود رئيس للجهاز.

في ظل هذه التركيبة، يتضح جلياً أن الجيش والأمن قد تحولا من مؤسستين وطنيتين هدفهما الأساسي حماية جمهورية اليمن ومكتسباتها، إلى مؤسسة عائلية للدفاع عن سلطان ومركز العائلة، لذلك ليس غريباً أن نرى هذا القطاعات تقف متفرجة صامتة متكلسة والدولة تسقط وتتهاوى مراكزها ومؤسساتها ورموزها، وكأن الأمر لا يعنيهم.

 

النقطة الثانية: تقسيم الجيش بحسب الولاء، وانعكاسات ذلك على الوضع:

بعد ظهور جيل الشباب من أبناء وأقارب الرئيس المخلوع صالح، بدأ يعد لمرحلة جديدة في بناء الجيش، وبشكل خاص منذ 2004، وهو تاريخ تولي ابنه أحمد قيادة الحرس الجمهوري، بتركيز معظم الجهود والدعم لذلك الفصيل، ومحاولة إضعاف وتفتيت قوات الفرقة الأولى مدرع، واستغلال الصراع مع ميليشيا الحوثي لتحقيق ذلك المخطط، حيث أدخل ذلك الفصيل من الجيش في أتون ستة حروب في صعدة مع ميليشيا الحوثيين، فبعد الحرب الأولى 2004 كان الجيش التابع للفرقة الأولى مدرع قد بسط سيطرته على آخر معقل للزعيم الروحي والمؤسس الأول لحركة الحوثيين (حسين بدر الدين الحوثي)، الذي قتل في كهف سلمان بجبال مران في صعدة بتاريخ 10 أيلول/ سبتمبر 2004، لكن سرعان ما عادت الحرب في أيار/ مايو 2005، ثم الثالثة والرابعة فالخامسة ثم الحرب السادسة، وكانت تلك الحروب تتوقف بقرار من صالح أو اتصال هاتفي، كما كشف ذلك مقربون من صالح والحوثيين؛ كالسياسي حسن زيد، أمين عام حزب الحق، ذي النزعة الزيدية، فعلى سبيل المثال أوقف صالح الحرب الثالثة في شهر كانون الثاني/ يناير 2006، وكانت قد بدأت في تشرين الثاني/نوفمبر 2005، بسبب اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية التي جرت في أيلول/ سبتمبر 2006.

وكانت الميليشيا الحوثية تزداد قوة وتسليحاً بعد كل حرب، حتى وصلت تلك الميليشيا في الحرب السادسة 2009 إلى مشارف محافظة عمران المتصلة بالعاصمة، وأحكمت سيطرتها على محافظة صعدة، ودخل الحوثيون إلى عدة قرى حدودية في السعودية، فدخلت السعودية في تلك الحرب ضد الحوثيين، وانتهت باتفاق سري بين الحوثيين والسعودية بوساطة من شيوخ قبائل لهم علاقات وصلات مع المملكة، تلاها وقف الحرب مع الجيش اليمني، وقد كشفت وثائق مسربة من ويكليكس أن صالح قد أعطى معلومات لسلاح الطيران السعودي تتضمن إحداثيات لموقع عسكري كان فيه اللواء علي محسن الأحمر بزعم أنها لمواقع تابعة لميليشيا الحوثيين[20]، وقد كان اللواء علي محسن مدركاً لتلك النوايا، لذلك فقد أعلن تأييده لثورة الشباب، وتكفل بحماية المعتصمين والمتظاهرين في ساحات الاعتصام، في حين كانت قوات الحرس الجمهوري في مواجهات محتدمة مع سكان وقبائل أرحب وبني الحارث الذين أيدوا الثورة.

لم ينس المخلوع ذلك الموقف لقائد المنطقة العسكرية الشمالية الغربية؛ اللواء علي محسن الأحمر، فأضمر الانتقام والفتك به وبالقيادات الموالية له، وكانت بداية الخطة ترتكز على محورين منطلَقاً لما بعدهما، وهما:

تشتيت الألوية والقادة المقربين من اللواء علي محسن، وإرسالهم إلى الجبهات لمواجهة القاعدة في محافظات الجنوب (أبين وشبوة).

وفي الشمال تسليم محافظة عمران لخصوم علي محسن (ميليشيا الحوثي)، التي يوجد فيها اللواء 310 بقيادة العميد ركن الشهيد حميد حميد القشيبي، وهو أحد الألوية الضاربة التي كانت تتبع الفرقة الأولى مدرع وعلي محسن، وفي توثيق تسجيلي يؤكد الكاتب محمد عبد الملك، في تحقيق نشرته يمن برس بتاريخ 6 آذار/ مارس 2015، أنه في آخر لقاء له مع القشيبي قال له الأخير إنه كان يتواصل مع وزير الدفاع ويرفع له تقريراً يومياً عن مجريات الأحداث، ويحذر من أن الجماعة تريد دخول عمران ثم صنعاء، ولكنهم كانوا يتجاهلونه ولا يتعاملون معه بجدية، بل أعلنوا الحياد ونقل مصدر أمني مقرب من القشيبي، للعربي الجديد، أنه في الأسبوع الذي اقتحمت فيه الميليشيا اللواء 310 كان قد تم شراء 50 ضابطاً من اللواء بمبلغ 800 مليون ريال[21].

كان إسقاط عمران يعني سقوط العاصمة؛ لما لها من أهمية؛ بكونها الحصن الذي يحمي العاصمة من الشمال والغرب، وكذلك لأن في المحافظة أبناء الشيخ  عبد الله بن حسين الأحمر، رحمة الله عليه، شيخ قبائل حاشد، وهي القبيلة التي لها تاريخ عريق في الدفاع عن الدولة وثورة سبتمبر 1962، وكانت المحافظة في أغلبها مع أبناء الشيخ الأحمر ممن ناصروا ودعموا الثورة الشبابية، وخاصة القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح رجل الأعمال حميد بن  عبد الله الأحمر، إضافة إلى الزخم الشعبي لحزب الإصلاح هناك، وسقوطُها يفتح الباب على مصراعيه لدخول العاصمة وإسقاط الدولة، فهي تبعد عن العاصمة حوالي 50 كم فقط.

ويذكر العميد المتقاعد محسن خصروف، أن عمران سقطت بخيانات، وصنعاء سُلمت، فقد ظلت الحرب على أبواب مدينة عمران من آذار/مارس 2014، واستمرت حتى سقوط اللواء واستشهاد القائد القشيبي في 8 تموز/ يوليو[22]

وكان مما أصاب معظم اليمنيين بالصدمة قيام الرئيس هادي في اليوم التالي بزيارة المحافظة والتصريح بأن المحافظة قد عادت لحضن الدولة فأيَّ دولة كان يقصد ومَن أمَّن موكبه في المحافظة هم عناصر تابعة للميليشيا؟ وكان جثمان القائد الشهيد حميد القشيبي ما زال مخفياً لدى الحوثيين، حتى يتم عرضه على زعماء الميليشيا للتشفي

لم يعد خافياً على معظم اليمنيين أن أذرع صالح في الدولة وفي الجيش، ومن المشايخ، هم من أسقط عمران، لأنه من غير المعقول في ظل وجود دولة وجيش ورئيس جمهورية ووزارة دفاع وحكومة، أن تقوم عصابات باقتحام المعسكر وقتل قائده غيلةً ونهب محتوياته والسيطرة على المحافظة

 

قوات الحرس الجمهوري الذراع الأقوى للدولة العميقة:

بعد سقوط محافظة عمران واللواء 310 أصبح الطريق ميسراً وممهداً أمام الميليشيا وعلي عبد الله صالح لدخول العاصمة واستكمال المخطط الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من التمام؛ والذي يتمثل في إسقاط النظام والانتقام ممن يعتبرهم صالح أعداءه، هيأ له ذلك عدة عوامل؛ على رأسها:

 1- ضعف وزوال القوة الحامية للثورة، كما ذُكر سابقاً، التي كانت تتبع الفرقة الأولى مدرع بقيادة علي محسن الأحمر الذي تم عزله من قيادة المنطقة والفرقة وتعيينه مستشاراً لرئيس الجمهورية لشؤون الدفاع والأمن؛ لإبعاده عن مراكز قوته.

2- الحملات الإعلامية الداخلية الواسعة، المتناسقة مع الحملات الخارجية ضد ثورات التغيير العربية بشكل عام، وضد تيار الإخوان المسلمين بشكل خاص، والتي نشطت وتوسعت بشكل أكبر بعد أن آتت ثمارها في مصر بعد الانقلاب العسكري هناك في 3 تموز/يوليو 2013، يقابلها ضعْف وخفوت الإعلام الثوري.

3- استغلال نتائج الخلخلة التي أحدثتها أدوات الدولة العميقة في أجهزة الدولة، والقرارات غير المدروسة لهادي المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية بشكل خاص، لنقل الصراع إلى قلب العاصمة، حيث قام زعيم جماعة الحوثيين بالدعوة إلى الخروج الجماهيري لرفض الجرعة وإسقاط الحكومة، وتم الحشد الجماهيري لأنصار المؤتمر الشعبي العام تحت غطاء رفض الجرعة، ورايات من يسمونهم (أنصار الله)، أي الحوثيين، ونصبوا مخيماتهم على كل مداخل العاصمة، مشكلين طوقاً خانقاً على صنعاء وفي قلب ووسط العاصمة، وفي الطريق الرئيسي المؤدي لمطار صنعاء الدولي، ونفذوا اعتصامهم في أوائل شهر آب/أغسطس، واستمر حتى 28 تشرين الأول/ أكتوبر، وكان المتظاهرون والمعتصمون بكامل عتادهم وأسلحتهم الشخصية، الخفيفة والمتوسطة، التي بها اقتحموا العاصمة صنعاء، كما سيتضح لاحقاً.

خلال تلك الفترة كانت هناك مفاوضات ومساع حثيثة لاحتواء الأزمة، قبل أن تقرر ميليشيا الحوثيين اجتياح العاصمة في 21 أيلول/ سبتمبر 2014 بعدما أسقطوا محافظتي صعدة 2011 وعمران المدخل الرئيس للعاصمة في حزيران/يونيو 2014، تحت ذريعة إسقاط الجرعة، ورفع المعاناة عن اليمني[23]

وعلى الرغم من تراجع الرئيس، والتوصل إلى حل وسط، وتشكيل حكومة جديدة سموها حكومة كفاءات بالتوافق بين الأطراف، ومنهم الحوثيون، وبحضور وإشراف المبعوث الأممي جمال بنعمر، فإن التحالف الجديد بقيادة علي صالح لم يكتف بذلك؛ إذ لم يحقق ما أراده من انتقام، ليتم عقبها اقتحام العاصمة بترتيب وتنسيق محكم بين وحدات قوات الحرس الجمهوري والحرس الخاص وميليشيا الحوثي.

ففي الوقت الذي كانت فيه مجاميع الحوثي وعلي صالح تحاصر العاصمة من كل المداخل، كانت قوات الحرس الجمهوري هي المتمركزة على أهم المواقع المحيطة بالعاصمة وعلى مداخلها، ففي المدخل الشمالي كان يتمركز ما يسمى (معسكر صباحة)، وهو من أكبر معسكرات الحرس الجمهوري، وفي المدخل الغربي كانت هناك معسكرات للحرس الجمهوري، أكبرها معسكر (الاستقبال)، وعلى المدخل الجنوبي للعاصمة كان (معسكر 48) حرس جمهوري، الذي يعتبر مقراً رئيسياً لقوات الاحتياط (الحرس الجمهوري سابقاً).

وإذ كانت مخيمات المحتجين والمعتصمين ونقاطهم بجانب معسكرات الحرس الجمهوري، فقد مروا واقتحموا العاصمة في دقائق معدودة، وما كان لأي قوة عسكرية، مهما كانت قوتها وشدتها، أن تمر إلى العاصمة في مثل هذا الظرف لو لم تكن هناك مؤامرة وترتيب مسبق.

 

أسباب تشتت الجيش:

يذهب الخبير العسكري والاستراتيجي اليمني، الدكتور عبد الله الحاضري، في لقاء مع قناة الجزيرة، إلى أن هذا التشتت والوهن الذي لحق بوحدات الجيش اليمني ليس وليد اللحظة، لكنه ناتج عن تراكمات عقود من حكم علي صالح، فالجيش اليمني متعدد الولاءات، ولا يملك أهدافاً استراتيجية يبني عليها، ويفتقر إلى المشروع الوطني الذي تُنشئ لأجله الدولُ الجيوش، واستشهد بمقولة لعلي عبد الله صالح: (الجيش عندنا بدون مهام، لكنه للاستعراضات العسكرية)[24]. كذلك يشير العقيد الركن عبد القادر الدعيس إلى أن من ضمن العوامل المؤثرة على الجيش: عدم وجود ثقافة للجيش، أو برامج توعوية، وغياب التوعية بمهامهم وواجباتهم الوطنية[25]، كما أن الجيش اليمني يعاني من اختلالات كثيرة لعل أخطرها تعدد الولاءات، واستغلال الجيش كورقة سياسية، وإحالة من لا يرضى عنهم علي صالح للتقاعد بشكل تعسفي، كما حصل بعد حرب 1994، ومنها كذلك سيطرة المقربين من الرئيس السابق على القيادة والإدارة التي تسير أمور الجيش، وهو ما جعل الولاء لدى الكثير من أفراد الجيش لأولئك الأشخاص أكثر من الولاء للوطن والواجب[26].

ﻭمع ﺃﻥ ﺍﻟﻐﻤﻮﺽ ﻻ ﻳﺰﺍﻝ ﻳﻜﺘﻨﻒ الكثير ﻣﻦ ﺗﻔﺎﺻﻴﻞ ﺍﺳﺘﺴﻼﻡ ﺍﻟﻌﺎﺻﻤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻥ ﺑﻬﺎ ما يقارب الـ100 ألف من ﺍﻟﺤﺮﺱ ﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭﻱ، ﺃﻣﺎﻡ ميليشيا يقارب عددهم ﺧﻤﺴﺔ ﺁﻻﻑ ﻣﻘﺎﺗﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻮﺛﻴﻴﻦ ﻳﻮﻡ 21 أيلول/ ﺳﺒﺘﻤﺒﺮ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻄﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﻘﻄﺖ ﺑﻬﺎ ﺻﻨﻌﺎﺀ تشير كذلك إلى فشل ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﻋﺒﺪ ﺭﺑﻪ ﻣﻨﺼﻮﺭ ﻫﺎﺩﻱ في السيطرة ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ بسبب مناﻭﺭﺍﺕ علي عبد ﺍﻟﻠﻪ ﺻﺎﻟﺢ ﻣﻦ ﻭﺭﺍﺀ ﺍﻟﻜﻮﺍﻟﻴﺲ، ﻭﺍﻟﻔﺴﺎﺩ، ﻭبسبب ﺍﻻﻧﻘﺴﺎﻣﺎﺕ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ، ﻭﺍﻟﻮﻻﺀﺍﺕ ﻷﻃﺮﺍﻑ ﻣﺘﻨﺎﻓﺴﺔ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺠﻴﺶ، حتى من ﻗﺒﻞ ﺍﻹﻃﺎﺣﺔ ﺑﺼﺎﻟﺢ، وتعمقت تلك الانقسامات ﻋﺎﻡ 2011، ﻭﺗﺮﺟﻊ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺸﺎﻛﻞ، إضافةً لما سبق من الأسباب، إلى أسباب أخرى على رأسها الولاءات ﺍﻟﻘﺒﻠﻴﺔ ﻭﺍﻟﻄﺎﺋﻔﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﻠﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻴﻤﻦ، إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺸﺎﺣﻨﺎﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻼﻋﺒﻴﻦ ﺫﻭﻱ ﺍﻟﻨﻔﻮﺫ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﺎﺣﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ، ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻠﻐﺖ ﺫﺭﻭﺗﻬﺎ ﺧﻼﻝ ﻣﻮﺟﺔ ثورة 11 فبراير، ورياح ﺍﻧﺘﻔﺎﺿﺎﺕ ﺍﻟﺮﺑﻴﻊ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ[27]، فضلاً عن سبب نعتبره من وجهة نظرنا هاماً، بل إنه من أهم العوامل التي منحت الرئيس السابق الأفضلية في الصراع، وهذا ما سيقودنا للتطرق لـ:

 

الرئيس عبد ربه منصور هادي

فيما يتعلق بشخص الرئيس عبد ربه منصور هادي، فأخطر نقاط ضعفه هي البطء الشديد في اتخاذ القرارات، خاصةً ما يتعلق منها بالجيش والأمن، إضافة إلى شح المعلومات التي يمتلكها أو ترد إليه حول إدارة الوحدات وإمكانياتها والمتحكمين فيها، لذلك فالقرارات التي لا تستند إلى معلومات وافية أو دقيقة تكون عديمة الجدوى، وبنفس الطريقة يتم التعامل مع التفاعل أو ردة الفعل، التي نسميها التغذية الراجعة للقرارات، وهو ما يعني عدم دعمها لو كانت مجدية، وتصحيحها لو كان بها اختلالات، ومع تكرار ذلك تصبح مثل تلك القرارات فارغة ولا تُطاع، كما حصل عندما طلب أهالي دماج في صعدة من الدولة والرئيس هادي إغاثتهم وفك حصار الحوثيين عنهم، حيث اكتفى هادي بتشكيل لجان للوساطة بين الدولة والميليشيا، انتهت تلك الوساطة بنتيجة قصمت ظهر كل يمني؛ حيث تمخضت بالتهجير القسري لسكان دماج في كانون الثاني/يناير 2014[28] في سابقة لم تحدث في دولة غير اليمن، تحت حكم الرئيس هادي؛ وقد تبعها حالات مشابهة لأسر وأفراد يمنيين في خمر وحوث وعمران وصنعاء وأرحب، وكل محافظة وطئتها أقدام الميليشيا، حتى وصل الأمر إلى تهجير الرئيس نفسه

ومع أن الرئيس عبد ربه منصور هادي تمتع بدعم وقبول وتوافق داخلي وخارجي وأممي، إذ فاز- داخلياً- بثقة الناخبين كمرشح رئاسي توافقي، وحصل على أكثر من 6.5 مليون صوت من أصوات الناخبين اليمنيين في 21 شباط/ فبراير 2012، وكان- على المستوى الإقليمي والأممي- المرشح المنصوص عليه في اتفاقية الخليج، وهي الاتفاقية التي أجمع عليها مجلس الأمن، وكذلك رحبت به جامعة الدول العربية، مع ذلك كله فإنه لم يستطع أن يستوعب ظروف المرحلة وحساسية مركزه كرئيس انتقالي، فكانت قراراته متأخرة وناقصة وتفتقر للحزم، مما جعل الكثير يشك في نواياه وسياساته.

وكان أول اختبار حقيقي واجهه الرئيس هو تحقيق الأمن وتوحيد الجيش وإعادة هيكلته، وتحسين أوضاعه مادياً ومعنوياً بما يحقق الانسجام بين وحداته، ويرفع من قدراته وأدائه، وإسناد القيادات لشخصيات وطنية بعيداً عن الحزبية والمناطقية والقرابة العائلية، وتوحيد جهة المسؤولية في القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزارة الدفاع، وتطهير الجيش من الفاسدين والإداريين الذين يكرسون الولاء لغير اليمن[29]، لكن هادي كالعادة كان بطيئاً في إصدار قراراته، فقد صدر القرار الجمهوري بإعادة هيكلة الجيش، واكتفى القرار الصادر في آب/أغسطس 2012 بتوزيع الجيش على أربعة مكونات رئيسية فقط؛ هي القوات البرية والبحرية والجوية وحرس الحدود، وإلغاء ما كان يسمى بقوات الفرقة الأولى مدرع، والحرس الجمهوري، وغيرها من التسميات، ودمجها تحت قيادة وزارة الدفاع، وأقال يحيى محمد عبد الله صالح من قيادة قوات الأمن الخاص، ولم يتطرق لغيره من القيادات؛ كأحمد علي عبد الله صالح وعلي محسن الأحمر[30]، إلا بعد مضي حوالي 6 شهور، عندما تم تعيين علي محسن الأحمر مستشاراً للرئيس لشؤون الدفاع والأمن، وأحمد علي عبد الله صالح سفيراً لدى الإمارات العربية المتحدة، كما تم تعيين العميد ركن سند محمد عبد الله الرهوة رئيساً للأركان.

وكالمعهود منه لم يتغير في المعادلة بالنسبة لقوات الحرس الجمهوري إلا التسمية؛ فتم تغيير اسم قوات الحرس إلى قوات الاحتياط، وتولى قيادتها اللواء الركن علي بن علي الجائفي، الذي كان يتولى قيادة لواء العمالقة ثم كان قائداً للمنطقة العسكرية الشرقية، ووفق ما نقلته مصادر صحفية فإن اللواء الجائفي لا يستطيع السيطرة على قوات الاحتياط؛ بسبب استمرار ولائهم للقائد السابق أحمد علي عبد الله صالح، فما زال رجال نجل صالح في مناصبهم، وما زالوا يتلقون الأوامر والتوجيهات من أحمد علي صالح؛ فثلاً صادق دويد، وهو من أقارب صالح، كان- وما يزال- مديراً لمكتب قائد الحرس والقوات الخاصة، والعميد عبد الله معياد، وهو من المقربين لصالح، كان- وما يزال- مديراً مالياً لقوات الحرس، وابنه العزي معياد هو من يدير مهام الدائرة المالية، ومن ثم فالمسيطرون على اللواء هم رجالات أحمد علي صالح[31]. وعندما تم اجتياح العاصمة نَقلَت مواقعُ تتبع الحوثيين عن اللواء الجائفي قوله إن قوات الاحتياط ستظل في منأى عن المناطقية والحزبية، وستظل على الحياد وفي خدمة الوطن والجمهورية، كما نشر ذلك موقع الخبر في 30 آذار/ مارس 2015[32] ولكن المؤكد بالنسبة لأي متابع للوقائع أن قوات الاحتياط (الحرس الجمهوري سابقاً) ما زالت تحت قيادة علي صالح بشكل خاص، وتشارك مع ميليشيا الحوثيين منذ ما قبل أيلول/سبتمبر 2014، تسهيلاً ومشاركةً ميدانية وتخطيطاً وتنسيقاً، وقد نقلت كثير من المصادر أن الحرس الجمهوري شاركوا بالزي المدني في اجتياح العاصمة صنعاء[33].

 

وزير الدفاع السابق محمد ناصر أحمد كأخطر أذرع الدولة العميقة:

أصبح من المؤكد تواطؤ وزير الدفاع السابق، اللواء محمد ناصر أحمد الحسني، ودوره الذي قام به بإتقان، فقد ظل وزيراً للدفاع منذ 5 نيسان/ أبريل 2007- 2011، وأعيد تعيينه في كانون الأول/ ديسمبر 2011 بعد ثورة 11 فبراير حتى سلم عمران والعاصمة صنعاء للميليشيا، ثم رحل في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 بصمت دون محاسبة أو حتى لفت نظر من الرئيس هادي، بل تم تعيينه سفيراً، وشاهد اليمنيون عبر شاشات التلفاز وزير الدفاع عندما كان يلتقي بالقيادي المسمى أبو علي الحاكم، الذي قاد معارك إسقاط عمران وأحد المشمولين بقرار مجلس الأمن كمعرقل للعملية السياسية.

ومما يدل على تواطؤ وزير الدفاع السابق مع صالح أنه كان وراء صدور القرار الجمهوري بتغيير اللواء الركن محمد المقدشي قائد المنطقة العسكرية السادسة، التي تشمل صنعاء وعمران وصعدة وما حولها، الذي كان الحليف والذراع اليمنى للعميد القشيبي، وتعيين محمد يحيى الحاوري مع ترقيته إلى رتبة لواء كبديل للمقدشي بتاريخ 30 حزيران/يونيو 2014؛ وذلك تلبيةً لمطلب الحوثيين، لكون الأخير أحد أذرع عفاش، والمشارك في عملية اغتيال الرئيس اليمني المقدم إبراهيم الحمدي في تشرين الأول/ أكتوبر 1977، وقد قام بدوره في تسليم عمران وتسهيل الدخول إلى العاصمة صنعاء على أكمل وجه، عسكرياً وقبلياً، ذلك أنه بالإضافة إلى مركزه العسكري، فهو من أعيان ووجهاء قبائل همدان المحيطة بالعاصمة من جهتي الشمال والغرب وقد أقنع قبائله بضرورة التسهيل والتعاون مع الحوثيين، وفتح الطرقات أمام تحركاتهم، مع ضمان عدم العدوان عليهم.

 كما أنه قام بإصدار قرارات تعيين جديدة لتسهيل تمدد الميليشيا الحوثية؛ منها تعيين العقيد منصور محسن معجير قائداً للواء 35 مدرع، الذي يقع في مدخل تعز ويمتد حتى ميناء المخا الاستراتيجي على البحر الأحمر، بديلاً للعميد ركن يوسف محمد علي الشراجي، أحد أبناء تعز ومن الموالين لثورة 11 فبراير، واعتبر الكثير أن ذلك تجاوز لصلاحيات رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يجوز لوزير الدفاع إصدار القرارات دون موافقة الرئيس، حسب المادة 119 من القانون اليمني[34].

وقد بثت قناة الجزيرة الفضائية، بتاريخ 21 أيار/ مايو 2015، فيلماً وثائقياً تحت اسم (الصندوق الأسود.. الطريق إلى صنعاء)، أظهر حجم المؤامرة التي تعرض لها اللواء 310 في عمران، والخيانات العسكرية وبعض كواليسها وأدواتها، وكيف أن الدولة والرئيس ووزارة الدفاع وقيادات عسكرية كبيرة قد تركوا العميد القشيبي يصارع الميليشيا وحيداً، وأكد الفيلم الموثق كذلك حقيقة ما كان يتم تداوله عن وجود تواصل ولقاءات بين قيادات تلك الميليشيا وشخصيات عسكرية ومدنية[35]، وتوافِقُ ما تم طرحه هنا في هذه الورقة.

 

الدولة العميقة والتحالف مع الميليشيا الحوثية

 تشير لقاءات ومعلومات صحفية إلى أن عناصر مدنية وقبلية تنتمي لحزب المؤتمر الشعبي العام الذي يترأسه صالح، انضموا لجماعة الحوثي، منهم على سبيل المثال لا الحصر (علي حميد جليدان عضو اللجنة الدائمة، وكذلك مبخوت الشيخ صهر صالح، ومجاهد الحيدري عضو لجنة دائمة، وأولاد مجاهد أبو شوارب، يوسف الغولي شيخ قبيلة الغولة)، ذكر ذلك العميد محسن خصروف. ويؤكد الصحفي ضيف الله القهالي، من أبناء محافظة عمران، أن هؤلاء المشايخ كانوا يلتقون بعبد الحكيم الحوثي وأبي علي الحاكم- وهما قياديان من أبرز القادة الميدانيين للحوثي- في منازلهم وفي مخيمات الحوثيين، هذه الدلائل تعد كافية لتأكيد دور أذرع صالح؛ من مسؤولين وشيوخ قبائل ومتنفذين مدنيين، في تقويض أركان الدولة وتعميق الهوة والشرخ في النسيج المجتمعي. ولم يكن خافياً على المتابعين هذا التحالف، فقد كانت الصحف اليمنية تكتب عن لقاءات كانت تجمع القائد الميداني للحوثيين يوسف المداني وأحمد علي صالح قائد الحرس الجمهوري قبل إقالته، فضلاً عما كشفه العميد الأصبحي من أكاديمية الشرطة اليمنية، في لقاء مع العربي الجديد في 2011، من تجنيد الآلاف من الأفراد التابعين للحوثي وضمهم للحرس الجمهوري. والوقائع التي على الأرض حالياً لا تحتاج لأي شرح، فقوات الحرس الجمهوري جنباً إلى جنب مع ميليشيا الحوثي يقاتلون ويقتلون ويدمرون في كل المحافظات التي دخلتها الميليشيا وشهدت مقاومة من أبناء تلك المناطق، بمختلف أنواع الأسلحة من دبابات ومدفعية وصواريخ، وتوجيه وتخطيط وتنسيق تام، هذا التنسيق والتآمر ليس وليد اللحظة، ولا نتيجةً لتدخل التحالف العربي بقيادة السعودية، كما يبرر صالح وإعلامه، بل هو ترتيب مسبق منذ كان صالح بالسلطة، كما سبق أن ذكرنا، إلا أن هذا الترتيب قد تعمق بشكل أكثر، ويرى البعض أنه بترتيب ورعاية إيرانية، جمعتهم المصالح والرغبة في الانتقام.

 

 

ثالثاً: مسارات ونتائج الصراع الداخلي في اليمن

سقوط العاصمة صنعاء ماذا كان يخفي؟

في 21 أيلول/ سبتمبر 2014 قامت ميليشيا الحوثي باقتحام العاصمة صنعاء من عدة محاور، وتمكنت من السيطرة على كل مؤسسات الدولة السيادية والمقرات الحكومية والأمنية والتعليمية والإعلامية في غضون ساعات معدودة مع وجود أكثر من 15 لواءً عسكرياً من ألوية الحرس الجمهوري تحرس العاصمة وتسيطر على كل المواقع والمنافذ والجبال التي تحيط بالعاصمة وداخل العاصمة، أعلنت كلها- في سابقةٍ لم تشهدها تواريخ الجيوش- الحياد، بل والأسوأ من ذلك أنهاقامت بضرب قوات من الجيش الذي كان يتبع الفرقة الأولى مدرع من الخلف عندما ظلت تقاوم لفترة وجيزة وتدافع عن العاصمة، قبل أن تتأكد لهم الخيانة، فأمر اللواء علي محسن بالمغادرة حفاظاً على الأرواح ومنعاً لكارثة كانت ستحرق العاصمة، وغادر العاصمة ليستقر في المملكة السعودية، وكان، وما يزال، يشغل منصب مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الدفاع والأمن

فما لغز هذا السقوط؟ ومن شارك فيه؟ وهل كان حزب الإخوان المسلمين، المتمثل في حزب الإصلاح، هو الهدف، وما المصلحة التي جمعت المتحالفين والمتواطئين؟

"صنعاء لم تسقط لكنها سُلمت".. بهذه الجملة يفند المحلل السياسي والعسكري العميد المتقاعد محسن خصروف ما حصل، مستغرباً أن يدخل 10 مسلحين مقر القيادة العليا للقوات المسلحة من الحرس الخاص ويخرجوا بخمسين دبابة و40 ناقلة صواريخ و45 عربة بي إم بي. وبحسب تقرير أبعاد للدراسات والبحوث، فإن ما يقارب 70% من سلاح ومعدات الجيش صار ملكاً للحوثيين بعدما نهبوا كل المعسكرات من غير الحرس الجمهوري. إذن لم يكن الأمر مجرد ثورة ضد الفساد كما سموها بل كانت عملية انتقام شاملة ضد كل قيادات ثورة 11 فبراير، والشخصيات التي يحمّلها علي صالح مسؤولية عزله، وبالأخص حزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي يعتبره صالح العدو الرئيسي له، والعقبة الكأداء التي وقفت أمامه ككتلة صلبة تحطمت عليها أحلام التوريث التي كان يعد لها العدة. كذلك فإن للحوثيين عداء مع حزب الإصلاح، فبالإضافة إلى الموروث التاريخي من العداء للسنة الذي تغلغل في عقول أتباع المذهب الزيدي الجارودي؛ نتيجة للتأثر بالشيعة الاثنا عشرية في إيران، وخاصة عقب زيارات بدر الدين الحوثي وابنه حسين- الأب الروحي للحوثيين- إلى إيران[36]، إذ يعتبرون حزب الإصلاح هو الحزب الذي يحمل المشروع الإسلامي الذي دحض نظرياتهم المتعلقة بالحق الإلهي في الحكم، والفوارق الطبقية وتقسيم المجتمع التي كانوا يتسودون بها ويسترزقون بها من العامة الذين لا يفقهون حقيقة تلك الادعاءات.

استطاع الإصلاح أن يضم بين صفوفه كل فئات المجتمع وطبقاته، وتغلغل بين القبائل والبدو والحضر حتى وصل إلى مراكزهم وحصونهم عبر المعاهد العلمية التي تدرس العلوم الشرعية إلى جانب العلوم الأخرى، التي تم إلغاؤها في شهر أيار/مايو 2001 في عهد حكومة عبد القادر باجمال في حكومة المؤتمر الشعبي العام، التي كانت تتمتع بالأغلبية في مجلس النواب، مما سهل مهمتهم بعد انسحاب كتلة حزب الإصلاح من الاجتماع الذي أقر قانون الإلغاء، وبعد زيارة علي صالح للولايات المتحدة[37]، جاء القرار إرضاءً للحزب الاشتراكي، وحزب الحق ذي المرجعية الزيدية، وغيرهم، لكن حزب الإصلاح استمر في نشاطه من خلال دور تحفيظ القرآن الكريم والجمعيات الخيرية، التي غطت معظم مناطق اليمن، لذلك رأينا أن تلك المليشيا كانت تفجر تلك المراكز كأول عمل لها عند دخول أية مدينة أو قرية

كما تم اقتحام منازل رموز الثورة والشخصيات الاجتماعية التي أراد صالح أن يتشفى منهم، مثل منازل شخصيات محسوبة على الإصلاح، كالشيخ عبد المجيد الزنداني، علي محسن الأحمر، حميد عبد الله الأحمر، توكل كرمان، محمد محمد قحطان، علي عشال، علي العمراني، عبد السلام الأشول، وكل مقرات حزب الإصلاح والجمعيات الخيرية ومقار المنظمات الحقوقية، ما عدا ما كان منها مؤيداً لهم وللنظام السابق، ومستشفى وجامعة العلوم والتكنولوجيا، وجامعة الإيمان...إلخ، إضافة إلى اقتحام كل مؤسسات الدولة، وأولها المؤسسات السيادية؛ كمجلس الوزراء، ووزارة الدفاع، ومقر القيادة العليا للجيش، ومكتب وزير الدفاع، ومجلس النواب، والبنك المركزي اليمني، والإذاعة والتلفزيون.. وغيرها من المقار والمواقع الحكومية والرسمية.. ولم يقتربوا من الرئيس السابق علي صالح، الذين يزعمون أن ما يقومون به هو استكمال لثورة 11 فبراير التي قامت ضده وشاركوا فيها بل يطوقونه بغرض حمايته[38] وكذلك لم يقتربوا من أي شخصية موالية لصالح، سواء كانوا من أقاربه أو من الموالين له، مع أن كل القوى مجمعة على فسادهم، وأن ثورة 11 فبراير إنما خرجت ضد فسادهم وعبثهم

من هنا، فلا يمكن أن يتجاهل أي منصف دور علي صالح، وأنه هو من حركهم ويحركهم للانتقام من خصومه. وبحسب وكالة رويترز، فقد ﻗﺎﻝ ﺃﺣﺪ ﻣﺴﺘﺸﺎﺭﻱ ﻫﺎﺩﻱ ﻟﺮﻭﻳﺘﺮﺯ: "ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﻢ ﺇﺭﺳﺎﻝ ﺍﻟﻘﻮﺍﺕ ﻟﻤﺤﺎﺭﺑﺔ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺗﻘﺎﺗﻞ ﺑﺒﺴﺎﻟﺔ، ﻟﻜﻦ ﻭﺑﺴﺒﺐ ﺍﻻﻧﺘﻤﺎﺀ ﺍﻟﻘﺒﻠﻲ ﻭﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻘﻲ ﻟﻐﺎﻟﺒﻴﺔ ﺍﻟﻮﺣﺪﺍﺕ، ﺗﺮﻓﺾ ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﺼﺪر ﻟﻬﺎ أﻭﺍﻣﺮ بقتال ﺍﻟﺤﻮﺛﻴﻴﻦ". ﻭأضاﻑ ﺃﻥ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﺭﻓﺾ مراراً ﻗﺘﺎﻝ ﺍﻟﺤﻮﺛﻴﻴﻦ؛ ﻛﺎﻥ ﺃﻭﻟﻬﺎ ﻓﻲ تموز/ ﻳﻮﻟﻴﻮ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﺑﺈﺭﺳﺎﻝ ﺗﻌﺰﻳﺰﺍﺕ ﻟﻠﻘﻮﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻘﺎﺗﻞ ﻣﺴﻠﺤﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻓﻲ ﻣﺤﺎﻓﻈﺔ ﻋﻤﺮﺍﻥ، وأرجع ﺍﻟﻤﺴﺘﺸﺎﺭ ﺗﺮﺩﺩﻫﻢ ﺇﻟﻰ ﻭﻻﺀﺍﺕ ﻣﺤﻠﻴﺔ ﻭﻗﺒﻠﻴﺔ، ﻟﻜﻦ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﺭﺑﻤﺎ كان لها ﺩﻭﺭ كبير.

علي عبد الله صالح ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﺑﻤﻨﺎﻭﺭﺍﺗﻪ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ شبهها ﻣﺮﺓ ﺑﺎﻟﺮﻗﺺ ﻋﻠﻰ ﺭﺅﻭﺱ ﺍﻷﻓﺎﻋﻲ، ﻳﺮﻳﺪ ﺍﻟﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﻴﻦ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﺮﻯ ﺃﻧﻬﻢ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﻓﻲ ﺳﻘﻮﻃﻪ ﺑﻌﺪ 33 ﻋﺎﻣﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ. ﻭﻭﻓﻘﺎً ﻟﻮﺛﻴﻘﺔ ﺣﻜﻮﻣﻴﺔ ﺃﻣﻴﺮﻛﻴﺔ، ﺍﻃﻠﻌﺖ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺭﻭﻳﺘﺮﺯ، ﻓﺈﻥ ﺍﻷﻧﺒﺎﺀ ﺗﺮﺩﺩﺕ ﻋﻦ ﺃﻥ ﺻﺎﻟﺢ "ﺃﺻﺒﺢ ﺃﺣﺪ ﺍﻟﺪﺍﻋﻤﻴﻦ ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﻴﻴﻦ ﻟﺘﻤﺮﺩ ﺍﻟﺤﻮﺛﻴﻴﻦ"، ﻋﻠﻰ ﺃﻣﻞ ﺃﻥ ﻳﻔﺴﺢ ﻋﺪﻡ ﺍﻻﺳﺘﻘﺮﺍﺭ ﺍﻟﻤﺠﺎﻝ ﺃﻣﺎﻣﻪ ﻟﻠﻌﻮﺩﺓ إلى السلطة ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍلاﻧﻘﻼﺏ.

ﻭوفقاً لمسؤولين يمنيين فإن ﺍﻟﺠﻨﻮﺩ ﻭﺍﻟﻀﺒﺎﻁ ﺍﻟﻤﻮﺍﻟﻴﻦ ﻟﺼﺎﻟﺢ، ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺳﺮﺣﻬﻢ ﻫﺎﺩﻱ ﺃﺛﻨﺎﺀ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﻫﻴﻜﻠﺔ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﻣﻨﺬ 2012، ﺍﻧﻀﻤﻮﺍ ﻟﻠﺠﺎﻥ ﺍﻟﺸﻌﺒﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺷﻜﻠﻬﺎ ﺍﻟﺤﻮﺛﻴﻮﻥ ﻟﻠﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺻﻨﻌﺎﺀ ﻭﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ[39].

فهل تغيب بعد ذلك إجابة السؤال: كيف سقطت صنعاء بهذه السهولة؟

 

موقف حزب التجمع اليمني للإصلاح من اقتحام العاصمة:

كانت كل المؤشرات تشير إلى أن هناك مقاومة شعبية تم تشكيلها وتجهيزها من قِبل حزب التجمع اليمني للإصلاح ستلتحم مع بعض ألوية الجيش الموالية لهادي وعلي محسن الأحمر، لكن الإصلاح سحب عناصره من كل مناطق التماس، وقوات الفرقة أيضاً انسحبت من مواقعها بعد اشتباكات طفيفة حول مقر الفرقة وجامعة الإيمان ومقر التلفزيون، فقد أدرك اللواء علي محسن وقيادة الإصلاح أن هناك فخاً محكماً وخديعة كبرى قد حيكت ضدهم لجرهم إلى حربٍ أهلية تقضي على مستقبلهم السياسي وتؤدي إلى إلحاق الحزب بالجماعات الإرهابية، ووضعه تحت الفصل السابع[40]، وقد نشرت القدس العربي عن وجود وساطة عمانية هدفها تمكين الحوثي من القرار السياسي على حساب اجتثاث الإصلاح، كما نُقل عن القيادي في الإصلاح محمد قحطان- الذي ما يزال معتقلاً لدى الميليشيا حتى اليوم- قوله إن هادي طلب من الإصلاح نصب مخيمات مؤيدة للحكومة بجانب مخيمات الحوثيين التي نصبوها قبل عملهم المسلح، فرد عليه قحطان: "نحن ننصب الخيام، وأنت تقول نطالب الطرفين بضبط النفس، لن نفعل ذلك.. الحوثيون مشكلتهم مع السلطة وليس مع الإصلاح".

 

استقالة الرئيس هادي والفراغ الدستوري 

تم اقتحام العاصمة مع وجود الرئيس هادي في قصره، فاستغلت الميليشيا ذلك الوضع لاستصدار العديد من القرارات عبره، بتعيين عناصر حوثية في مناصب سيادية وحساسة؛ كالداخلية والدفاع وأجهزة الأمن القومي والسياسي، وقيادة ألوية، ومحافظين وغيرها. ومع تزايد الضغوط على الرئيس، تقدم باستقالته إلى مجلس النواب عبر رسالة رسمية في 22 كانون الثاني/يناير 2015، بعد أن قدم رئيس الوزراء استقالته للرئيس احتجاجاً على العراقيل والتصرفات والتدخلات التي تمارسها ميليشيا الحوثي وصالح في الوزارات والمؤسسات الحكومية، حيث نشروا ما يسمونها باللجان الثورية في كل مؤسسات ومكاتب الدولة في جميع الفروع، وذلك للرقابة على أعمال المؤسسات، فأصبحت تلك اللجان هي المتحكم الفعلي في القرار في ظل جهلهم بأبسط معايير العمل وآليات التنفيذ، إذ إن أغلبهم قادمون من الجبال والأرياف، والمهمة التي يجيدونها هي القتال. خطوة هادي تلك باركها الكثير من المواطنين؛ خوفاً من تغلغل عناصر الميليشيا الحوثية وصالح في كل مفاصل الدولة وبغطاء شرعية هادي.

 مع ذلك، دخلت اليمن في فراغ دستوري خطير، حتى مجلس النواب تم منعه من الاجتماع للبت في الاستقالة، والدستور اليمني في المادة (115) يخول المجلس قبول الاستقالة بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، وعندئذ يتولى نائب الرئيس مهام الرئيس، وفي حال خلو منصب النائب تتولى هيئة رئاسة مجلس النواب مهام الرئيس، وإذا كان المجلس منحلاً تحل الحكومة محل هيئة رئاسة مجلس النواب ولمدة لا تتجاوز 60 يوماً يتم خلالها انتخاب رئيساً للجمهورية. كما أنه ورد في المادة (116): أما في حالة رفض المجلس فمن حق الرئيس خلال 3 أشهر أن يقدم استقالته، وعلى المجلس قبولها[41].

بهذا دخلت اليمن في المجهول تحكمها عصابات وأذرع علي صالح تحت ستار ثورة الحوثيين، فتم وضع الرئيس ورئيس الوزراء وكثير من الوزراء رهن الإقامة الجبرية تحت نير العصابات المسلحة.

 

الإعلان الحوثي وعودة شرعية هادي

 في خطوةٍ تصعيدية، أصدرت جماعة الحوثيين وشركاؤهم في 6 شباط/فبراير 2015 الإعلان الدستوري، وتضمن حل مجلس النواب، وتعطيل الدستور، وتشكيل مجلس الثورة لتولي مهام رئاسة البلد، والدعوة لتشكيل مجلس وطني من 551 عضواً من أعضاء المجلس المنحل ومن خارجه.. إلخ، وهو ما يُعد انقلاباً صريحاً على الشرعية، هذا الإجراء لم يلق أي قبول داخلي أو إقليمي عربي أو دولي.

تمكن الرئيس هادي بعد فترة وجيزة من الفرار من قبضتهم، وتوجه إلى عدن في يوم السبت 21 شباط/فبراير 2015، وأعلن تراجعه عن الاستقالة.

هذا الأمر أربك حسابات صالح والحوثيين معاً، وكانت ردة فعل علي صالح غاضبة، ووجه تهديداً مباشراً للرئيس هادي في 9 آذار/ مارس 2015 قائلاً: (من هربوا من صنعاء لن يجدوا مكاناً للهروب والنفاذ بجلودهم إلا عبر منفذ واحد هو البحر نحو جيبوتي)، أما زعيم جماعة الحوثيين فقد دعا للتعبئة العامة عبر خطاب متلفز بتاريخ 22 آذار/ مارس 2015، بثته قناة المسيرة التابعة للميليشيا، والقنوات الحكومية التي سيطرت عليها الميليشيا وحولتها لمنابر للجماعة، ودعا إلى التوجه إلى عدن والجنوب لملاحقة هادي

هذا التصعيد الذي فجر الوضع برمته، جاء نتيجةً لشعور صالح أن عودة هادي للرئاسة قد أحبطت مخططه الذي كان يرسمه ويطمح من خلاله للعودة إلى الحكم، وذلك بأن تمسك حزب المؤتمر بالنص الدستوري، بأن تنتقل مهام الرئيس لرئاسة مجلس النواب، الذي يسيطر عليه، ورئيس مجلس النواب، الشيخ يحيى الراعي، هو من أكثر القيادات ولاءً لصالح؛ ومن ثم تتم الدعوة لانتخابات رئاسية في ظل سيطرة الميليشيا على البلد.

وأما حليفه زعيم الحوثيين فكان يدعو لتشكيل مجلس رئاسي مشترك كبديل لهادي، يكون لعلي صالح والحوثيين فيه السطوة، وفرض ذلك كأمر واقع، وبمشاركة شكلية لأحزاب اللقاء المشترك. وعلى هذا الأساس كانت المحادثات مستمرة بين كل القوى في فندق موفمبيك، وبإشراف المبعوث الأممي السابق لليمن (جمال بنعمر). إلا أن حزب التجمع اليمني للإصلاح ظل متمسكاً بالرئيس هادي، ورافضاً لمجلس رئاسي بديل، لأن ذلك يعني نسف كل ما تم ونتج عن مؤتمر الحوار الوطني ومخرجاته، ويتناقض مع قرارات مجلس الأمن والاتفاقية الخليجية التي على أساسها تم البناء. جاء ذلك في مبادرة قدمها الحزب على طاولة الحوار في موفمبيك، وبحضور المبعوث الأممي، واقترح أن يتم تعيين أربعة نواب لهادي باختصاصات محددة، وأبدى معارضته لتشكيل مجلس رئاسي وثمة رئيس للبلاد، جاء ذلك في تصريحات صحفية لممثل الحزب في المفاوضات، وأحد قياداته محمد قحطان بتاريخ 11 آذار/ مارس 2015.

تطور الصراع وبداية التدخل العربي:

تسارعت الأحداث بعد إعلان هادي عدن عاصمة مؤقتة، واعتبار كل القرارات والإجراءات التي تمت منذ 21 أيلول/سبتمبر 2014 لاغية لكونها كانت تحت الإكراه. وبعد تمكن وزير الدفاع اللواء محمود الصبيحي من مغادرة مقر احتجازه بصنعاء، ووصوله إلى عدن والتحامه مع هادي، وتكليف الرئيس هادي لرئيس الوزراء السابق خالد بحاح بالاستمرار في منصبه، بعد الإفراج عنه من قبل الحوثيون، عجل كل ذلك بالمواجهات في عدن، مقر إقامة الرئيس هادي، عندما ظن هادي أنه في منأى عن أذرع صالح الممتدة إلى كل وحدات الجيش والأمن، حتى وصل الأمر إلى استخدام سلاح الطيران لمهاجمة القصر الجمهوري في المعاشيق في عدن، العاصمة المؤقتة لليمن. وكان من ضمن تجليات تأخر قرارات الرئيس هادي، بقاء قائد قوات الأمن الخاصة في عدن، أحد أذرع علي صالح فيها، وعندما قرر هادي إقالته، رفض قرارات هادي، وقاوم بأفراد الأمن، وأشعل المعارك بعدن، ووجد المساندة من قوات تتبع الجيش في قاعدة العند وفي لحج، وهو ما فاقم الوضع، وتجلت الخيانات للرئيس هادي بسقوط وزير الدفاع وقادة تابعين للشرعية في الأسر لدى جماعة الحوثيين وقوات المخلوع صالح، فلجأ الرئيس هادي إلى سلطنة عمان، ومنها إلى الرياض بالمملكة السعودية، بعد أن تقدم بطلب لدول الخليج للتدخل لإنقاذ اليمن، وكذلك دعوة مجلس الأمن لتنفيذ قراراته المتعلقة، وأعقب تلك التطورات إعلان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تلبية دول مجلس التعاون الخليجي لدعوة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي للتدخل لحماية الشرعية، معلناً بداية ما أسماها عاصفة الحزم بتاريخ 26 آذار/ مارس 2015 بمشاركة دول المجلس، باستثناء سلطنة عمان، ودول السودان والمغرب ومصر والأردن، لتدخل اليمن في مرحلة جديدة وخطيرة من الصراع والحرب المشتعلة حتى اليوم.

  

رابعاً: سقوط الدولة والموقف الإقليمي والدولي

لعل من الدلائل على أنه كان هناك تواطؤ داخلي وإقليمي مع الحوثيين، أن سفراء الدول العشر الراعية، وهي دول مجلس التعاون الخليجي، عدا قطر، والدول الدائمة العضوية بمجلس الأمن، لم يغادروا صنعاء حتى بعد اقتحام صنعاء، وقد نشرت صحف يمنية أن الحوثيين قد بعثوا بتطمينات لتلك الدول بأن مهمتهم هي فقط إسقاط الحكومة والفرقة الأولى وجامعة الإيمان وعزل الإصلاح عن مراكز صنع القرار في الدولة، وسيوقعون بعدها اتفاقية توافقية تحقق الشراكة والاستقرار وبقاء شرعية هادي والحفاظ على مقومات الدولة[42]

فشماعة الإرهاب، وصنع وفبركة الخطر المحتمل في حال وصول أو مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في الحكم، وتهويل وتضخيم تلك المخاطر على الأمن والسلم الإقليميين، كانت هي السيمفونية المشروخة التي ظل يعزفها ويرددها مسؤولون وقادة وإعلاميون ومثقفون على أعلى المستويات، داخلياً وخارجياً، خاصةً في دولة الإمارات العربية المتحدة ومصر والسعودية، وجميعها وضعت جماعة الإخوان على قائمة الإرهاب

وبالتركيز على الموقف السعودي، باعتباره القوة المركزية في المنطقة العربية، ولها القدرة على الحشد الإقليمي والدولي لمواقفها وسياساتها؛ نظراً لما تمتلكه من ثروات نفطية هائلة، وأن إنتاج وتصدير النفط ما زال هو العمود الفقري لأي اقتصاد في العالم، والمملكة من أهم مصدري النفط، وتمتلك أكبر احتياطي نفط في العالم، ومصالح الدول الغربية مرتبطة بمثل النظام السعودي، وكذلك لتحقيق أمن إسرائيل الذي سيتأثر حتماً بصعود تيارات إسلامية ترفض بشكل علني وصريح التطبيع مع المحتل، لذا فمصلحة الغرب تتحقق بتأييد تلك الحملة، التي تتعارض قطعاً مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي يتغنون بها، مع أنهم في تلك الأنظمة النفعية يدركون تماماً أن هناك علاقة عكسية بين انتعاش مصالحهم في المنطقة العربية وبين وجود الحكم الرشيد والديمقراطي فيها، وأن تلك العلاقة هي علاقة طردية مع الأنظمة المستبدة، لذلك التقت المصالح على محاربة أي مشروع وطني تنموي، وخاصةً إذا كان ذا طابع ديني؛ أما السعودية فتنطلق في سياساتها المعادية لتيار الإخوان المسلمين من اعتبارات عدة؛ لعل أهمها أن تلك التيارات كانت الحامل الرئيس لثورات التغيير المسماة بالربيع العربي، وكان الإخوان المسلمون هم الأكثر حضوراً وتنظيماً وإعداداً وجاهزية ليكونوا البديل الأمثل للأنظمة المستبدة، وهذا فيه تهديد للنظام الملكي السعودي، لذلك فقد تبنت العداء لتلك الثورات في مصر واليمن وتونس وليبيا، خاصةً في ظل صعود التيار الليبرالي في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز، وسيطرته على مراكز صناعة القرار في المملكة، والعلاقات الوثيقة لذلك التيار مع حكام الإمارات الذين حملوا راية الثورات المضادة والمعادية للإخوان المسلمين، فزرعوا الفوضى والانقلاب والصراع في بلدان الربيع العربي؛ وكانوا الداعم الرئيسي لانقلاب السيسي على الرئيس المصري المنتخب، والممول للقوة التي يقودها حفتر في ليبيا ضد فصيل الثوار هناك.

في ظل هذا الغياب أو التيه السعودي كان الحضور الإيراني وكان ذلك الحضور قوياً ومؤثراً؛ بالمال والسلاح والاستشارات، وهو ما سهل سيطرة الحوثيين. ومما يثير الشكوك في مواقف السعودية والدول الأخرى الراعية أنهم سارعوا إلى الترحيب بتوقيع اتفاق السلم والشراكة عقب سقوط صنعاء، وسارعت السعودية إلى إرسال سفيرها إلى صنعاء، وهو ما يعتبر اعترافاً ضمنياً بالواقع المفروض من الحوثيين وحليفهم صالح[43]، ويستغرب محمد بن هويدن، ﺃﺳﺘﺎﺫ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ ﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻙ وﺭﺋﻴﺲ ﻗﺴﻢ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﺑﺠﺎﻣﻌﺔ ﺍﻹﻣﺎﺭﺍﺕ، في مقال له في صحيفة ﺍﻟﺒﻴﺎﻥ ﺍﻹﻣﺎﺭﺍﺗﻴﺔ، بتاريخ 30 أيلول/سبتمبر 2014، الموقف الدولي من سقوط صنعاء قائلاً: "ﻟﻢ ﻳﺘﺼﻮﺭ ﺃﺣﺪٌ ﺍﻟﺴﻜﻮﺕ ﺍﻹﻗﻠﻴﻤﻲ والدولي، ﻭكأن ﺍﻷﻣﺮ ﻳﻤﺜﻞ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ، ﻟﻘﺪ دخل ﺍﻟﺤﻮﺛﻴﻮﻥ ﺇلى ﺻﻨﻌﺎﺀ ﻭﻫﻢ ﻋﻠﻰ ﺩﺭﺍﻳﺔ ﺗﺎﻣﺔ ﺑﺄﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﻣﻤﻬَّﺪ ﻟﻬﻢ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ هدفهم، ﻟﺬلك فقد دخلوا صنعاء وهم يحملون الألعاب النارية للاحتفال بالنصر، وأتوا وهم على استعداد للتوقيع على اتفاق اﻟﺴﻠﻢ ﻣﻊ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺍﻟﻴﻤﻨﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻤﺜﻠﻬﺎ ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ عبد ربه منصور هادي، ﻓﻜﺎﻧﺖ ﺭﺍﺋﺤﺔ ﺍﻟﺼﻔﻘﺔ فائحة في الأفق"[44].

وبينما كانت الميليشيا تقتحم العاصمة صنعاء، كان الممثل الأممي جمال بنعمر في ضيافة زعيم الجماعة الحوثية (عبد الملك الحوثي) في صعدة ينتظر استكمال سيطرة الميليشيا على العاصمة لتكون الضوء الأخضر لاستكمال مهزلة الاتفاقيات، وكأن كل الجهود السابقة، التي تمت برعاية أممية وبإشراف جمال بنعمر نفسه، لا قيمة لها ولا تعنيهم في شيء وهو ما يعني أن مؤتمر الحوار الوطني الشامل (18 آذار/مارس  2013- 25 كانون الثاني/يناير 2014) الذي تم برعاية وإشراف أممي، ومن الدول العشر، والذي شاركت فيه كل القوى والأحزاب والهيئات والمنظمات المجتمعية وفئات المجتمع (المرأة والشباب)، ومُثل الحوثيون بـ 35 عضواً من أصل 565 عضواً، واستمر لشهور، وكلف الكثير والكثير من الجهد والوقت والمال، وكانت الآمال معقودةً عليه للخروج إلى بر الدولة المدنية، خاصةً أنه تكلل بتوافق على مخرجاته التي بلغ عددها 1800 توصية، وتشكيل لجنة لصياغة الدستور تستند إلى تلك المخرجات، يعقبها الاستفتاء على الدستور، ثم الانتخابات النيابية فالرئاسية؛ كأن كل ذلك قد تم دفنه واستبداله بالمشروع الحوثي تحت اسم: "اتفاق السلم والشراكة"، الذي فرضته قوة الأمر الواقع، وتم التوقيع عليه في القصر الجمهوري بنفس اليوم 21 أيلول/سبتمبر 2014، ووقع عليه ممثلو الأحزاب اليمنية وممثلو الحوثي وبحضور الرئيس هادي ورعاية جمال بنعمر، ولقي ذلك التوقيع ترحيباً دولياً واسعاً، وخاصةً من قِبل الدول العشر الراعية

ماذا يعني ذلك الترحيب في ظل غياب السلطة الوطنية التي ستتولى التنفيذ، وسيطرة جماعة مسلحة على كل مقاليد السلطة، ومن سيجبرهم على التنفيذ والانصياع؟ لا يعني ذلك إلا أنه كان اتفاقاً وترتيباً مسبقاً يقتضي تسليم مقاليد الأمر للحوثيين وحلفائهم، وهذا ما ذهب إليه أيضاً الدكتور محمد بن هويدن، حيث أشار إلى وجود تغاضٍ خليجي ودولي، إذ ﻟﺠﺄﺕ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﻔﺎﻋﻠﺔ ﺩﻭﻟﻴﺎً ﻭﺇﻗﻠﻴﻤﻴﺎً ﺇﻟﻰ ﺧﻴﺎﺭ ﺍﻟﻮﻗﻮﻑ ﻣﻊ ﺍﻟﻄﺮﻑ ﺍﻷﻗﻮﻯ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﺩﻟﺔ ﺍﻟﻴﻤﻨﻴﺔ؛ ﻛﻲ ﻳﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﻓﺮﺽ ﻭﺍﻗﻊ ﺟﺪﻳﺪ ﻋﻠﻰ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ، ومن ثم ﻳﻌﻄﻲ أملاً بإمكانية ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻻﺳﺘﻘﺮﺍﺭ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺒﻠﺪ. ﻭﻛﺎﻥ ﺍﻟﺤﻮﺛﻴﻮﻥ ﻫﻢ ﺍﻟﻄﺮﻑ ﺍﻷﻗﺮﺏ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺫﻟﻚ، ﺣﻴﺚ إﻥ ﺍﻟﻤﺰﺍﺝ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻳﺪﻭﺭ ﻓﻲ ﺇﻃﺎﺭ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﻭﻣﺴﺎﻧﺪﻳﻬﺎ، ﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﺟﺎﺀ ﺩﻋﻢ ﺍﻟﺤﻮﺛﻴﻴﻦ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺘﻐﺎﺿﻲ ﻋﻦ ﺗﺤﺮﻛﺎﺗﻬﻢ ﻟﻠﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺻﻨﻌﺎﺀ؛ ﻓﻬﻢ ﺍﻟﻘﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﺩﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺩﺣﺾ ﻋﻨﺎﺻﺮ ﺍﻹﺧﻮﺍﻥ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ[45].

ويؤكد الدكتور وليد الماجد في مدونته أن ردة فعل السعودية كانت بالغة السكون، ويشير إلى أن ﺻﺤﻴﻔﺔ ‏(ﺍﻟﺠﺎﺭﺩﻳﺎﻥ‏) ﺍﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺔ ﻛﺎﻧﺖ ﻗﺪ ﻧﺸﺮﺕ ﻓﻲ تشرين الثاني/ﻧﻮﻓﻤﺒﺮ 2013 تقريراً ﺫﻛﺮﺕ ﻓﻴﻪ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ ﺗﺪﻋﻢ ﺍﻟﺤﻮﺛﻴﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﻴﻤﻦ ﻟﻀﺮﺏ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ، ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ (ﺣﺰﺏ ﺍﻹﺻﻼﺡ ﺍﻟﻴﻤﻨﻲ)، وﺃضافﺍﻟﺘﻘﺮﻳﺮ ﺃﻥ: ﺻﺎﻟﺢ ﻫﺒﺮﺓ- ﺍﻟﻘﻴﺎﺩﻱ ﺍﻟﺤﻮﺛﻲ ﺍﻟﺒﺎﺭﺯ- ﺳﺎﻓﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ ﻋﺒﺮ ﻟﻨﺪﻥ ﻟﻠﻘﺎﺀ ﺭﺋﻴﺲ ﺍﻟﻤﺨﺎﺑﺮﺍﺕ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻱ.‏ ﻭﻋﻘﺐ ﺍﺟﺘﻴﺎﺡ ﺻﻨﻌﺎﺀ، ﻧﺸﺮﺕ ﺍﻟﺼﺤﻒ ﺍﻟﻴﻤﻨﻴﺔ ﺃﻥ ﺯﻋﻴﻢ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﺍﻟﺤﻮﺛﻴﻴﻦ عبد الملك ﺍﻟﺤﻮﺛﻲ ﻛﺎﻥ ﻗﺪ ﺍﻟﺘﻘﻰ ﺭﺋﻴﺲ ﺟﻬﺎﺯ ﺍﻻﺳﺘﺨﺒﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ ﺍﻷﻣﻴﺮ ﺧﺎﻟﺪ ﺑﻦ ﺑﻨﺪﺭ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ، ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﺳﻌﻮﺩﻳﺔ ﻣﺘﺎﺧﻤﺔ ﻟﻠﺤﺪﻭﺩ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ ﺍﻟﻴﻤﻨﻴﺔ؛ ﻟﻤﻨﺎﻗﺸﺔ ﺍﻟﺘﻨﺴﻴﻖ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻱ ﺍﻟﺤﻮﺛﻲ ﻹﺟﻬﺎﺽ ﺻﻌﻮﺩ ﻧﺠﻢ ﺣﺰﺏ ﺍلإﺻﻼﺡ. وكانت السعودية قد خذلت ﺍﻟﺴﻠﻔﻴﻴﻦ ﻓﻲ ﺩﻣﺎﺝ، ﻭﺗﺮﻛﺘﻬﻢ ﻭﻋﻮﺍﺋﻠﻬﻢ ﻳﺨﻀﻌﻮﻥ ﻟﺘﻬﺠﻴﺮ ﻗﺴﺮﻱ إلى ﺧﺎﺭﺝ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﻣﻴﻠﻴﺸﺎﺕ الحوثي، ﻓُﻬِﻢ منه ﺁﻧﺬﺍﻙ ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻙتنسيقاً ﺳﻌﻮﺩياً/ ﺣﻮﺛياً ﻣﺤﺪﺩاً. ﻭﻟﺬﻟﻚ، ﻛﺘﺐ ﻋﻠﻲﺍﻟﺒﺨﻴﺘﻲ ‏(ﺍﻟﻘﻴﺎﺩﻱ ﺍﻟﺒﺎﺭﺯ‏) ﻓﻲ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﺍﻟﺤﻮﺛﻲ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻮﺛﻴﻴﻦ ﻟﻢ ﻳﻜﻮﻧﻮﺍ، ﻭﻟﻦ ﻳﻜﻮﻧﻮﺍ ﻓﻲ ﻳﻮﻡ ﻣﻦ ﺍﻷﻳﺎﻡ، ﺟﺰءاً ﻣﻦ ﺃﻱ ﻧﺸﺎﻁ ﺃﻭ ﻣﻌﺮﻛﺔ ﺿﺪ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ ﺷﻌﺒﺎً ﻭﻧﻈﺎﻣﺎً. ﻭﺃﺷﺎﺭﺕ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﻓﻲ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻣﻨﺎﺳﺒﺔ ﺇﻟﻰ ﺃﻧﻬﺎ ﻗﺎﺩﺭﺓﻋﻠﻰ ﺗﺤﻤﻞ ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ﻋﻼﻗﺎﺕ ﺣﺴﻦ ﺍﻟﺠﻮﺍﺭ ﻣﻊ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ، ﺧﺎﺻﺔ ﻣﺎ ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺤﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩ ﺍﻟﺠﻨﻮﺑﻴﺔ ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ ﻣﻦ ﺗﻬﺪﻳﺪﺍﺕ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻴﻤﻦ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ.

 

النتائج المترتبة على ضعف الموقف الدولي:

ولأن الرئيس المخلوع هو من يمسك خيوط اللعبة عبر أدواته في الدولة العميقة، فقد دفع بالحوثيين- تحت نشوة شعورهم بالقوة- إلى التمادي في الغطرسة وتجاهل كل الاتفاقات وكل الأعراف المحلية والدولية، والاستمرار في غزو المحافظات بالقوة، واستصدار قرارات من الرئيس هادي بتعيينات تمنحهم وحليفهم صالح السلطة الفعلية، فبعد أن انتهت لجنة صياغة الدستور من إعداد مسودة الدستور، بمشاركة ممثلي الحوثي بتاريخ 17 كانون الثاني/يناير 2015، سلمت المسودة لمدير مكتب رئيس الجمهورية أحمد بن مبارك، ثم قامت ميليشيا الحوثي بخطفه لمنع نزول المسودة إلى الشعب للاستفتاء، لتكشف التسريبات المعلوماتية أن الرئيس المخلوع هو من أوعز للميليشيا بتنفيذ عملية الخطف، فقد كان من أشد المعارضين لمسودة الدستور.

 هذه العملية أوصلت الأمور إلى أخطر منعطفاتها، وقد أعقب الخطف اقتحام القصر الجمهوري في 19 كانون الثاني/يناير بعد معركة غير متكافئة بين جزء من الحرس الرئاسي، وهم من أقارب هادي وأبناء محافظته، وبين الميليشيا، وسط تساهل من الحرس الرئاسي وقيادات من اللواء الثاني حرس رئاسي، الذين سلموا مواقعهم ومخازن السلاح للحوثيين بتوجيهات من صالح وابنه أحمد الذي كان قائداً للحرس الجمهوري، وتم وضع الرئيس تحت الإقامة الجبرية، كما سبق أن أشرنا في البداية.

واستمراراً في التصعيد، وتحت ظلال سيوفهم وأصوات وروائح البارود، كان جمال بنعمر يواصل مسلسل التمكين للحوثيين لمنحهم الغطاء الدولي لكل خطوة تصعيدية، فكان يدعو ويشرف على ما يسميها مفاوضات القوى والأحزاب رغم وضع الرئيس، وحتى بعد استقالة الحكومة والرئيس، واعتقال الآلاف من عناصر الإصلاح، وبعد إعلان الحوثيين ما سموه الإعلان الدستوري الذي ألغوا بموجبه وعطلوا كل ما تبقى من شرعية تتمثل في الرئيس ومجلس النواب، كما أشرنا في البداية.

 

المبعوث الأممي السابق جمال بنعمر

 استمر جمال بنعمر في محاولاته لشرعنة أعمال الحوثيين حتى بعد مغادرة هادي العاصمة واستقراره في عدن، وملاحقة الميليشيا له وإعلان التعبئة والحرب من زعيمهم، وحصار الرئيس قبل مغادرته عدن متوجهاً للسعودية، وهذا ما يؤكد ضعف أو تواطؤ المبعوث الأممي السابق جمال بنعمر. يقول الكاتب والناشط اليمني الدكتور مروان الغفوري: إن عدد زيارات جمال بنعمر لليمن بلغت 38 زيارة، بعضها كانت طويلة تستغرق أياماً عديدة ويتساءل مستغرباً: ما هي نتائجها؟ ولماذا لم تستطع أن توقف التدهور وانهيار الدولة؟ ولماذا لم يشر بنعمر، ولو مرة واحدة، إلى أن جماعة الحوثيين ترتكب أعمالاً عدوانية، ولم يدن ما يقومون به في زحفهم المقدس حتى سقوط صنعاء؟ لا يمكن إلا القول بتواطؤ المبعوث الأممي مع الميليشيا. كما أن الكاتب يؤكد أن الإعلان الدستوري كان متفقاً عليه بين الحوثيين وجمال بنعمر، حسب تصريحات مسؤول حوثي[46].

ورغم مناشدات الدكتور رياض ياسين الذي كلفه الرئيس ليقوم بأعمال وزير الخارجية، لدول مجلس التعاون الخليجي ومجلس الأمن، للتدخل وحماية اليمن، ودعوة الرئيس إخوانه ملوك وأمراء دول مجلس التعاون للتدخل العسكري لمواجهة من أسماهم بالانقلابيين، ودعوته كذلك لمجلس الأمن لحماية اليمن والعمل على تنفيذ قراراته المتعلقة باليمن، كان جمال بنعمر ما زال يسعى إلى عقد اتفاق جديد يتناسب مع الوضع، إلا أن وتيرة الأحداث المتسارعة بشكل كبير وخطير، وغمرة نشوة الاستحواذ والشعور بالقوة وجنون العظمة، جعل الميليشيا وعلي صالح يتجاهلون التغييرات التي طرأت بالمملكة مع وصول الملك سلمان للسلطة بعد وفاة الملك عبد الله.

 

مؤشرات النفوذ الإيراني في اليمن

تعاظم الشعور بالخطر الإيراني لدى دول الخليج لفجاجة التدخل الإيراني الصريح في اليمن، مع ظهور العديد من التصريحات لمسؤولين وقادة كبار في إيران تبارك وتؤيد خطوات الحوثيين، معتبرين أن صنعاء رابع عاصمة عربية تنضم للجبهة الإيرانية أو لجبهة المقاومة والصمود، حسب وصفهم، وذهبت لأبعد من ذلك فأقرت- بموجب اتفاق وقعته مع الحوثيين- تسيير رحلات جوية لمطار صنعاء بمعدل 14 رحلة أسبوعياً، مع أنه لا توجد اتفاقيات رسمية مع إيران بهذا الخصوص، إضافة إلى قيام عناصر الميليشيا الحوثية بإطلاق عدد من العسكريين الإيرانيين الذين كانوا محتجزين ضمن طاقم سفينة الأسلحة الإيرانية (جيهان1) التي تم اكتشافها ومصادرة الأسلحة التي كانت تحملها لإدخالها اليمن في  كانون الثاني/يناير 2013، وذلك بعد اقتحامهم لمقر الأمن القومي بتاريخ 25 أيلول/سبتمبر  2014، حسب ما نشرته صحيفة الشرق الأوسط في نفس اليوم، بناءً على تأكيدات لمصدر مسؤول من جهاز الأمن للصحيفة[47].

ووسط تحركات خليجية غير معلنة، تم مخاطبة الرئيس السابق علي صالح لوضع حدٍّ للوضع المتفاقم، ثم وجهوا له التحذيرات بأن الأمن القومي للسعودية لم يعد في مأمن من جراء الانفلات الحاصل وانتقال زمام الأمور ومقاليد السلطة إلى الميليشيا التي لم تعد تنكر أو تتستر على وجود ترتيبات مع إيران وهو ما يشكل أكبر تهديد للمملكة، وأكد تلك المخاوف قيام ألوية من الجيش اليمني في صعدة بالاشتراك مع الميليشيا، بإجراء مناورات على حدود السعودية بتاريخ 12 آذار/مارس 2015.

استمرأ صالح والحوثيون الصمت الدولي والعربي، ومع سكرة الصعود غير المحسوب، لم يستفيقوا إلا وهم تحت نيران قوات التحالف العربي بقيادة السعودية، بعدما أعلن الملك سلمان قرار دول مجلس التعاون الخليجي بقبول دعوة هادي، وانطلاق "عاصفة الحزم"، صاحب ذلك التدخل تغير في مواقف الدول بشكل عام، كمن نفد صبره، وسط ذهول صالح الذي لم يكن يتصور أن يحدث هذا التدخل، فتاريخ علاقاته مع السعودية حافل بتبادل المصالح، وظلت المملكة تسانده، وبقوة، حتى وفاة الملك عبد الله، فمع وفاته ووصول سلمان للحكم انقشعت غمامة الجلبة الإعلامية ضد الإخوان، التي كانت متصدرة وطاغية على ما سواها، حتى حجبت الرؤية عن الخطر الحقيقي المتمثل في إيران، لتجد السعودية نفسها أمام حصار إيراني محكم وخانق؛ فمن الشرق العراق، ومن الشمال سوريا ولبنان، ومن الجنوب اليمن، وكما بدأت الأزمة بحسابات المصلحة التي كانت تتمثل في شبح الإخوان المسلمين، فقد عادت وتوسعت من نفس المدخل، مع اختلاف الحسابات والرؤى، لتدخل معها اليمن في أتون حرب طالما تحاشاها اليمنيون وفروا من جحيم ويلاتها؛ ليقينهم بأنها لا تجلب إلا الدمار، في الوقت الذي كانت فيه ميليشيا الحوثيين وصالح لا تعتبر بما يحدث في سوريا والعراق، وفي مسعىً حثيث أعماه الحقد، لإدخال اليمن في نفس المستنقع، غير آبهين بما سينتج عن الحروب من إزهاق الأرواح وتهجير السكان وتدمير كل مقومات اليمن دولةً وإنساناً.

 

الموقف الأمريكي والأممي قبل 26 آذار/مارس

كان التعاطي الدولي مع هذا الوضع الذي أسفر عن إسقاط الدولة، لا يبشر بالجدية والحزم قبل 26 آذار/مارس، فقد أعلنت الولايات المتحدة عقب الإعلان الدستوري أنها مع انتقال سلس للسلطة أي قبولها الإعلان الدستوري، وصرحت الناطقة باسم الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة لم تكتشف وجود صلات بين الحوثيين وإيران، كما أن هناك تصريحات لمسؤولين أمريكيين، وكذلك حوثيين، تؤكد وجود تعاون بينهما لمكافحة تنظيم القاعدة في اليمن، وبالنسبة لبقية الدول العشر فقد اكتفت في البداية بالدعوات والتنديد؛ لرفع الحرج ليس أكثر، وعندما طلب هادي وألح على إدراج شخصيات تعيق التسوية، وذلك قبل تطور الأحداث، اكتفت الولايات المتحدة بفرض عقوبات شكلية غير مؤثرة في الواقع العملي على شخص علي عبد الله صالح، وشخصيتين حوثيتين هما القياديان عبد الخالق بدر الدين الحوثي شقيق عبد الملك الحوثي، وعبد الله يحيى الحاكم المعروف بـ"أبو علي الحاكم"، فالأول هو الذي قاد الميليشيا لاحتلال صنعاء، والأخير هو من قاد معارك إسقاط عمران[48].

وفي تطور لافت وخجول، صرح كيري وزير خارجية أمريكا بالقول إن إيران ساهمت في إسقاط السلطة في صنعاء من خلال الدعم لهم، وهو دعم حاسم (أعتقد أنها ساهمت في ذلك، هذا مما لا شك فيه)، وأضاف خلال جلسة استماع بمجلس الشيوخ أنه (مع ذلك فإن إيران تفاجأت بتسارع الأحداث في اليمن)، وأن (سلطات طهران كانت ترغب في إقامة حوار وطني بين مختلف الفرقاء اليمنيين)[49].

في 16 شباط/فبراير 2015 انعقد مجلس الأمن، وﺻﻮّﺕ ﺃﻋﻀﺎؤه ﺑﺎﻹﺟﻤﺎﻉ ﻋﻠﻰ ﻗﺮﺍﺭ ﺣﻮﻝ ﺍﻷﺯﻣﺔ ﺑﺎﻟﻴﻤﻦ، ﻳﺘﻀﻤﻦ 5 مطالب موجهة ﻟﻠﺤﻮﺛﻴﻴﻦ ﻟﺤﻞ ﺍﻷﺯﻣﺔ ﺑﺎﻟﺒﻼﺩ، في ﻣﻘﺪﻣﺘﻬﺎ ﺳﺤﺐ ﻗﻮﺍﺗﻬﻢ ﻓﻮراً ﺩﻭﻥ ﻗﻴﺪ ﺃﻭ ﺷﺮﻁ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﻴﺔ ﻭﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﺨﺎﺿﻌﺔ ﻟﺴﻴﻄﺮﺗﻬﺎ، ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻌﺎﺻﻤﺔ ﺻﻨﻌﺎﺀ، وطلب ﺗﻘﺮﻳﺮﺍً ﻣﻦ ﺍﻷﻣﻴﻦ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﺑﺎﻥ ﻛﻲ ﻣﻮﻥ ﻛﻞ 15 ﻳﻮﻣﺎً ﻟﻤﺘﺎﺑﻌﺔ ﻣﺎ ﺗﻢ ﺑﺸﺄﻥ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﺍﻟﻘﺮﺍﺭ.

في بداية الأمر حاولت المملكة السعودية أن تبحث عن مخرج غير الحرب، ففي 9 آذار/مارس 2015 ﺃﻋﻠﻨﺖ ﺗﺮﺣﻴﺐ ﺩﻭﻝ ﻣﺠﻠﺲ ﺍﻟﺘﻌﺎﻭﻥ ﺍﻟﺨﻠﻴﺠﻲ ﺑﻌﻘﺪ ﻣﺆﺗﻤﺮ ﺑﺎﻟﻌﺎﺻﻤﺔ ﺍﻟﺮﻳﺎﺽ تحضره كافة ﺍﻷطراف السياسية ﺍﻟﻴﻤﻨﻴﺔ، تحت ﻣﻈﻠﺔ ﺍﻟﻤﺠﻠﺲ "ﻟﻠﺨﺮﻭﺝ ﺑﺎﻟﻴﻤﻦ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺄﺯﻕ ﺇﻟﻰ ﺑﺮ الأمان ﺑﻤﺎ ﻳﻜﻔﻞ ﻋﻮﺩﺓ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺇﻟﻰ ﻧﺼﺎﺑﻬﺎ"، لكن قوبل ذلك برفض قاطع من الحوثيين والرئيس المخلوع وحزبه[50]، غير مدركين لعواقب ذلك، وانعقد مؤتمر الرياض بعد ذلك بتاريخ 17/6/2015 بحضور أعضاء وقياديين في حزب المؤتمر الشعبي العام، انشقوا عن صالح وأعلنوا دعمهم للرئيس هادي وللشرعية، منهم محمد بن ناجي الشايف، وأحمد عبيد بن دغر، وعبد الكريم الإرياني، ورشيد العليمي، وعثمان مجلي، وغيرهم، وخرج المؤتمر بتوصيات عديدة، أهمها: الاعتراف بشرعية الرئيس هادي، وتأييد التدخل العربي لإعادة الشرعية، والتوصل إلى حل للقضية الجنوبية، واعتبار أن أي حل للأزمة يجب أن يستند إلى قرار مجلس الأمن 2216، ومخرجات الحوار الوطني، ويبدو أن هذا المؤتمر قد جاء متأخراً جداً، بقدر تأخر السعودية في إدراك المخاطر المحدقة بها من جراء سيطرة الحوثيون على السلطة، ويعني أيضاً استمرار الحرب كخيار استراتيجي لحل الأزمة وعودة الدولة.

 

ماذا بعد الحرب؟

تعيش اليمن واليمنيون اليوم ويلات حروب داخلية في كل محافظات الجمهورية، عدا محافظتي حضرموت والمهرة، خسائر تلك الحرب أعظم من مخاطر التدخل الخارجي في شدتها، والخسائر الناتجة عنها، والآثار المترتبة عليها، فاقم الوضع الحصار الخانق الذي يعيشه اليمنيون في ظل شح وندرة المشتقات النفطية والغاز المنزلي التي غدا الحصول عليها شبه مستحيل، وسط مخاطر كارثية؛ كالتفجيرات وحوادث القتل بمقذوفات مضادات الطيران الساقطة التي قتلت المئات من اليمنيين، والتي تطلقها الميليشيات وقوات صالح ضد غارات طيران التحالف، رغم معرفتهم بعدم جدواها إلا جدوى قتل وإصابة الآمنين من المواطنين اليمنيين الذين وقعوا ضحايا الحرب والحصار والجوع، وقد صدر تقرير عن الأمم المتحدة يحذر فيه من أن اليمن على مشارف المجاعة القاتلة.

هذا المآل الذي وصلت إليه اليمن هو نتاج ما زرعه الرئيس المخلوع علي صالح الذي يمتلك معظم مفاتيح اللعبة السياسية، والتي اكتسبها من خلال سنين حكمه التي أنفق معظمها في شراء الولاءات وبذل الجهود لترسيخ حكمه، وجعل مصير اليمن مقترناً به فقط، فبقاء اليمن واستقراره مرتبط ببقاء السلطة لصالح، وغير ذلك يعني ذهاب اليمن.

وقد كان لتركيبة المجتمع اليمني، الفقير في معظمه، ونسبة التعليم والوعي المتدنية في اليمن، ومحاولات طمس الهوية، وغرس الولاء والتقديس للأشخاص والأسر، وغياب الإعلام الهادف والموجه.. وغيرها من العوامل، دور مهم في تسهيل مهمة المخلوع صالح ليقضي على أحلام اليمنيين المشروعة، لأنهم قضوا على حلمه اللامشروع في توريث السلطة وتحويل الدولة إلى ميراث عائلي.

وفي ختام هذه الورقة، لم نعد نرى أفقاً للحل السلمي بعد توسع المواجهات والتحالف العلني بين ميليشيا صالح والحوثيين، وبعد فشل أول مفاوضات للسلام، التي عقدت بجنيف 17-19 حزيران/ يونيو المنصرم، دون التوصل إلى أية نتائج. والوقائع على الأرض تدل أن قوات الشرعية والمقاومة الشعبية مصممة، وبدعم من دول التحالف، على الحسم العسكري، بعدما ارتكبت ميليشيا صالح والحوثيين جرائم حرب ضد اليمنيين، ودمروا المدن بالأسلحة الثقيلة وصواريخ الكاتيوشا ومختلف الأسلحة، في دلالة على الرغبة في الإصرار على الحرب، وهذا ما يسمى في العلوم السياسية بالمعادلة الصفرية؛ فكل طرف يرفض تقديم التنازلات، وخاصةً المتمردين الحوثيين وصالح، أضف لذلك وجود لاعبين أساسيين في المواجهة، وهي دول التحالف بقيادة السعودية التي أصبحت ترى أنها في مواجهة حقيقية ومصيرية لحماية أمنها، فهي لا يمكن أن تنعم بالأمن والاستقرار إلا في ظل دولة تحترم حسن الجوار ولا تحمل العداء للسعودية، وهذه لن تكون بوجود الميليشيا الحوثية وصالح، وهو ما يجعل القرار بوقف الحرب أو التوصل إلى اتفاق، متوقفاً على ما ستحصل عليه المملكة من ضمانات تحفظ لها أمنها وحدودها، وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1622 الذي يلزم الحوثيين وصالح بالانسحاب من كافة المدن والقرى وتسليم الأسلحة والاعتراف بشرعية هادي.