يرجى تدوير الجهاز الى الوضع العامودي للحصول على افضل طريقة عرض لموقعنا

كثرت التساؤلات عن قدرة الحكومة التركية على تجاوز التحديات الداخلية والتجاذبات الدولية ، وانقسم المراقبون بين من يرى أن التحديات قد تفوق قدرة تركيا سيما الخارجية منها ، فيما يؤكد البعض على كفاءة القيادة التركية بإدراك ما يجري وكيفية التعامل معه وأنها تسير وفق رؤية استراتيجية واضحة من شانها تجاوز كل معوقات النمو الاقتصادي والنفوذ السياسي .

وقد عقد " مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث " حلقة نقاش بعنوان " ما الذي يجري في تركيا؟ " نوقشت فيها عدداًُ من المواضيع المهمة على الساحة التركية ، منها : التحديات الدستورية ، الصراع في كوباني ، ما يسمى بـ " الكيان الموازي " .



التحديات الدستورية

شرع أول دستور في تركيا زمن الدولة العثمانية عام 1833م ، لحقته تعديلات عام 1879 إلا أنه كان عبارة عن آلية تنظيم علاقة بين السلطان ومؤسسات الحكم وقد كان أشبه بالنظام البريطاني " رمزية السلطان " .

مرت البلاد في مراحل انقلابات عسكرية متبوعة بدساتير جديدة ، أي أن كل زعيم انقلاب يحمل رؤية تختلف عن سابقيه ويحاول تفصيل نظام جديد يتناسب مع مشروعة الذي أزاح النظام القائم من اجله ، فالبداية كانت مع حكم أتاتورك - مؤسس الجمهورية التركية الجديدة - حيث تم إقرار دستور جديد للبلاد عام 1924 ، استمر العمل بهذا الدستور حتى عام 1962 حيث عدل بعيد الانقلاب العسكري الذي نجم عنه إعدام رئيس الوزراء " عدنان مندرس " مع وزيرين من حكومته ، وبعد مرور عقدين من الزمن " بداية الثمانينيات " شهدت تركيا انقلاباً عسكرياً جديداً نتج عنه دستور تركيا الحالي .

وبعد وصول حزب " العدالة والتنمية " إلى السلطة بالأغلبية البرلمانية أجرى بعض التعديلات اليسيرة على الدستور، شملت بعضاً من الحقوق والحريات ، كحرية السفر والسياحة ، حيث كان المواطن التركي يمنع من السفر خارج تركيا إلا بإذن السلطات ، مروراً بحرية الرأي والتعبير " الإعلام والصحافة " ، وصولاً إلى انتخاب الرئيس من قبل الشعب ، وهذا ما تم في انتخابات أغسطس 2014 حين انتخب رجب طيب أوردغان خلفاً لعبد الله جول ، بعد ما نجح حزب " العدالة والتنمية " بإقناع شريحة كبيرة في الشارع التركي ، لكن الحزب لم يستطع منح أوردغان صلاحيات واسعة لعدم امتلاكه الأصوات الكافية في البرلمان والتي تؤهله لتمرير المقترح ، حيث ينص القانون التركي على أن تمرير القرار يحتاج إلى 367 صوتاً ، وهذا رقم صعب المنال للعدالة والتنمية كونه لم يحصل في هذه الدورة إلا على 320 صوتاً ، ولتفادي هذه المعضلة كان لا بُد للحزب من الحصول على نسبة تفوق 367 عضواً لكي يمنح البرلمان الرئيس صلاحيات واسعة ليستطيع الحزب تمرير مشاريعه التي يخطط لها والتي تواجه بمعارضة سياسية .

مرت التعديلات في حقبة " العدالة والتنمية " بثلاثة مراحل ، أولها كان في عام 2004، 2007 وآخرها في 2010 ، وهدفت هذه التعديلات إلى إضعاف النظام الوصائي "حسب تعبير البعض " وتقوية قواعد العملية الديمقراطية وإرساء أسس الدولة المدنية .



الصراع في كوباني

مثل تأخر الحسم في القتال بمدينة " كوباني " لغزاً غامضاً لأنقرة ، حيث تعاملت القيادة التركية مع هذا الملف بحساسية بالغة ، خاصة أن طرفي الصراع - حزب العمال الكردستاني و " تنظيم الدولة " - يصنفان - حسب القانون التركي - كمنظمتين ارهابيتين ، إضافة إلى تأخر التدخل الدولي في إنقاذ المدنيين ووقف الاقتتال ، وقد كان ظهور " تنظيم الدولة " والجماعات المسلحة الأخرى نتيجة لممارسات خاطئة للنظام السوري ، أبرزها : الإقصاء السياسي ، وإدخال البلاد في حروب طائفية عبر الاستعانة بعناصر غير سورية " حزب الله اللبناني وفصائل أخرى " ، فتحولت المنطقة إلى صراع أيدولوجيات تحاول تركيا جاهدة الابتعاد عنها.

وإذا ما أراد المجتمع الدولي إيجاد علاجاً جذرياً للمشكلة السورية فعليه الضغط لإيجاد نظام بديل قوي يرتكز على أسس وطنية يمثل كل شرائح المجتمع كبديل عن نظام الاسد الذي لم يعد مقبولاً من غالبية السوريين ، وتحاول تركيا الضغط بهذا الاتجاه لتفادي تفاقم الأزمة بشكل يقلق المنطقة كلها .



الكيان الموازي

لم يطلق مصطلح " الكيان الموازي " على جماعة فتح الله كولن فقط ، وإنما أطلق أيضاً على الجناح المدني التابع لحزب العمال الكردستاني الذي قدم نفسه كبديل عن الدولة ، حيث امتلك مقرات قضاء مستقل ومدارس تعليمية غير رسمي ، وتعتبر أنقرة " الكيان الموازي " بشقية الكردي والتركي مصدر تهديد لكيان الدولة وللأمن القومي التركي حيث أن هناك أطراف دولية تقف خلفهما ، وإن تصدع العلاقات بين جماعة كولن وبين الدولة لا تصب في مصلحة أحد حيث حظيت جماعة الخدمة – في ظل حكومة العدالة والتنمية - بامتيازات لم تتوفر لأي مكون آخر .

لا تعتبر جماعة الخدمة أكثر الجماعات التركية شعبية ، ولكنها الأكثر تنظيماً من غيرها ، ولديها طموحات سياسية على المدى البعيد ، وقد قامت الجماعة بتوظيف أنصارها في مرافق الدولة - خاصة الشرطة والقضاء - ، فيما كانت غيرها من الجماعات أقل تركيزاً في كسب النفوذ بمؤسسات الدولة .

وقد حمل " أحمد داوود أوغلو " مشروعاً للتصالح بين جميع أطياف المشهد السياسي التركي ، وكان يتحفظ على أي إجراءات حكومي ضد جماعة الخدمة ، ولكن بعد أحداث 17/12/2013 التي هدفت إلى الإطاحة بحكومة العدالة والتنمية : تغيرت قناعات الرجل وبات يشاطر أوردغان الحملة ضد جماعة كولن تفادياً لأي أضرار تمس الأمن القومي والسيادة التركية ، خاصة وأن الجماعة تحظى بدعم دولي لافت للنظر ، حيث تمتلك فروعاً في أكثر من دولة ، وقد صرح أحد قيادات الجماعة بأنه لا توجد لديهم مشكلة في إحراق تركيا مقابل الحفاظ على التنظيم .

تعتمد جماعة الخدمة على نهج للتربية الروحية في أوساط اتباعها ، حيث ليس لأحد منهم الحق في التشكيك أو التساؤل مع قياداتهم عن أي ممارسات تمارسها ، وقد كان تحالف جماعة الخدمة مع بعض أحزاب المعارضة - حزب الشعب الجمهوري - أحد أسباب فشلها أمام حزب التنمية والعدالة ، وأدى إلى نتائج عكسية سواء على مستوى الجماعة أو أحزاب المعارضة المتحالفة معها .



شارك في النقاش الأستاذ رسول توسن والأستاذ أوكتاي يلماز – عضوي البرلمان التركي السابق - ، والأستاذ محمد زاهد جول الباحث والإعلامي التركي ، وعدد من ضيوف المركز من الباحثين والسياسيين .