يرجى تدوير الجهاز الى الوضع العامودي للحصول على افضل طريقة عرض لموقعنا

ملخص:

تناولت الدراسة مستقبل اليمن بعد سقوط صنعاء وعدد من مؤسسات الدولة والمحافظات بيد الحوثيين، وتتبعت مسار التطورات التي أوصلت اليمن إلى الوضع الراهن، ورصدت العوامل التي سهلت استيلاء الحوثيين على السلطة، ومنها تشتت القوة وتمزقها بين عدد من الأطراف المتصارعة، وانقسام مؤسسات الجيش والأمن، واختراقها وتعدد الولاءات داخلها، والدور الذي قام به الرئيس السابق من تخذيل القبائل، ووحدات الجيش ومد الحوثيين بالمعلومات والخطط والرجال، والدور الضعيف والمشوه للرئيس هادي، والتحول العميق في الإطار الإقليمي بعد الانقلاب على الرئيس المصري محمد مرسي، وانكماش السياسة السعودية، وانسحابها من اليمن لحساب النفوذ الإيراني، وانسياق الرياض وراء سياسية الإمارات في التضييق على حزب التجمع اليمني للإصلاح والقوى التي شاركت في السلطة بعد 2011م، إلى جانب الدور الكبير الذي قامت به السياسة الأمريكية لتسهيل وتَمدُد الحوثيين، بهدف ضمان مواجهتهم لتنظيم القاعدة.وعرضتُ العوامل الحاكمة التي على ضوئها سيتحدد مستقبل اليمن، ورسمتُ أربعة سيناريوهات لذلك، أحدها يرى بأن اليمن تتجه نحو نموذج ثبات المركزين المتنازعين، والآخر يرجح الحرب المفضيه إلى التشظي، وثالث يميل إلى إمكانية بناء توافق وإن ظل مرحليّاً، وسيناريو أخير يرجح أن يتكرر في عدن وبقية المحافظات ما حدث في صنعاء، بما يُمكّن الحوثيين من السيطرة على السلطة في البلاد.

 

مقدمة:

ظلت اليمن خلال العقدين الأخيرين تنتقل من وضع خطر إلى آخر أشد خطورة، إلا أن التطورات الأخيرة كثفت من المخاطر التي باتت تواجهها، وزادت من الضبابية، وحالة "اللايقين"، ونقلتها خطوات واسعة نحو المجهول.

فقد شهدت اليمن خلال الفترة الأخيرة أحداث دراماتيكية متتالية، أبرزها سقوط عمران وصنعاء بيد الحوثيين، وتمددهم في محافظات أخرى، واستيلاؤهم على دار الرئاسة ومحاصرة رئيسيّ الدولة والحكومة، ودفعهما لتقديم استقالتهما، وتبني الحوثيون لإعلان دستوري تتولى بموجبه لجنتهم الثورية السلطة في البلاد، وأخيرا تمكن الرئيس هادي ومن ثم وزير الدفاع من الخروج من وضع الإقامة الجبرية في صنعاء والانتقال إلى عدن، وإعلان الأول تراجعه عن الاستقالة ورفضه للانقلاب.

وبرغم حالة التعقيد المتزايدة التي ينزلق إليها الواقع اليمني يوماً بعد يوم، والتي تجعل من الصعوبة التنبؤ بمآلاته، إلا أنه من المفيد استشراف مستقبل تطورات هذا الواقع، من خلال محاولة رسم اتجاهاته ومساراته المحتملة، وما يمكن أن يتضمنه كل مسار من تداعيات مختلفة، ومع صعوبة هذا الأمر فإن هذه الدراسة تحاول أن تتصدى له.

وللوصول إلى ذلك فإن الأمر يتطلب تقديم خلفية عامة عن طبيعة التطورات التي عاشتها اليمن، والتي أوصلت الأوضاع إلى ما هي عليه اليوم، وتعيين المحددات الرئيسة، والعوامل الحاكمة لمستقبل الأوضاع في اليمن، وكل ذلك لكي يتسنى لنا رسم سيناريوهات عن المسارات المحتملة لتلك الأوضاع، مع بيان ما يمكن أن يتضمنه كل مسار من تداعيات محتملة على القضايا الرئيسية والمصيرية في البلاد.

 

خلفية عامة:

يمثل الانقسام والصراع مظهرا ملازما للحياة السياسية اليمنية، وغالبا ما توصف البيئة اليمنية بأنها بيئة قلقة وشديدة الاضطراب، ويعود ذلك إلى جملة من العوامل الهيكلية منها: ندرة الموارد الاقتصادية، البنية الاجتماعية القبلية، التمايز الجغرافي والثقافي، طبيعة التطور السياسي، التنافس بين المشاريع السياسية والفكرية، والتدخلات الخارجية المستمرة ([1]).

ومنذ عام 2000م، تقريباً برز مظهر جديد من مظاهر الصراع، فقد انزلقت العلاقة بين تنظيم الشباب المؤمن –الذي تحول إلى الحركة الحوثية- والسلطات في صنعاء إلى معارك مستمرة في محافظة صعدة، انتظمت في ست جولات من الصراع امتدت من عام 2004 وحتى 2010م، وفي كل جولة من الجولات كانت جماعة الحوثيين تحقق المزيد من المكاسب العسكرية والسياسية.

ولم تنتهي الجولة السادسة من الحرب إلا وقد تجاوز الحوثيون حدود محافظة صعدة، وحققوا اختراقات في محافظات عمران والجوف وحجة، وامتلكوا بؤراً للتواجد في محافظات أخرى بما فيها: صنعاء وذمار والمحويت.. إلخ.

وقد كانت الحرب في صعدة واحدة من أبعاد أزمة وطنية شاملة، أخذت في الاتساع والتعقيد منذ عام 2000م، فقد ظهرت في عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية حركات احتجاج مطلبية تحول الكثير منها إلى فصائل سياسية تطالب بالانفصال، وفي الوقت ذاته نشطت بعض الجماعات الجهادية المحسوبة على تنظيم القاعدة، واستهدفت مصالح أجنبية ويمنية، مما ألحق الضرر بالكثير من المصالح الوطنية، وأدى إلى تكثيف التدخل والوجود الأجنبي، واستمرت الأوضاع الاقتصادية في حالة تدهور مستمر.

واتجهت العلاقة بين السلطة والأحزاب الرئيسية (أحزاب اللقاء المشترك) إلى الانسداد والاستقطاب، واتجهت الأخيرة إلى التصعيد الشعبي لدفع السلطة إلى إجراء إصلاحات حقيقية أو العمل على تغيير النظام، خاصة بعد استفحال الأزمات الوطنية الكبرى.

وأثناء الثورة الشبابية بداية عام 2011م، انسحب النظام من مدينة صعدة، وعلى الفور عين الحوثيون محافظاً جديداً، وانتهزوا حالة الصراع بين السلطة وشباب الثورة لمحاولة الاستيلاء على محافظة الجوف، القريبة من مأرب، غير أنهم واجهوا مقاومة قوية من حزب الإصلاح والقبائل الموالية له، مما أوقف زحفهم.

لم تتمكن القوى المشاركة في الثورة من حسم التغيير، واضطرت للقبول بالتسوية السياسية التي تضمنتها المبادرة الخليجية، والتي أتاحت الفرصة لعلي صالح بالعودة إلى المسرح السياسي ومنحته حصانه تحميه من الملاحقة القانونية على خلفية جرائم ارتكابها في حق شعبه خلال فترة حكمه، وقد كان ذلك مقابل توقيعه على بنود المبادرة، ولعل موافقة الأطراف السياسية والقوى الثورية على عدم مقايضة حصانته من المساءلة بخروجه من اليمن أحد أهم العوامل التي أوصلت اليمن إلى ما هو عليه اليوم.

أحدثت المبادرة الخليجية تغييرا جزئيا بإزاحة الرئيس السابق "علي عبدالله صالح" عن الحكم، وإسناد رئاسة الجمهورية إلى "عبدربه منصور هادي" من خلال انتخابات توافقية يكون فيها هو المرشح الوحيد، ومع هذا شهدت إقبالاً واسعاً من قبل المواطنين.

وتشكلت حكومة جديدة بالمناصفة بين حزب المؤتمر الشعبي العام، وأحزاب اللقاء المشترك، وشيئا فشئيا تجاوزت البلاد تحديات الحرب الأهلية، ويعود ذلك الى عدة أسباب أهمها الضغوط الدولية، حيث تشكلت ما يعرف بمجموعة الدول العشر التي تشرف على تطبيق التسوية السياسية، والتي تضم دول مجلس التعاون (باستثناء قطر) والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، إلى جانب مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة "جمال بن عمر" بعد أن تم وضع اليمن تحت إشراف مجلس الأمن.

وبمجرد تجاوز اليمن لمخاطر الحرب، تراجع الحضور الخارجي، وتغيرت أولوياته، وتعرض التحالف الذي يقوده الرئيس "هادي" لتحديات جدية، وزاد من ذلك طريقة إدارته للدولة، فقد بدا "هادي" عاجزا ومتراخيا وبطيئا في التعامل مع الأحداث، ولم يقم بجهود كبيرة لحشد القوى من حوله، واقتصرت سياساته على إجراء مجموعة من التغييرات في قيادة الجيش، تحت ما يسمى إعادة الهيكلة، والتي ساهمت في إضعاف وتفكيك الجيش.

تركزت سياسة "هادي" على إجراء مؤتمر للحوار الوطني، مع الحرص الشديد على مشاركة الحوثيين فيه، واستجلاب مشاركتهم بتقديم الكثير من التنازلات، واتجه الرئيس إلى فرض رؤيته في إدارة الحوار، وأكثر من ذلك في تحديد مخرجاته، التي كانت محددة سلفا، وهي تغير شكل الدولة إلى دولة اتحادية من عدد من الأقاليم.

وحرص كذلك على تضمين المخرجات ما يحول دون منافسة ابن الرئيس السابق – أحمد علي عبدالله صالح -له في أي انتخابات قادمة، وعندما فشل في إدراج تلك الشروط في وثيقة الضمانات الصادرة عن مؤتمر الحوار، أدرجها بشكل غير مباشر في مخرجات فريق الحكم الرشيد.

أما الحوثيون فقد كانوا يعملون في أكثر من اتجاه، ومن الواضح أنهم اتبعوا استراتيجية شاملة للوصول إلى أهدافهم عن طريق العمل من خارج النظام ومن داخله، ففي الوقت الذي كانوا يحصلوا على الكثير من التنازلات مقابل مشاركتهم في مؤتمر الحوار، نسجوا الكثير من التحالفات لفرض رؤيتهم في إدارة الحوار وصياغة مخرجاته.

وفي الوقت نفسه كانوا يزحفون عسكريا باتجاه مناطق جديدة، وهكذا سيطروا على منطقة "دماج" واتجهوا بعدها إلى حاشد، وسريعا ما حاصروا مدينة عمران، واجتاحوها بعد مقاومه لما يزيد على شهرين من قبل اللواء (310) المرابط في تخومها.

أعلن الحوثيون أنه ليس في خططهم الاستيلاء على صنعاء، ولكن سرعان ما استغلوا محاولة الرئيس "هادي" رفع الدعم عن المشتقات النفطية، وطوقوا صنعاء بمخيمات مسلحة، واخترقوها باعتصامات أمام العديد من الوزارات والمؤسسات الحيوية، في تلك الأثناء كان هناك حوار بين الرئيس والحوثيين، وكان يشرف عليه "جمال بن عمر"، وكان الهدف المعلن هو إيجاد مخرج للوضع قبل انفجاره، وكان من الملاحظ تعمد بعض الأطراف بما فيها "جمال بن عمر" إطالة مدة الحوار، واتضح فيما بعد أن الهدف هو إعطاء الحوثيين مهلة ليتمكنوا من إسقاط صنعاء، وهو الأمر الذي تم يوم 21 سبتمبر 2014م، فقد اجتاح الحوثيون ومن معهم صنعاء بعد تخاذل الكثير من قيادات ووحدات الجيش والأمن، وانسحاب اللواء على محسن من المعركة، واتخاذ قيادة الإصلاح قرار بعدم الدخول في مواجهة مع الحوثيين.

وبمجرد سقوط صنعاء تم التوقيع على اتفاق "السلم والشراكة الوطنية"، ورفض الحوثيون التوقيع على الملحق الأمني التابع له، والذي ينص على خروجهم من صنعاء، ثم عادوا ووقعوا عليه في وقت لاحق.

لم يكتف الحوثيون بصنعاء، واتجهوا للسيطرة على محافظة ذمار جنوب صنعاء، ثم إب، وفي رسالة شديدة المغزى اتجه الحوثيون بأنصارهم صوب منطقة "رداع" و"قيفة" التابعة لمحافظة البيضاء، وهناك دارت معارك شرسة مع رجال القبائل، وكان من الملاحظ حصول الحوثيين على دعم عسكري من الرئيس "هادي" فضلاً عن مساندة طائرات الـ " Drones" الأمريكية.

حاول الحوثيون دخول محافظة تعز غير أنهم وجدوا مقاومة مجتمعية ورفضاً شعبيّاً، وخوفا من إثارة الحساسيات المذهبية تراجعوا عن اقتحام المحافظة عسكريّاً، فيما تداعت قبائل الجوف ومأرب والتي كانت قد خاضت حروباً مع الحوثيين لمواجهة أي زحف حوثي باتجاههما، وبالفعل نجح أفراد القبائل في التصدي له وإجباره على التراجع، وثمة أسباب حالت بين الحوثي وطموحه بالاستيلاء على تلك المناطق، يعود ذلك لعدم وجود حاضنة شعبية له في تلك المناطق، فضلاً عن التضامن والتماسك القبلي هناك.

وفيما يخص الرئيس "هادي" فعلى الأرجح أن الحوثيين لم يكونوا يرغبون في إزاحته عن السلطة، وكان يخططون لإدارة البلاد تحت مظلته، غير أن مستوى تجاوبه على الأرجح لم يكن بمستوى ما يأملون، وأكثر من ذلك فقد خشوا أن يعمل على مناورتهم وإحراقهم شعبيّاً كما عمل مع الإصلاح من قبل، فاتجهوا إلى ممارسة الضغوط عليه، وانتهى الأمر إلى محاصرة بيته، واقتحام دار الرئاسة ومحاصرة رئيس الحكومة "خالد بحاح".

قابل الرئيس سلوك الحوثيين بعمل مماثل، فقد سارع مع رئيس الحكومة إلى تقديم استقالتهما، مما أربك الحوثيين وغير من المشهد، وعلى الفور دخل الحوثيون مع بقية القوى السياسية في حوار حول كيفية سد الفراغ الناجم عن تقديم الرئيس والحكومة لاستقالتهما، وبسبب عدم تجاوب بعض الأطراف السياسية مع مطالبهم، سارع الحوثيون إلى تبني إعلان دستوري، يحل مجلس النواب وينظم فترة انتقالية لمدة عامين، ويشكل مجلساً وطنيّاً يختار بدوره مجلساً رئاسيّاً يدير البلاد، وكل ذلك بمرجعية ما أسموه "اللجنة الثورية العليا".

أعلنت عدد من القوى السياسية والاجتماعية رفضها لما يسمى بـ "الإعلان الدستوري"، واتهمت الحوثيين بالانقلاب على الشرعية الدستورية، وقابله حزب المؤتمر بامتعاض لأنه حل مجلس النواب الذي يحظى فيه المؤتمر بغالبية كبيرة، كما حرمه إعلان الحوثيين من إمكانية العودة للحكم مجدداً، من خلال تولي رئيس مجلس النواب السلطة بحكم الإجراءات الدستورية.

 

تغيير في المعادلة:

استمر الحوار بين القوى السياسية حتى بعد الإعلان الدستوري، وفي الوقت الذي كانت المفاوضات تدور حول طبيعة المؤسسات الجديد التي يمكن تشكيلها لسد الفراغ، في هذه الأثناء تمكن الرئيس "هادي" من الخروج من منزله والانتقال إلى عدن، وبقدر ما كان هذا الأمر مثيرا ودراماتيكيا، بقدر ما غير الكثير من ملامح المشهد اليمني، وقلب موازين المعادلة السياسية.

فانتقال "هادي" أدى إلى أنه لم يعد هناك فراغ دستوري، خاصة وأن الرئيس أعلن تراجعه عن استقالته، ورفضه للانقلاب وممارسته لأعماله كرئيس للجمهورية، ومثّل انفراجة للقوى الرافضة لسيطرة الحوثيين وفي نفس الوقت إرباكاً للحوثيين وحزب المؤتمر، كما أن انتقال الرئيس هادي أدى إلى خلق شكل جديد واصطفاف وطني بين من يؤمن بشرعية هادي ومن يدين ممارسات الحوثي، هذا على الصعيد الداخلي، أما على الصعيد الخارجي فتواجد هادي في عدن شكل حرجاً للقوى الدولية والإقليمية خاصة التي تقف إلى جانب جماعة الحوثي ولو سرّاً. 

أما الدول الإقليمية والدولية المناهضة لانقلاب الحوثيين على شرعية السلطة واستيلائهم على مؤسسات الدولة، بما فيها مؤسسة الجيش والأمن، فخروج هادي مثَّل فرصة أمام تلك الدول للضغط على جماعة الحوثي في الداخل للتراجع والكف عن ممارساتها غير الشرعية والضغط على المجتمع الدولي لعدم التعاون أو الاعتراف بسلطة الحوثي تحت مبرر أنها الخيار الوحيد، لأن وجود هادي في عدن يعد الخيار الرسمي والشرعي في ذات الوقت.

 

ثانياً: كيف تمكن الحوثيون من فرض سلطتهم؟

كثيراً ما يُثار سؤال حول كيف تمكن الحوثيون من السيطرة على السلطة في مناطق واسعة من اليمن بما فيها العاصمة صنعاء، وفي مدة زمنية وجيزة؟

والحقيقة أن سيطرة الحوثيين على السلطة كانت نتيجة لتضافر عدد كبير من المتغيرات الداخلية والخارجية، التي تفاعلت فيما بينها، وأوجدت بيئة مفككة ومفتوحة، أحسن الحوثيون النفاذ إليها، ويمكن أن نشير هنا إلى أبرزها:

 

تشتت القوة وتوزعها على أطراف متصارعة:

ظل نظام الرئيس السابق "علي عبدالله صالح" منذ 1978م، متماسكاً، غير أنه تعرض منذ 1997م تقريبا للانقسام، وتحولت العلاقة بين أقطابه الرئيسية إلى التنافس ثم إلى الصراع.

 فقد انتقضت عرى التحالف بين حزب الإصلاح والرئيس السابق عام 2001م، واتجهت العلاقة بين الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر وأنجاله فيما بعد من جهة والرئيس السابق علي عبدالله صالح من جهة ثانية تدريجيا نحو الصراع.

التحول الأكبر تمثل في حدوث انقسام بين الأقطاب العسكرية داخل نظام الحكم، فقد أخذت المسافة في الاتساع بين الرئيس السابق، والرجل الثاني في النظام اللواء "علي محسن الأحمر" قائد المنطقة العسكرية الشمالية الغربية والفرقة الأولى مدرع، بسبب اتجاه الأول إلى إضعاف الوحدات العسكرية التي يقودها الثاني، وإنشاء وحدات جديدة في الجيش والأمن تحت قيادة نجله "أحمد" بهدف توريث السلطة للأخير، ولعل الجنرال علي محسن الأحمر كان أهم العقبات التي تقف في طريق مشروع التوريث، ما يعني أن من أسباب الحروب "الغامضة" مع الحوثيين هو التخلص من الجنرال علي محسن أو على الأقل إضعاف نفوذه.

هذا التفكك والانقسام أضعف النظام السياسي، وأدى إلى تراخي سلطة الدولة وهشاشتها، وانعكس سلبا على القضايا والأزمات الوطنية، من خلال التخاذل في التعامل معها، وفي بعض الأحيان محاولة توظيفها للضغط أو إضعاف الطرف الآخر، على النحو الذي تم في الحروب الستة التي دارت في صعدة.

وقد كان هذا الانقسام أحد العوامل الرئيسية التي ساهمت في إزاحة الرئيس السابق عن الحكم عام 2011م، بعد انضمام اللواء علي محسن وعدد كبير من القيادات والوحدات العسكرية إلى الثورة، غير أنه أحدث انقسامات عميقة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، وزاد من ذلك أن المبادرة الخليجية لم تمكّن طرفاً واحداً من حسم الوضع لصالحة، وبالتالي أبقت وفي مرحلة لاحقة عززت من تلك الانقسامات، حيث أصبح الجيش منقسم ويعاني من اختراقات اجتماعية وسياسية واسعة، ويخضع لولاءات متعددة.

وفي مثل هذا الوضع اتجه الرئيس السابق إلى نسج خيوط التحالف مع الحوثيين، وتوظيفهم للانتقام ممن أزاحه عن السلطة، ولهذا فقد أمد الحوثيين بالمعلومات والخطط، وأوعز لأنصاره بالانضمام إليهم، وكان له دور كبير في تحييد وتخذيل القبائل في المناطق التي استولى عليها الحوثي، وفي التغطية على الأعمال التي يقومون بها بتصوير الأمر على أنه صراع بين الحوثيين وبعض الأطراف السياسية والعسكرية والقبلية.

وشارك بدور كبير في تمددهم عسكريا ابتداءً من دماج، ومرورا بحاشد وعمران، وصنعاء، وصولاً إلى إب والحديدة والبيضاء.

 

دور مشبوه للرئيس هادي:

بدوره فقد كان أسلوب الرئيس "هادي" في إدارة الدولة أحد العوامل المهمة التي سهلت للحوثيين السيطرة على مناطق واسعة من البلاد، فقد افتقد أدائه السياسي للفاعلية، واتسم بالعجز والتباطؤ الشديد، واستمر منكفئا ومعزولا في منزله ولم يبذل جهوداً كافية لحشد القوى السياسية وقطاع واسع من الشعب خلفه.

 وفوت أداؤه شديد البطء استغلال الأحداث الكبيرة لفرض تغييرات جوهرية في بنية النظام، وفي إحداث تغييرات إيجابية يلمسها المواطنون في حياتهم اليومية، الأمر الذي أصاب الكثير بالإحباط وفقدان الأمل، وحالت بينهم وبين التعاطف مع الوضع الجديد، ومع سلطة الدولة، ومؤسساتها ورموزها، ولهذا لم تحرك مشاهد اقتحام الحوثيين لرئاسة الجمهورية ولمنزل الرئيس نفسه المواطنين، وظلوا ينظرون إلى الأمر بقدر من اللامبالاة، برغم عدم رضى قطاع واسع منهم عما يقوم به الحوثيون.

وطوال فترة حكمة ظل الرئيس "هادي" يراهن على عامل واحد هو موقف الأطراف الدولية، وعلى نحو ما ذكرنا اتجه إلى فرض رؤاه في إدارة الحوار الوطني وفي صياغة مخرجاته، وفي مسودة الدستور برغم أن موازين القوى كانت مختله لحساب الأطراف المعارضة لذلك (المؤتمر والحوثيون)، وظل يوفر للحوثيين ذرائع ومبررات للأعمال التي يقوموا بها، ومن ذلك إصراره على فرض جرعة في أسعار المشتقات النفطية.

وأكثر من ذلك فقد اتجه للعب بقضية التوازنات، ويُتهم على نطاق واسع بأنه خذل – وربما تآمر ضد -حلفائه، فقد سهل دخول الحوثيين إلى حاشد للتخلص من نفوذ "أبناء الشيخ الأحمر"، ولم يقدم الدعم الكافي للواء (310) الذي كان يرابط في مدينة عمران في محاولة لإضعاف حليفه الرئيسي اللواء على محسن الأحمر، مع العلم أن اللواء على محسن يقف خلف اختيار عبدربه وزيرا للدفاع، ومن ثم نائبا لرئيس الجمهورية، وكان أكثر الأطراف دعما له ليحل محل الرئيس السابق.

 وأكثر من ذلك فقد شارك وزير الدفاع "محمد ناصر أحمد" المقرب من الرئيس في التآمر على اللواء (310) بإبلاغ سفراء الدول العشر بأن قائد اللواء "حميد القشيبي" لا يتلقى الأوامر من وزارة الدفاع، وليس بمقدور الرئيس عزله، وكل ذلك من أجل نزع مشروعية مواجهة ذلك اللواء للحوثيين، وتصوير ما يدور في عمران على أنه صراع بين مجموعات مسلحة، وأن الجيش يقف على مسافة متساوية من الجميع.

 وبمجرد سقوط المعسكر، والتمثيل بجثة قائده، سارع الرئيس "هادي" إلى زيارة مدينة عمران، وأعلن من هناك أن محافظة عمران عادت الآن إلى حضن الدولة، في رسالة منه للسعودية.

وبعد سقوط عمران لم يتبن الرئيس موقفاً جاداً يمنع الحوثيين من اجتياح صنعاء، وبعد سقوطها عمل على تسهيل وصولهم إلى رداع والبيضاء، وكان يبلغ شيوخ القبائل أن الحوثيين لا يستهدفونهم بقدر ما يستهدفون أطراف سياسية معينة.

وبسبب هذا الأداء وتلك المواقف تحول الرئيس في كثير من الأحيان إلى عبء على الأطراف التي أوصلته إلى السلطة، وخاصة حزب الإصلاح، الذي كان في وضع شديد الإحراج، فقد كانت سياسات الرئيس تضعه أمام خيارات صعبة، إما أن يتبنى مواقف غير مقتنع بها، ومن شأنها أن تحمله تبعات كبيرة، أو أن يترك الرئيس وحيدا في مواجهة أطراف تستهدف الجميع.

 

تحولات عميقة في النسق الإقليمي

امتد تأثير التحولات العميقة التي حدثت في الإقليم إلى اليمن، وشاركت في تمكين الحوثيين من فرض نفوذهم على الأرض، فقد كان الانقلاب على الرئيس المصري "محمد مرسي" وإزاحة الإخوان المسلمين عن السلطة في مصر، بمثابة زلزال كبير هز المنطقة، وكان من جملة تداعياته أن القوى الجديد التي شاركت في حكم اليمن أضحت بلا سند أو ظهر إقليمي يحميها، كما أنه أعاد الثقة في القوى المناوئة لهم، وجعلهم في دائرة الاستهداف من قبل بعض دول الإقليم الثرية، التي تبنت استراتيجية إسقاط القوى التي جاءت بها ثورات 2011م.

وأمر مثل هذا جعل تلك القوى تتحسب في تصرفاتها السياسية، وهو ما دعاها إلى الابتعاد عن استخدام العمل العسكري في مواجهة الحوثيين إلا في أضيق الحدود، خوفا من أن ترصّدهم وإمكانية تصنيفهم كجماعات عنف.

 

الدور السعودي وتغيّر أولوياته:

وقد كان أبرز هذه المتغيرات تراجع الدور السعودي الرسمي عن التأثير في مسار الأوضاع في اليمن، وغيابه عن الحضور في المحطات والمنعطفات الرئيسة التي حدثت منذ عام 2012م، تقريبا، وهو ما أوجد فراغاً إقليميّاً تمكن الحوثيون وحلفاؤهم من استغلاله.

ويرجع الغياب السعودي الرسمي عن اليمن إلى عام 1992م، نتيجة لموقف الحكومة اليمنية من حرب الخليج الثانية، فقد قررت الرياض إبقاء العلاقات الرسمية باليمن في حالة قطيعة أو في حدود دنيا لا يسمح بتجاوزها.

 استمر هذا الوضع حتى عام 2000م، حيث عاد الاهتمام السعودي الرسمي باليمن على إثر التوقيع على اتفاقية الحدود المشتركة بين البلدين منتصف عام 2000م، وبرغم أن هذا الاهتمام لم يكن بمستوى تطلعات اليمنيين، إلا أنه أسهم في توفير بعض الدعم للاقتصاد اليمني، وفي قطع خطوات باتجاه إمكانية انضمام اليمن إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربي.

ومرة أخرى تعرض الحضور الرسمي السعودي باليمن لانتكاسة جديدة على إثر إحساس قيادة المملكة بأن الرئيس السابق عمل على توريطها في حرب مفتوحة ومحرجة مع الحوثيين أواخر عام 2009م.

ومجدداً عاد ذلك الحضور عام 2011م، في سياق مخاوف القيادة السعودية من إمكانية انزلاق اليمن إلى حرب أهلية تكون لها تداعيات أمنية واستراتيجية خطيرة على المملكة والمنطقة، ولتجنب ذلك تبنت المملكة تسوية سياسية أخرجتها من خلال مجلس التعاون الخليجي.

وفي هذا السياق استقبلت الرياض الرئيس السابق بعد تعرضه لمحاولة اغتيال، ومارست ضغوطاً على الأطراف اليمنية للقبول بالمبادرة الخليجية،.. وبعد أن ابتعدت اليمن خطوات من إمكانية اندلاع حرب أهلية، عادة السياسة السعودية إلى حالة الانكماش السابقة ولكن مع فارق جوهري، هو انكماشها هذه المرة والذي تم على المستويين الرسمي والفعلي معا.

فالمملكة تدير علاقاتها باليمن من خلال مجالين رئيسيين؛ مجال رسمي تقيمه مع مؤسسات الدولة، ومجال غير رسمي، من خلال مد صلات سياسية ومالية واسعة مع الكثير من الشخصيات الاجتماعية والسياسية والعسكرية في الداخل اليمني، وهذه الصلات تشرف عليها لجنة تتبع مجلس الوزراء السعودي تُعرف بـ "اللجنة الخاصة".

وغالبا ما تكون الصلات غير الرسمية هي الأدوات الرئيسية لتنفيذ السياسة السعودية تجاه اليمن، وتظل فاعلة حتى في حال ضعف العلاقات الرسمية، كما كان عليه الوضع في الفترة (1991- 2000م)، غير أن السياسة السعودية في الجانب غير الرسمي تعرضت لتغيرات ملموسة بعد التوقيع على اتفاقية الحدود بين البلدين عام 2000م، حيث طلب الرئيس السابق "علي عبدالله صالح" من ولي العهد السعودي –آنذاك- عبدالله بن عبدالعزيز في إطار صفقة إبرام اتفاقية الحدود إلغاء اللجنة الخاصة وتخفيف الصلات مع الشخصيات والقوى الفاعلة، وتحويل موازنتها إلى السلطات الرسمية اليمنية، وهو ما تم بالفعل ولكن بشكل جزئي.

حيث اتجه النفوذ السعودي غير الرسمي في اليمن نحو التراجع بشكل أكبر بعد وفاة ولي العهد السعودي الأمير "سلطان بن عبدالعزيز"، الذي ظل ممسكاً بالملف اليمني، وملم بتفاصيله، ومشرف على عمل اللجنة الخاصة طوال المرحلة السابقة[2].

وأكثر من ذلك وفي إطار موقف القيادة السعودية من تطورات أحداث الربيع العربي بشكل عام، والتطورات في مصر على وجه التحديد، تغيرت أولويات المملكة في اليمن، فقد قدرت بعض الأطراف داخل النظام السياسي في المملكة أن الثورات الشعبية تحمل مخاطر حقيقية على النظام.

 ولذا فقد سارعت إلى دعم الانقلاب الذي حدث في مصر، واتخاذ إجراءات شديدة تجاه ما اعتبرته الحامل الرئيس لتلك الثورات، وهو تنظيم الإخوان المسلمين، حيث تم إدراج معظم فروعه ضمن التنظيمات الإرهابية، وبالتأكيد فإن المملكة عاشت نوع من حالة الخلط في أولوياتها خاصة في ظل سيطرة التيار الليبرالي على مراكز صناعة القرار.

وعلى الرغم من خصوصية وتعقيدات الواقع اليمني إلا أن السلطات السعودية وقعت تحت تأثير ما أطلق عليه بعض الكتاب اليمنيين بـ"فوبيا الإخوان"، ومعناه تضخيم السلطات في الرياض لخطر الإسلاميين، وتقديمه على أي خطر يمكن أن تشكله قوة أخرى بما في ذلك الحوثيون.

وهكذا فإن غياب المملكة عن اليمن وتحول أولوياتها السياسية والأمنية يُعد من العوامل المهمة التي ساعدت على تمدد الحوثيون، فقد ضعفت أو انقطعت علاقاتها مع حلفائها والقوى المحسوبة عليها، (أنجال الشيخ الأحمر، واللواء علي محسن)، وهي القوى التي كان بإمكانها أن توقف التمدد العسكري للحوثيين.

وبجملة بإمكاننا القول إن تمدد الحوثيين وتحولهم إلى سلطة أمر واقع زحف –جزئيا- في سياق الفراغ الكبير الذي تركه انسحاب النفوذ السعودي من اليمن من جهة وتغيير أولويات وتحالفات الرياض في اليمن من جهة ثانية.

ومع وصول الملك "سلمان بن عبدالعزيز" إلى سدة الحكم، بدا من الواضح أن الرياض غادرت السياسة التي كانت في عهد الملك الراحل "عبدالله بن عبدالعزيز" أو أنها في طريقها إلى ذلك، فقد برزت بعض مظاهر التغيير الإيجابي في سياسة المملكة تجاه المنطقة عموما وتجاه اليمن بشكل خاص، ومن ذلك عودة الدفء في العلاقات مع تركيا وقطر، وبروز مؤشرات على إمكانية بناء علاقات إيجابية مع حركة حماس، وعودة الحضور السعودي في اليمن، من خلال رفض الانقلاب الحوثي، وإسناد الرئيس هادي، وحشد الدعم الإقليمي والدولي له، وتبني إقامة حوار بين القوى السياسية اليمنية تستضيفه الرياض، وهناك دلائل كبيرة على أن المرحلة المقبلة ستشهد تنسيقاً وتكاملاً بين المملكة والقوى الفاعلة في اليمن لخلق توازن يكبح تمدد الحوثيين ويحول دون استفرادهم بالسلطة.

 

دور إيراني فاعل:

وبخلاف ذلك فإن الدور الإيراني كان حاضرا وبكثافة في اليمن، ووفر حاضنة إقليمية للمشروع الحوثي في الأبعاد السياسية والعسكرية والإعلامية واللوجستية، وبخلاف الدور السعودي فقد اتسم الدعم الإيراني للحوثيين بالفاعلية من جهة، والتكامل من جهة أخرى، من خلال التنسيق والتكامل بين الإسناد الذي يُقدم للحوثيين من قبل طهران ولبنان، وسوريا، والجماعات الدينية في دول الخليج.

هذا الحضور زود الحوثيين بالتخطيط والمعلومات، والتغطية الإعلامية، وتوفير السلاح والأموال، وكسب الحلفاء الخارجيين، والتنسيق مع الأطراف المحلية، وانعكس على الأرض من خلال تمكين الحوثيين من التوسع العسكري والسياسي، فقد أشارت بعض التقارير إلى أن أمين عام حزب الله هو الذي رسم للحوثيين طريقة مشاركتهم في مؤتمر الحوار الوطني وأشرف على هذا الملف، فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن مخطط إسقاط صنعاء تم الترتيب له في بيروت، وليس في صعدة.

 

استراتيجية أمريكية جديدة

ربما أن التغيير الأكثر أهمية في الدور الخارجي جاء في سياق التحول غير المعلن في الاستراتيجية الأمريكية تجاه اليمن، فبحكم هيمنتها على ميزان القوة في العالم، ووجود فرع نشط لتنظيم القاعدة في اليمن، يقود العمليات العسكرية في اليمن والمنطقة، والعالم، بعد التضييق على فرع القاعدة في أفغانستان، وبسبب ضعف السلطة والانقسامات داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية، تزايد الحضور الأمريكي في اليمن، وبلغ ذروته عام 2011م، وما بعدها.

وعلى الأرجح أن الإدارة الأمريكية تبنت سياسة جديدة في اليمن، تقوم على عدم التعويل على السلطات اليمنية في محاربة ما تسميه بـ"الإرهاب"، وتجاوز حالة التلاعب والابتزاز التي كان يقوم بها نظام الرئيس "علي عبدالله صالح" والضعف في عهد "عبدربه هادي"، إلى وضع جديد تتوفر فيه الظروف لاحتراب داخلي بين جماعات مسنودة إلى مرجعيات مذهبية وطائفية على النحو القائم في سوريا والعراق، وبطبيعة الحال فإن الحوثيين هم الطرف المناسب في مثل هذا الوضع، ولهذا فقد عمل الأمريكيون على تسهيل تمدد الحوثيين وانتقالهم إلى عمران وصنعاء، ويسروا كذلك انتقالهم إلى أب ورداع وقيفة، وكل ذلك من أجل مواجهة تنظيم القاعدة.

لعب السفير الأمريكي دور المخرج الذي أدار الأمور من خلف الستار، ووجه الأمور نحو غاية واضحة وهي تمكين الحوثيين من زمام الأمور ليتولوا مواجهة تنظيم القاعدة.

وحيث إن الأمريكيين يفهمون عقلية الرئيس "هادي" جيدا، فقد أداروا الأمور من خلاله، إذ أوعزوا إليه بضرورة مشاركة الحوثيين في مؤتمر الحوار وأن يقدم تنازلات كبيرة لضمان مشاركتهم، وأوعزوا إليه كذلك بضرورة عدم مواجهتهم بقوات الجيش والأمن، وإبعاد الدولة عن أن تكون طرفا في مواجهتهم العسكرية، والاكتفاء بالمناورات من خلال تشكيل لجان للوساطة، يشكلها الرئيس في كل مرحلة من مراحل النزاع، والعمل على التغطية على زحفهم العسكري من خلال اتفاقيات متتالية، وقد ساعد على تنفيذ هذا السيناريو، اتكال الرئيس "هادي" على الدور الأمريكي، وتعويله عليه في مواجهة التحديات التي كانت تعترض نظامه.

ومن ناحية أخرى، وبرغم معرفة الأمريكيين بالنفوذ الكبير للرئيس السابق في الجيش، واستغلاله ذلك لبناء علاقات تخدم الحوثيين وتضعف نظام الرئيس "هادي"، إلا أنهم استمروا في غض الطرف، ولم يمارسوا أي ضغوط تمنع ذلك.

ومن ناحية ثالثة، فإن الأعمال العسكرية التي قام بها الحوثيون بدءاً من إسقاط عمران واجتياح صنعاء، واقتحام دار الرئاسة ومحاصرة رئيس الحكومة لم تقابل بموقف أمريكي يتناسب مع جسامة تلك الأعمال، واكتفى سفراء الدول العشر بسلسلة من البيانات التي تحتوي على صياغات إنشائية وتكتفي بالتهديد، لرفع الحرج وليس أكثر.

وحتى عندما ألح الرئيس هادي بضرورة إدراج الشخصيات التي تعيق التسوية السياسية تحت طائلة العقوبات، اكتفت الولايات المتحدة ومعها بقية الدول الغربية بفرض عقوبات تجاه الرئيس السابق وشخصين من القيادات الميدانية للحوثيين، وهي عقوبات شكلية وغير ذات أثر في الواقع العملي.

وعلى أثر الإعلان الدستوري أبدت الولايات المتحدة قبولاً بذلك، وتخلت سريعاً عن الرئيس هادي، وأعلنت أنها مع انتقال سلس للسلطة، وأنها لم تكتشف وجود صلات بين الحوثيين وإيران، وأعلن بعض المسؤولين الأمريكيين أن هناك تعاوناً بين واشنطن والحوثيين لمواجهة أعمال تنظيم القاعدة.

ومن ناحية رابعة فقد ساندت الطائرات الأمريكية الحوثيين عندما اشتدت المعارك بينهم وبين تنظيم القاعدة ورجال القبائل في منطقة "قيفة" و"رداع" بمحافظة البيضاء، حيث كثفت الطائرات الأمريكية من ضرباتها تجاه رجال القبائل وأنصار الشريعة.

كما استمرت ضربات الطائرات بدون طيار أثناء ما كان الرئيس "هادي" معزولا في بيته تحت الإقامة الجبرية، وهو ما يشير إلى أن الحوثيين هم من يتولى إدارة ملف التنسيق الأمني مع الجانب الأمريكي، وتحديدا في مجال تنسيق الضربات تجاه تنظيم القاعدة والتنظيمات المحلية المرتبطة به، إذا لم يكن كذلك كما يقول الأمريكيون، فهذا يدل على أن أمريكا تمتلك جيشاً خاصّاً ويعمل لصالحها ولا يتأثر بتغير المناخ السياسي ولا حتى الأمني في اليمن!!

 

ثالثاً: العوامل الحاكمة:

لكي نتمكن من رسم بعض المسارات المحتملة لمستقبل اليمن علينا أولاً تحديد العوامل الحاكمة التي على ضوئها ستتحدد مسارات اليمن المستقبلية.

وتأتي في مقدمة هذه العوامل رغبة وقدرة الحوثيين في إنفاذ مشروعهم في الاستيلاء على السلطة، ويتمثل العامل الثاني في السلوك السياسي للرئيس هادي، أما العامل الثالث فيتعلق بمواقف القوى الرئيسية اليمنية من المشروع الحوثي، وطبيعة العلاقات فيما بينها، العامل الرابع يتصل بموقف القوى الخارجية من انفراد الحوثيين بالسلطة، ونستعرض هنا هذه العوامل:

قدرة الحوثيين على إنفاذ مشروعهم:

يمضي الحوثيون قدماً في إنفاذ مشروعهم المتمثل في الاستيلاء على السلطة وإعادة صياغة الدولة والمجتمع في ضوء رؤيتهم الفكرية والسياسية، والتي تقوم على نظرية الولاية، أي حصر الحق في الحكم على ذرية الإمام على بن أبي طالب (كرم الله وجهه ورضي عنه) من زوجته فاطمة (رضي الله عنها وأرضاها) وإحياء المشروع التاريخي الذي يقوم على مناصرة آل البيت في وجه التيارات الفكرية والدينية التي لا تعترف بهذه الرؤية، أو تقاومها.

وقد قطع الحوثيون بعض المراحل في إنجاز هذا المشروع، ولاسيما في شقه السياسي، ولا يزال أمامهم الكثير (فرض سلطتهم على بقية المحافظات، وإعادة ترتيب الأوضاع السياسية والاقتصادية والعسكرية والفكرية في البلاد).

وقد أثارت الخطوات التي قام بها الحوثيون قدرا من الممانعة المجتمعية، ورفضاً من قبل عدد من القوى الداخلية والخارجية، وتحفزا من قوى اجتماعية وسياسية لمواجهتهم إذا ما استمروا في الزحف عسكريا باتجاه بعض المناطق.

وهنا فإن مستقبل اليمن سيتحدد على نحو بعيد بناءً على سلوك الحوثيين تجاه تنفيذ مشروعهم السياسي، ولا نبالغ إذا قلنا إن مستقبل اليمن سيتحدد على الخيارات التي سيتبناها الحوثيون، وهي خيارات قد لا تخرج عن التالي:

  1. التركيز في المرحلة الراهنة على تعزيز تواجدهم في المناطق التي باتت تحت نفوذهم، والاهتمام بتحقيق اختراقات سياسية في المناطق الأخرى، لإدراكهم أن أي عمل عسكري باتجاه المناطق التي لا تزال خارج سيطرتهم قد يثير مخاطر وتحديات وأعباء تقع فوق طاقتهم العسكرية والسياسية.
  2. المضي قدما في نهجهم القائم على المغامرة، من خلال اعتماد خيار العمل العسكري، لإتمام السيطرة على باقي المناطق في البلاد، دون اعتبار لأي ردود فعل داخلية أو خارجية.
  3. التجاوب مع الضغوط الداخلية والخارجية وتقديم بعض التنازلات من خلال حوار مع القوى السياسية يجري داخل أو خارج اليمن، يتم فيه تقديم تنازلات مثل الانسحاب من مؤسسات الدولة في العاصمة صنعاء، مقابل إدماج عدد كبير من أنصارهم في مؤسسات الجيش والأمن.

ولا شك أن لكل واحد من تلك الخيارات من العوامل والمتغيرات ما يدعمه وما يقلل من فرص وقوعه أيضا، كما أن كل خيار سيتجه بالتطورات في المشهد اليمني باتجاه سيناريو معين، سنشير لها في فقرة خاصة.

 

سلوك الرئيس هادي:

بانتقاله إلى عدن احتفظ الرئيس "هادي" لنفسه بدور مؤثر في مستقبل اليمن، غير أن هذا الدور سيتحدد بناءً على ثلاثة أمور: أداؤه السياسي، وموقفه من الحوثيين، والأهم من ذلك موقفه من الوحدة،.. فبقاء أداء الرئيس هادي على النمط والمستوى الذي كان عليه منذ توليه الرئاسة عام 2011م، سيؤدي إلى فشل تشكيل جبهة ممانعة قوية تخلق توازناً مع الحوثيين، وقد يدفع الكثيرين إلى عدم الذهاب بعيدا في مقاومتهم باعتبار أن خيار الحوثيين لن يكون أسوأ من خيار "هادي"، وسيكون الوضع على خلاف ذلك إذا غير الرئيس من أدائه إيجابيّاً، حيث سيعزز من تماسك وقدرة الجبهة التي تقاوم الحوثيين، ويسهم بشكل كبير في تغيير معادلة القوة.

موقف الرئيس "هادي" من الحوثيين سيكون أيضاً من العوامل التي ستؤثر على مستقبل الأوضاع في البلاد، فانتهاجه للتصعيد معهم قد يدفع الأمور باتجاه الخيار العسكري، وانصرافه عن هذا الخيار، قد يعزز من الخيارات غير العسكرية.

وأهم من ذلك كله، هو موقف الرئيس من الوحدة، فإذا تمسك  بخيار الوحدة، وعزز انحيازه إليها بالكلية، فإن هذا الموقف سينعكس على بقية المشهد السياسي اليمني، وخلاف ذلك تماما استبطانه لمشروع الانفصال ومناورته لتنفيذه، أو تبنيه لموقف معلن لحساب التشطير، ففي كلا الأمرين سيدفع بالمشهد اليمني باتجاه سيناريو سيء يتصل بالاقتتال والتشظي.

 

موقف وعلاقات القوى الرئيسية:

لن يقتصر التأثير في مستقبل اليمن على رغبة وإرادة الحوثيين وحدهم، وإنما على موقف بقية القوى الرئيسية، وكما رأينا فإن تفتت القوة السياسية وتوزعها على عدد من الأطراف المتصارعة ساهم ولا يزال في تسهيل تمدد واتساع نفوذ الحوثيين.

وقد أفرزت التطورات الأخيرة، وخاصة منذ انتقال الرئيس "هادي" إلى عدن تبلور جبهتين رئيسيتين، الأولى تدعم الإجراءات التي اتخذها الحوثيون، ويطلق عليها خصومها "جبهة الانقلابيين" وتتشكل من الحوثيين والمؤتمر، وهي لا تعترف بشرعية هادي، وتسعى لتجاوز مرحلته، وجبهة المقاومة لذلك تتكون من أنصار هادي وحزب الإصلاح والناصري، وشخصيات ومكونات اجتماعية سياسية أخرى.

ولا شك أن مستقبل التطورات في اليمن سيتأثر بطبيعة العلاقة التي ستسود بين القوى الرئيسة في البلاد، وعما سيستمر التماسك في كل جبهة من هاتين الجبهتين، أم أن تغيرا ما سيحدث في خريطة التحالفات؟

فخريطة التحالفات بين القوى الرئيسة في البلاد خلال المرحلة القليلة القادمة ستمثل إطارا محليا للتفاعلات السياسية ومحددا لمسارها في المستقبل.

 

دور القوى الخارجية:

تتصف الحياة السياسية اليمنية بالحضور الكثيف والتاريخي للقوى الخارجية، وقد زاد هذا الحضور منذ الأزمة الوطنية عام 2000م، واكتسب إطاراً قانونيّاً (قرارات مجلس الأمن الدولي)، ومؤسسيا (الدول الراعية للمبادرة الخليجية)، إلى جانب ممثل الأمين العام للأمم المتحدة.

ولقد لعبت الولايات المتحدة الأمريكية –على النحو الذي أشرنا إليه سابقاً– دوراً كبيراً في تسهيل استيلاء الحوثيين على السلطة.

ومع أنه يتوقع ألا يحدث تغييراً جوهريّاً في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه اليمن، إلا في حالة تمكن الحلفاء الإقليميين (السعودية تحديدا) من إقناعها بذلك، أو في حال فشل الحوثيين في القضاء على تنظيم القاعدة، والحد من مخاطرة على أمريكا والدول الغربية، إلا أن إمكانية التحول سيكون لها تأثير على مسار التطورات في اليمن.

وإلى جانب الدور الأمريكي، يبقى الدور الخليجي، والسعودي تحديدا هو الأكثر تأثيراً في مسار الأوضاع في اليمن، ومن الواضح أن السياسة السعودية تعارض استيلاء الحوثيين على السلطة، وتصفه بأنه انقلاب غير مقبول، وسارعت إلى إعلان التأييد للرئيس "هادي" بعد انتقاله إلى عدن، ونقلت سفارتها إلى هناك، وعملت على حشد التأييد العربي وإلى حد ما الدولي لشرعية الرئيس ورفض الانقلاب الحوثي.

ولا شك أن السعودية ستكون من أهم الأطراف الخارجية تأثيراً في مسار الأحداث في اليمن خلال الفترة القادمة، غير مستوى ذلك التأثير سيتحدد بالأفق الذي ستصل إليه السياسة السعودية في مقاومة استيلاء الحوثيين على السلطة في اليمن، بمعنى هل ستعتمد على الأدوات السياسية والاقتصادية لمحاصرة النفوذ الحوثي، وتوفير فرص فشله داخليّاً، وعزله خارجيّاً، وأين سيكون موقع القوى السياسية الداخلية في السياسة السعودية، وهل ستبذل الرياض جهداً في تشكيل جبهة واسعة من القوى اليمنية لمواجهة سيطرة الحوثيين على السلطة.

أم أنها قد تلجأ إلى تبني الخيار العسكري، من خلال دعم الأطراف المناوئة للحوثيين، كما هو الحال مع القبائل في محافظات مأرب والجوف والبيضاء وشبوة، واللجان الشعبية في بقية المحافظات الجنوبية.

الدور الإيراني سيكون له هو الآخر تأثير على مستقبل اليمن، ومع أنه من المتوقع أن يستمر الموقف الإيراني داعما للحوثيين ومساندا لهم، إلا أن مستوى ذلك الدعم وحدوده من العوامل التي ستحدد المسار الذي ستتجه إليه التطورات في اليمن أيضاً، حيث سيعتمد نجاح أو فشل الحوثيين – جزئيا– على مستوى الدعم الذي ستقدمه لهم طهران.

والخلاصة أن المحدد الخارجي يتشابك مع العوامل الداخلية، ويمتلك الكثير من وسائل التأثير، وبإمكانه أن يرجح مسارا ما من المسارات المستقبلية، لاسيما في ظل الانقسام والصراع بين القوى الداخلية، وصعوبة الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها اليمن.

 

رابعاً: السيناريوهات المستقبلية:

تتكثف حالة "اللايقين" يوما بعد آخر حول مستقبل اليمن، ويتعقد المشهد الحاضر بتطورات متلاحقة، وبتعقد الحاضر تزداد صعوبة رسم المآلات المحتملة للمستقبل، ومع كل ذلك، وبالاعتماد على العوامل الحاكمة التي عرضناها سابقا، فإنه يمكن رسم ملامح المستقبل لجهة عامل أساسي، هو تأثير مختلف تلك العوامل والمتغيرات على مدى إمكانية إنفاذ الحوثيين لمشروعهم، وما سيتركه إنفاذ/ إخفاق ذلك المشروع من تداعيات على مجمل الأوضاع الداخلية، وبخاصة: الوحدة، الصراع، الاستقرار، السلام الاجتماعي، الأوضاع المعيشية والاقتصادية.

وهنا بإمكاننا اشتقاق أربعة سيناريوهات، هي على النحو التالي:

 

السيناريو الأول: تنازع بين مركزي حكم

يقوم هذا السيناريو على أن التطورات الداخلية والمواقف الخارجية التي أعقبت انتقال الرئيس "هادي" إلى عدن ستنتج في الأخير مركزين متنازعين، واحد في صنعاء يفرضه الحوثيون وحلفاؤهم بقوة الأمر الواقع، ومراكز أخرى للحكم بقيادة "هادي" في عدن تتمسك بها القوى السياسية والاجتماعية الرافضة لسيطرة الحوثيين، وتدعمه دول مجلس التعاون الخليجي.

ويقتضي هذا السيناريو أن الحوثيين سيستمرون في السيطرة على المناطق التي تحت نفوذهم، وفي المقابل، ستعمل القوى الخارجية، وخاصة المملكة العربية السعودية ودول الخليج على تدعيم سلطة الرئيس "هادي"، فيما ستلتف المناطق والقوى الرافضة للحوثيين حول شرعية الرئيس، ولن تسمح حدود القوة المقسومة على الطرفين، من تمكين أحدهما من فرض إرادته على الآخر، كما أن القضايا الخلافية من العمق والتعقيد بحيث يصعب الوصول إلى حلول وسط.

ومن مخاطر هذا السيناريو أن هذا التنازع قد يؤسس للتشطير وإعادة الانفصال، لاسيما وأن الاحتشاد حول الرئيس هادي قد يأخذ طابعا جهويا وربما تشطيريّاً، وقد يكون واحداً من الحلول التي ستطرح للخروج من تعقيدات هذا الوضع لاحقا هو القبول بالانفصال.

ومما يسند إمكانية حدوث هذا السيناريو، أن الحوثيين قوة فاعلة على الأرض، يصعب دحرهم عسكريا في هذه المرحلة على الأقل، وأن الدعم الخليجي للرئيس "هادي" سيخلق نوعاً من التوازن، بحيث يتكرس نموذج المركزين المتنازعين على الأرض.

غير أن ما قد يحول دون جعل الأوضاع تسير في هذا السيناريو، هو افتقاد الرئيس هادي إلى القدرة على حشد القوى الاجتماعية والسياسية والشبابية خلفه، وضعف إدارته للأمور، كما أنه يتطلب إخلاص "هادي" لخيار الوحدة، وتمسكه به، وهذا أمر ليس محل يقين.

ومما قد يمنع حدوث هذا السناريو أن الحوثيين قد يتجهون إلى التصعيد العسكري، خاصة عندما يتم التضييق عليهم اقتصاديا وسياسيا، لاسيما وأنهم يتصورون أن الطرف المقابل يعاني من فجوة في المجال العسكري، أو لا يرغب في الانزلاق إلى مربع الصراع والحرب.

 

السيناريو الثاني: حرب تفضي إلى تشظي

يستند هذا السيناريو إلى أن تفتت القوة بين الأطراف السياسية ستقود حتما إلى صراع واقتتال داخلي، وأن عدم تمكن طرف من حسم الصراع لصالحة سيدخل اليمن في حرب ممتدة تتشابك فيها تعقيدات الوضع الداخلي، مع الاستقطابات الإقليمية ووجود رغبة دولية في نقل تجربة الاقتتال الداخلي كما هي عليه في سوريا والعراق إلى اليمن، وأن نقل الرئيس هادي إلى عدن قد يكون لتوفير الظروف الموضوعية لهذا الصراع.

وفقا لهذا السيناريو فإن الصراع قد يندلع لسبب ما: انفجار الوضع بين قوات الأمن الخاصة واللجان التابعة لـ"هادي" في عدن، أو نتيجة التصعيد بين الحوثيين من جهة والقوى المعارضة لهم من جهة أخرى حول شرعية الرئيس "هادي"، أو انفجار الوضع المتوتر في محافظتي مأرب والجوف، وقد يكون نتيجة لاندفاع الحوثيين للخروج من حالة الحصار والعزلة التي قد تفرض عليهم، وقد يكون لاستباق أي خطوات لفرض الانفصال كواقع في المحافظات الجنوبية.

وأيّاً ما كان السبب في حدوث الصدام فإن استخدام الحوثيين للقوة للسيطرة على عدن وبقية المحافظات، قد يشعل الحرب في أكثر من محافظة، ونتيجة لدعم الدول الخليجية للأطراف الاجتماعية والسياسية المعارضة للحوثيين فإن طرفا ما لن يتمكن من فرض سلطته، فتتولد حرب ممتدة، وفي مرحلة ما قد تتجه تلك الحرب لتستند إلى عوامل مذهبية وجهوية، من خلال حدوث اصطفاف مذهبي أو مناطقي.

 

السيناريو الثالث: توافق مرحلي

الخيار المستقبلي في هذا السيناريو يقوم على أن ضغط الواقع، وخطورته، وعدم تمكن طرف من فرض سلطته تدفع الأطراف إلى حوار سياسي يشارك فيه الرئيس هادي، وبقية الأطراف، يتم في اليمن، أو تشرف عليه دول مجلس التعاون الخليجي، ويتم فيه التوافق حول بعض القضايا الخلافية، بما فيها وضع الحوثيين في بنية السلطة، وشكل الدولة، ووضع الجنوب، وكيفية إدارة المرحلة الانتقالية وصولا إلى انتخابات رئاسية ونيابية تنقل اليمن إلى مرحلة جديدة.

ومما يسند هذا السيناريو هو موافقة الملك سلمان بن عبدالعزيز على استضافة المملكة لحوار بين الأطراف اليمنية، ودفع دول مجلس التعاون للأمور في هذا الاتجاه، إضافة إلى خبرة اليمنيين الطويلة في الحوار، حتى في أوقات الصراع، وحالة التوازن السياسي التي بدأت تتخلق بفعل موقف بعض القوى الإقليمية وتمكن عدد من الوزراء من الانتقال إلى عدن، فضلا عن كونه السبيل الأيسر لكل طرف من الأطراف السياسية لتحقيق جزء من أهدافه وبدون كلفة عالية.

وما قد يعيق هذا السيناريو هو ما تشهده اليمن هو صراع بين مشاريع، وصعوبة أن تتنازل الأطراف الرئيسة عن مشاريعها إلا إذا اصطدمت بواقع معيق، فضلا عن التدخلات السلبية لبعض الأطراف الإقليمية والدولية في إعاقة الحوار والعمل على إفشاله.

 

السيناريو الرابع: سيناريو فرض السيطرة الحوثية

يقوم هذا السيناريو على تمَّكن الحوثيين من حسم الأمور عسكريا، نتيجة فاعلية القوة العسكرية التي يمتلكونها في مقابل استمرار الرئيس "هادي" في أسلوبه القائم على الغموض والمناورة، والعجز في الأداء وغياب المبادرة، إلى جانب تفتت وارتخاء القوى الاجتماعية والسياسية المعارضة لهم، ولاسيما وأن القوى الفاعلة منها قد حسمت أمرها منذ مراحل مبكرة في عدم الانزلاق إلى مواجهة الحوثيين عسكريا، إما لأن ميزان القوة بات راجحا لصالح الأخيرين، أو لتجنيب اليمن ويلات الحرب والدمار وعدم تكرار النموذج السوري.

ويقوم هذا السيناريو على إمكانية اندلاع المواجهات العسكرية لأمر عرضي، أو قد يكون بعمل مخطط له من قبل الحوثيين وحزب المؤتمر، حيث يتجه الحوثيون صوب عدن والمكلا، ونظرا لعدم رغبة أو جاهزية الأطراف الأخرى أو للانقسامات القائمة بينها، فإن الحوثيين قد يواجهوا مقاومة من بعض المناطق ذات التركيبة القبلية، لكن سرعة سقوط عدن وربما المكلا، واستشعار أغلب اليمنيين بالمخاطر المدمرة للحرب يجعلهم يقبلون بالتسليم لقوة الحوثيين.

وفي المقابل فإن ضغط الواقع سيدفع الحوثيين إلى محاولة تطمين القوى السياسية والاجتماعية المتخوفة من حكمهم، وسيظهرون حرصهم على إشراك بقية القوى في هيئات الحكم التي سيشكلونها.

وفي ضوء المعطيات المتاحة، فإن السيناريو الأول (التنازع بين مركزين للحكم) هو السيناريو الأكثر احتمالا للحدوث، مع إمكانية أن يتجه هذا التنازع ليأخذ منحى تشطيريا وجهويا، بسبب أن الفرز بين القوى المتصارعة سيأخذ بدوره هذا المنحى، من خلال احتشاد الكثير من القوى الجنوبية خلف الرئيس هادي لمواجهة الحوثيين والرئيس السابق المحسوبين على الشمال، لاسيما إذا ما اتجهت الأمور نحو التصعيد، وتظل حظوظ السيناريو الثاني كبيرة كلما اتسعت دائرة المواجهة والصراع، وبفعل الأحداث التي شهدتها مدينة عدن مؤخرا بعد تمرد قائد القوات الخاصة على قرار إقالته من قبل الرئيس هادي، وما تلا ذلك من صراع فإن إمكانية اتجاه التطورات نحو السيناريو الرابع (فرض الحوثيين لسيطرتهم على البلاد) وبشكل أكبر السيناريو الثالث (توافق مرحلي) تبقى ضعيفة، وإن كانت غير مستبعدة.

 

 


([1]) للمزيد حول ذلك، يرجع إلى: د. ناصر محمد علي الطويل، استشراف مستقبل اليمن بعد اختتام الحوار الوطني، ورقة خلفية للتقرير الاستراتيجي اليمني 2013، صنعاء، المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية، ص: 283، ص: 302.

([2]) لمزيد حول ذلك، يرجع إلى: د. ناصر محمد علي الطويل، السياسة الخارجية السعودية تجاه اليمن بعد 2011: الفجوات والتحديات، دراسة غير منشورة.