يرجى تدوير الجهاز الى الوضع العامودي للحصول على افضل طريقة عرض لموقعنا

18 نوفمبر 2016م

مقدمة

مع رفع الدعم جزئياً عن الوقود مساء يوم الجمعة 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، وتعويم الجنيه المصري أمام الدولار قبلها بيوم، بدا أن الاحتقان في الشارع المصري قد وصل إلى ذروته؛ فالشرائح الفقيرة، وتلك التي تنتمي إلى الطبقات الدنيا من الطبقة الوسطى، تعاني أزمات اقتصادية هي الأشد سوءاً منذ سنين عديدة؛ بسبب التضخم، وانهيار العملة المصرية، ومواجهتها بسلسلة إجراءات إصلاح اقتصادي شديدة القسوة تعد أسوأ إجراءات منذ إصلاحات الحكومة المصرية الشبيهة في التسعينيات، التي تمثلت في رفع جزئي للدعم، وتعويم للعملة المحلية أمام الدولار الأمريكي.

عانى الاقتصاد المصري كثيراً نتيجة للهزة التي أصابته بعد ثورة يناير 2011، وما تلاها من أزمات مختلفة بسبب انهيار السياحة المصرية، وتوقف سوق العقارات، وإحجام الاستثمار الأجنبي عن الدخول في السوق المصرية نتيجة لتضارب الوضع الاقتصادي بصفته أحد تداعيات التغيير السياسي الكبير بعد الإطاحة بالرئيس المتنحي، محمد حسني مبارك، في الحادي عشر من فبراير/شباط 2011.

لكن الوضع صار أكثر ضبابية، وأشد تعقيداً، منذ مجيء عبد الفتاح السيسي إلى السلطة بعد انتخابات شهدت إقبالاً ضعيفاً للغاية في 2014، فالرجل الذي أتى بقوة تضافر مصالح عديدة داخلية وخارجية، في محاولة لتثبيت نظام كان تأسيسه وفق معادلة جديدة بعد الإطاحة بالحكومة الشرعية المنتخبة والرئيس المعزول محمد مرسي في 3 يوليو/تموز 2013، جاء ومعه وعود عديدة بالرخاء والتنمية، لكنها كلها كانت- حتى اللحظة- وعوداً لم يتحقق منها شيء، على الرغم من الدعم غير المحدود من الجيش (قلب الدولة المصرية ونواتها الصلبة)، وجهاز الداخلية، وبقية مؤسسات جهاز الدولة الإداري، وشبكة إعلامية ضخمة حكومية، وأخرى خاصة تابعة لرجال أعمال داعمين للنظام، فضلاً عن دعم مفتوح من حكومات خليجية، والأهم سكوت الشارع الذي جرى إرهاقه طيلة السنوات القليلة التي أعقبت الثورة.

عوَّل السيسي على دعم الجميع، وأراد أن يكسب من الجميع، من دون تقديم أي تنازلات، في البداية بدا وكأن الأقدار كلها تجري لمصلحته، فقد كانت الأوضاع الإقليمية تساعده كثيراً بعد انحسار الربيع العربي، وظهور داعش، وتأزم الوضع في سوريا، وازدياد الخلاف بين السعودية والولايات المتحدة بسبب الملف الإيراني، واشتعال حرب اليمن، وتعبئة السعودية لحلفاء يخوضون المواجهة معها، وغياب المعارضة في الداخل، وتعاظم نبرة الاحتياج إلى حليف إقليمي يحد من موجة الهجرة للجنوب الأوروبي، ويقلم من أظافر (الإرهاب) الجديد بالعالم العربي المتصاعد الذي وصل صدى عملياته إلى قلب العواصم الغربية الكبيرة.

لكن وبعد سنتين من وجوده في السلطة أخذت رياح الأقدار تجري بما لا يشتهيه السيسي أخيراً، وبدا أن السياسة ليست قدريةً تماماً؛ إذ فَقَد الجنرال العسكري كثيراً من الدعم؛ بسبب عدم قدرته على إحداث التوازن المطلوب، فخسر الرأي الغربي بسبب سياساته الأمنية التي أظهرته في صورة (الديكتاتور العسكري)، خصوصاً بعد قضية الطالب الإيطالي (روجيه ريجيني)، ودخل في مواجهة حادة مع حليفه السعودي، وفقد نسبياً ثقة مجموعات واسعة من حلفائه في السلطة، وتتابعت معاكسة الأحداث له؛ مع انفجار الطائرة الروسية، ومقتل السياح المكسيكيين، هذا فضلاً عن أنه ألَّب عليه الشارع بسبب سياسات داخلية متخبطة؛ كرفع الدعم، وارتفاع الأسعار، وانهيار العملة، وقضية صنافير وتيران، وغيرها.

هذا الواقع يفرض سؤالاً مهماً؛ وهو: "هل يمكن أن يتأثر نظام السيسي بجملة السياسات الاقتصادية المتخبطة التي مورست خلال السنتين الماضيتين، مع الأوضاع الإقليمية والدولية الجديدة، أم سيكمل السيسي ولايته بفعل غياب البديل، وهشاشة المعارضة، ودعم الجيش؟!".

هذه الورقة تناقش تطورات الوضع الاقتصادي في مصر خلال الفترة التي أعقبت عزل الحكومة الشرعية والرئيس المنتخب محمد مرسي في 3 يوليو/تموز 2013، وحتى الآن، فتلقي الضوء على تأزم الوضع بسبب ضبابية برنامج السيسي للإصلاح الاقتصادي، وكذلك تعرض لهيمنة المؤسسة العسكرية على المجال الاقتصادي، وتناقش مسألة التطور الاقتصادي بعد قبول البنك الدولي إقراض مصر 8 مليارات دولار بأجندة إصلاحات قاسية مفروضة من البنك، أهمها رفع الدعم، وتعويم الجنيه المصري، وتحاول الورقة كذلك مناقشة مسألة استمرار الدعم الخليجي- بالخصوص الدعم السعودي- لمصر، ثم أخيراً تطرح سؤالاً ختامياً مهماً عن تأثير كل هذه الأزمات في مدى استقرار نظام السيسي من عدمه.

 

أولاً: ضبابية برنامج السيسي الاقتصادي

أتى السيسي- الذي كان رئيساً للمخابرات الحربية في عصر مبارك، ثم وزيراً للدفاع في عصر الرئيس المعزول والمنتخب محمد مرسي- مرشحاً للانتخابات بقوة دعم وتضافر من أجهزة الدولة المصرية ومؤسساتها، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، وبتحالف واسع مع الأحزاب المدنية، ورجال أعمال، وخارجياً بدعم مفتوح من بعض دول الخليج التي رأت في الرجل رمزاً للنظام الجديد الذي أطاح بالرئيس والحكومة الشرعيين، وكبح جماح الثورة المصرية التي كادت تهدد مصالح بعضها إثر انتفاضة الشوارع التي أطاحت بـ(مبارك)؛ حليفهم القديم، من السلطة.

وفور خروج الجنرال إلى الساحة الإعلامية، وحديثه لأول مرة عن ترشحه للرئاسة بعد أن كان قد أعلن عدم تطلع المؤسسة العسكرية إلى السلطة والحكم، أعلن عبد الفتاح السيسي أن برنامجه الانتخابي يمكن اختصاره في جملة واحدة هي: (حلم قابل للتحقيق)، هكذا من دون أي تفصيلات برامجية محددة لمشكلة الديون، والدعم، وخطط الإصلاح الاقتصادي، فقط تحدث عن أن مشروعه الذي سيطبقه، والذي رفض الحديث عنه بوضوح، هو "نتاج جهد العديد من الباحثين والعلماء والمتخصصين داخل مصر وخارجها"[1].

كانت جميع أحاديث السيسي، في لقاءاته القليلة التي أجراها، تدور عن أهمية تأسيس مشروعات عملاقة تديرها الدولة؛ كإنشاء محطات ضخمة لتوليد الكهرباء، وتفعيل مشروع (ممر التنمية) الذي كان مطروحاً أيام مبارك من قبل العالم المصري فاروق الباز، والانتقال بالسكان خارج الوادي، وتعمير الصحراء، وتحقيق تنمية غير مسبوقة، وإحداث نقلة نوعية للاقتصاد المصري بواسطة خريطة إدارية واستثمارية (مقترحة) من خلال مشروع (العاصمة الإدارية الجديدة)[2]. وتحدث عن اعتماده مستقبلاً على مساهمات المصريين العاملين في الخارج، وتوسيع الاستثمار الأجنبي، والمساعدات الخليجية لتمويل مشروعات قومية مثل مشروع (تفريعة قناة السويس الجديدة)، وهي الأفكار ذاتها التي طرحت من قبل عشرات المرات في عصر الرئيس المعزول حسني مبارك.

ظهر بوضوح أن الرئيس القادم من المؤسسة العسكرية لا يحمل أي تصورات لأبرز المشكلات التي تعانيها الدولة المصرية منذ ثورة يناير، وكان الأمر الوحيد الذي يظهر جلياً في برنامج السيسي، وفي رؤيته الاقتصادية، هو هيمنة المؤسسة العسكرية على المجال الاقتصادي في مصر، وإمساك الدولة لدفة الإصلاح الاقتصادي في المرحلة الجديدة التي اعتلى فيها السيسي سدة السلطة، ثم تلقى السيسي بعدها نقداً شديداً للحديث عن رؤى بسيطة وشديدة السطحية والاختزالية لحلول اقتصادية تتلخص في توفير عربات خضار يد للشباب، وتوفير لمبات موفرة لحل أزمة الكهرباء.

التصورات الهلامية، والسياسات التي انتهجتها حكومات نظام ما بعد 3 يوليو/تموز، بل وحتى المشروعات الكبيرة التي طرحت لتكون رافعة للتنمية وتقوية الاقتصاد المصري، كانت سبباً في انهياره، ودخول الدولة المصرية في أزمة كبيرة، وكذلك فالسياسات النقدية التي اتبعها البنك المركزي ورئيسه في عهد النظام الحالي أوقعت البلاد في أزمة كبيرة تمثلت في انخفاض شديد للجنيه، وفقدان القدرة على ضبط الأسعار، وإعلان شركات كبيرة الخروج من السوق المصرية بسبب عدم القدرة على التعامل في بيئة غير منضبطة.

كل هذه المسارات غير المنضبطة في إصلاح الوضع الاقتصادي أدت إلى موجة تضخم واسعة، وانخفاض شديد للجنيه المصري، وتراجع شديد لمناخ الاستثمار، وانخفض أيضاً تصنيف مصر العالمي، إذ احتلت الترتيب رقم 131 عالمياً في تصنيف البنك الدولي، وفق مؤشر سهولة ممارسة الأعمال لعام 2016، مع الأخذ في الحسبان أنها تأخرت في هذا الترتيب مقارنةً بتصنيف عام 2015 الذي حلت فيه في المرتبة 126 عالمياً[3]، وتراجع الاستثمار الأجنبي تراجعاً كبيراً منذ عام 2011.

وعلى المستوى التفصيلي، احتلت مصر الترتيب 114 عالمياً في مؤشر حماية المستثمرين الأقلية، والمرتبة 168 في التجارة عبر الحدود، والترتيب الـ 82 في مؤشر الحصول على الائتمان، وينعكس تراجع المؤشر الأخير في عدم قدرة عدد من الشركات الأجنبية العاملة في السوق المحلي على الوصول إلى الائتمان، وخاصة من النقد الأجنبي لمتطلبات استيراد المواد الوسيطة.[4]

لاحقاً، وفي المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته الحكومة المصرية في مارس/آذار عام 2015 تحت عنوان (مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري)، تحدثت الوسائل الإعلامية الحكومية، وكذا وسائل الإعلام الخاصة الداعمة لنظام السيسي، بدعاية مبالغ فيها للغاية أن الدولة المصرية قد أبرمت العديد من الاتفاقيات مع حكومات دول عربية وأجنبية؛ بهدف تنفيذ الخطة الداعية إلى إعادة وضع مصر على خريطة الاستثمار العالمية، وتعزيز قدرتها بصفتها مركز ثقل للاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة، وتأكيد دورها بصفتها شريكاً موثوقاً به على الساحة الدولية، غير أن هذه الشراكات كلها، وأرقام الأموال المليونية الضخمة القادمة لدعم مشروعات كبيرة، ذهبت كلها أدراج الرياح بعد شهور قليلة من حكم السيسي.

ثانياً: مشروع تفريعة السويس.. والتوقيت الخاطئ

مثَّل مشروع تفريعة قناة السويس الجديدة باكورة المشاريع الأساسية العملاقة التي روَّج لها نظام السيسي، وافتتحت القناة الجديدة في الخامس من أغسطس/آب 2015، بعد عام واحد من البدء بالعمل بها، وكانت هيئة قناة السويس قد أعلنت في بدايات الإعلان عن المشروع- الذي روج له بوصفه المشروع الأهم لمصر منذ إنشاء السد العالي في خمسينيات القرن الماضي- أن تكلفة الحفر بالقناة الجديدة إجمالياً 8 مليارات دولار؛ أربعة مليارات دولار منها لحفر قناة موازية للمجرى المائي الحالي لقناة السويس، و4 مليارات أخرى لحفر 6 أنفاق تعبر أسفل قناة السويس، 3 في الإسماعيلية، و3 في السويس، و2 لعبور السيارات، وواحد للقطارات، وذلك لكل محافظة، أي ما يوازي ستين مليار جنيه مصري تقريباً.

وتوقع أشرف سالمان، وزير الاستثمار المصري حينها، أن تصل إيرادات القناة إلى 10 مليارات جنيه سنوياً، حيث قدر القائمون على المشروع الإيرادات الإضافية المتوقعة من وراء تنفيذ مشروع توسيع قناة السويس بنحو4.7 مليارات دولار سنوياً، تضاف على نحو 5 مليارات دولار، هي الإيرادات المقدرة للقناة عن عام 2014، مرجحين أن ترتفع هذه العوائد إلى أكثر من ذلك في حال اكتمال المشاريع المرتبطة بافتتاح القناة الجديدة[5].

ولأن ميزانية الدولة المصرية في ذاك الوقت كانت لا تتحمل هذه التكلفة العالية، طرحت الحكومة المصرية شهادات استثمار على المواطنين، بعائد 12% ولمدة 5 سنوات، بهدف جمع 60 مليار جنيه مصري خلال شهر من طرح الشهادات، وبالفعل جُمع 64 مليار جنيه من جيوب المصريين لتمويل القناة[6].

بيد أن تقارير دولية استبقت حدث افتتاح السيسي للقناة لتشكك في الأرقام المصرية والتقييمات المتفائلة للقناة الجديدة وعائداتها المنتظرة. فنشرت شبكة (بلومبيرغ) الأمريكية تقريراً شككت فيه بوجود حاجة أصلاً إلى توسيع قناة السويس الذي كلف المصريين 8 مليارات دولار، ولا سيما مع هبوط معدلات الشحن بسبب الأزمة المالية العالمية. ونقلت قناة بلومبيرغ عن رالف يشينسكي، رئيس قسم الأبحاث بمؤسسة (بانشيرو كوستا بروكريج) قوله: "من وجهة نظر قطاع النقل البحري، فقد كانت مبادرة توسيع قناة السويس غريبة بعض الشيء، حيث لم تكن هناك حاجة ملحة لهذا المشروع بشكل علمي"[7].

الحقيقة أن قرار إنشاء تفريعة قناة السويس جاء متجاهلاً تماماً- أو على تقدير ثانٍ غير متوقع- للأوضاع الدولية التي أدت إلى أن يصبح مشروعاً غير ذي جدوى، مرحلياً على الأقل، فالتطورات الاقتصادية العالمية أدت إلى انخفاض الواردات القادمة لقناة السويس الأساسية، وحيث إن حركة الملاحة في السويس تعتمد أساساً على مرور ناقلات النفط والغاز المسال من دول الشرق الأقصى والشرق الأوسط باتجاه أوروبا، فإن تراجع الاقتصاد العالمي، وتراجع أسعار النفط العالمية، وما يقابله من تصاعد في الديون السيادية الأوروبية، أثَّر في حركة الملاحة بقناة السويس التي لم تعمل بكامل طاقتها حتى الآن.

العامل الرئيس الثاني، المرتبط بالظروف غير المواتية في السوق البحرية، الذي أدى إلى التأثير السلبي في قناة السويس، هو تباطؤ معدلات نمو الاقتصاد الصيني إلى ما يقرب من 6,5 %، مقارنة بمعدلات فاقت مستوى 10% في سنوات سابقة، فأثَّر بالسلب في التجارة الخارجية للصين بصفة عامة، وخصوصاً تجارتها مع أوروبا التي تمر عبر قناة السويس، فضلاً عن اتجاه الصين خلال المرحلة الماضية- وفقاً لخبراء هيئة قناة السويس- من دولة تقود العالم في الصناعات الاستهلاكية إلى دولة تتحول إلى الصناعات الأساسية[8].

والسبب الرئيس الثالث يتعلق بعدم تحقيق منطقة اليورو- إلى الآن- الانطلاقة الاقتصادية المرجوة منها؛ نظراً لاستمرار معاناتها من آثار الأزمة المالية متمثلة في أزمة الديون السيادية في بعض دولها، وهو ما أثر سلباً في واردات أوروبا من آسيا وعلى رأسها الصين التي تعبر قناة السويس، مع توقعات باستمرار المعاناة بعد الاستفتاء الذي خرج بالمملكة المتحدة من منطقة اليورو.

والسبب الرئيس الرابع هو انخفاض قيمة وحدات حقوق السحب الخاصة SDR - التي تُقدَّر الرسوم على أساسها- مقابل الدولار، من 1٫52 دولار خلال عام 2014 إلى 1٫40 دولار خلال عام 2015، بنسبة انخفاض قدرها 7٫9%، وهو ما أدى إلى تراجع قيمة إيرادات القناة مقومة بالدولار بنسبة 5٫3%، حيث بلغت 5175٫6 مليون دولار في عام 2015، مقابل 5465٫3 مليون دولار عام 2014، مع ملاحظة أن القناة قد شهدت زيادة ملحوظة في أعداد السفن العابرة خلال عام 2015 بلغت 17 ألفاً و483 سفينة، مقارنة بـ 17 ألفاً و148 سفينة خلال عام 2014، بزيادة 335 سفينة، على الرغم من التقلبات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، والتراجع في أسعار النفط[9].

مشروع تفريعة قناة السويس في هذا التوقيت كان له تأثير سلبي هائل في قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار، إذ تسبب تسديد مستحقات الشركات الأجنبية المشاركة في الحفر في ظهور مشكلة نقص الدولار وبداية تحريك سعر صرفه الرسمي، حسبما ذكر محافظ البنك المركزي، وهو ما أدى إلى اهتزاز سوق الاستثمار في مصر، وارتفاع الأسعار ارتفاعاً كبيراً[10]. واليوم تتلقى الحكومة المصرية وإدارة السيسي اللوم الأكبر بسبب سوء التخطيط، والترويج لمشروع كان أحد أبرز أسباب الأزمة الحالية التي يعاني منها الاقتصاد المصري.

ثالثاً: سيطرة المؤسسة العسكرية على قطاعات اقتصادية

بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 بدا واضحاً أن هناك فارقاً كبيراً في وضع المؤسسة العسكرية بين عهدي حسني مبارك والسيسي؛ فقد ازداد تدخل الجيش وهيمنته في الحياة العامة والاقتصادية. فقبل ثورة يناير 2011 كان مبارك يمنح امتيازات للمؤسسة العسكرية؛ مثل منح الجيش أراضي ومزارع، وإنشاء مصانع، وغيرها من المشاريع، أما السيسي فأسهم في سيطرة الجيش على الاقتصاد، ومنحه امتيازات غير مسبوقة في تأسيس مشروعات عملاقة وإدارتها، وتقدر ميزانية المشاريع واستثماراتها- وفقاً لخبراء اقتصاديين- بالمليارات، لكن لا يعرف أحد قيمتها الفعلية، أو قيم مكاسبها، والوارد والداخل للقطاعات الصناعية والتجارية التابعة للمؤسسة للعسكرية.

تسببت رغبة السيسي في هيمنة الجيش على الاقتصاد، في وجود أزمة مكتومة بينه وبين رجال الأعمال، الذين يرفضون هذه السطوة من المؤسسة العسكرية، وكانت جهات سيادية- وفقاً لتقارير صحفية عديدة- طلبت من رجال الأعمال ضخ مزيد من الاستثمارات في البلاد، اعتماداً على أموالهم بالدولار في مصارف خارج مصر، إلا أنهم رفضوا الأمر، مطالبين بوقف سيطرة الجيش على الاقتصاد[11].

في ديسمبر/كانون الأول 2015 أصدر السيسي قراراً يسمح للجيش بتأسيس شركات برأسمال وطني أو بالشراكة مع رأسمال أجنبي، وقد عُدَّ هذا القرار حجر الأساس في هيمنة المؤسسة العسكرية والتدخل في الاستثمار في كل القطاعات على اختلافها. وكان السيسي قد خصص في فبراير/شباط 2015 أراضي جنوب طريق القاهرة- السويس لحساب جهاز أراضي القوات المسلحة، لإقامة العاصمة الإدارية الجديدة. وفي يوليو/تموز 2015، أصدر السيسي قراراً يجيز للجيش المصري والشرطة تأسيس شركات حراسة خاصة، فضلاً عن الموافقة على تأسيس أول مدرسة للغات في السويس، وهي (بدر الدولية)، التابعة للمؤسسة العسكرية في 2013. وصدر قرار من المجلس اﻷعلى للجامعات بوقف جميع المناقصات العامة والمزايدات على الأدوية والمستلزمات الطبية، لشرائها من إدارة الخدمات الطبية التابعة للقوات المسلحة. وتوسَّع الجيش المصري في بيع المنتجات الغذائية توسعاً كبيراً من خلال سيارات تابعة له في الشوارع، في إطار ما أعلنه السيسي من تدخل القوات المسلحة لضبط الأسعار، وإن كانت ليست من مسؤولياته[12].

تُراوح التقديرات حول مدى سيطرة القوات المسلحة على الاقتصاد بين 45% و60%، وفقاً لمنظمة الشفافية الدولية، وهناك أيضاً بعض الأدلة على أن الإطاحة بالرئيس حسني مبارك في عام 2011، ومحاكمات الفساد اللاحقة لعدد من رفاقه، سمحت للقوات المسلحة بالحصول على شريحة من الكعكة، وازدياد نفوذها أكثر، ويرى البروفيسور روبرت سبرنجبورج من المعهد الإيطالي للشؤون الخارجية، أنه منذ عام 2013 تحولت القوات المسلحة المصرية من كونها مؤثراً كبيراً في الاقتصاد المصري إلى فاعل مهيمن[13].

القوانين المصرية الموضوعة خارج رقابة أي برلمان أو مؤسسات تشريعية منتخبة تجعل القوات المسلحة المصرية قادرة- من خلال تخصيص الأراضي وغيرها من الوسائل- على السيطرة على جزء كبير من الأراضي العامة (الصحراوية والزراعية والحضرية)، التي تشكل 94% من مساحة مصر، ولديها القدرة أيضاً على بيع هذه الأراضي والحصول على تعويض من خزانة الدولة عندما يُعاد تخصيص المناطق العسكرية لأغراض مدنية، ويسيطر الجيش أيضاً على الأراضي الساحلية (تُصنف رسمياً بأنها إقليم حدودي)، ومن ثم فهو قادر على الاستفادة من التطورات السياحية، وعلى هذا النحو تهيمن القوات المسلحة المصرية على سوق العقارات وتنمية بنية البلاد[14].

كذلك فدخول القوات المسلحة بقوة في قطاعات مختلفة ونوعية يضر الاقتصاد المصري بشدة؛ نتيجة وجود المؤسسة العسكرية بصفة فاعل اقتصادي مهمين واحتكاري، هذا الوجود السلبي للقطاع العسكري يضرب التنافسية في مقتل؛ لأنه لا يدفع أجوراً للعمالة المجندة تجنيداً إجبارياً، وكذلك لا يدفع ضرائب أو جمارك على المواد الخام التي يستوردها، كما أنه يحصل على تسهيلات عديدة ائتمانية، فضلاً عن سهولة الوصول إلى العملة الصعبة من البنوك على عكس بقية المنافسين من الشركات الخاصة الكبيرة والصغيرة.

في ظل السرية التامة حول ميزانية الجيش، وبالتبعية إقطاعيته الاقتصادية، يمكن للشركات التي تسيطر عليها القوات المسلحة أن تستفيد من الإعانات التي تبقى خارج السجلات، فضلاً عن التمتع بمزيد من حرية المناورة في ظل انعدام الرقابة، وأحد الأمثلة على ذلك هو قرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة خفض دعم الوقود لأصحاب المصانع، ومع بقاء ميزانية الجيش (ومن ثم تكاليف الطاقة) خارج السجلات، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يؤثر تأثيراً غير متناسب في منافسي القوات المسلحة، ولكنه لا يؤثر في القوات المسلحة نفسها. وهناك تأثير آخر للهيمنة الاقتصادية للقوات المسلحة؛ وهو عدم وجود فرص نمو للشركات الصغيرة والمتوسطة، لمَّا كان المقربون فقط هم مَن يمكنهم الفوز بعقود مربحة والتعامل مع نظام التصاريح، وهذا بدوره يؤدي إلى اقتصاد غير رسمي كبير قائم على المقربين، ويترك العديد من المصريين يعيشون في فقر مدقع[15].

رابعاً: هل ينقذ قرض صندوق النقد النظام الاقتصادي المصري المتداعي؟

يشكك مراقبون ومحللون في جدوى الأموال التي تأتي للسيسي والتي لا يظهر معها أي إصلاحات، متسائلين: "إذا لم ينفع مع السيسي 100 مليار دعماً تلقاه من دول خليجية وأطراف دولية.. فهل ستنقذه 12 مليار دولار قرضاً من صندوق النقد؟! المواطن المصري هو الضحية"[16].

هذه النبرة من انعدام الثقة بقدرة إدارة السيسي على ضبط أوضاع الاقتصاد المصري ترجع إلى جملة السياسات الاقتصادية التي طُبقت خلال المرحلة الماضية، سواء بإنشاء مشروعات سحب النقد الأجنبي من السوق، كمشروع تفريعة قناة السويس، كما سبق ذكره، أو من خلال إسناد المشروعات لجهة غير مختصة مثل القوات المسلحة، أو لوجود عوائق بيروقراطية كبيرة في الجهاز الإداري، وانهيار السياحة، وتعويم متأخر للجنيه، أو لأخذ الحكومة قرارات خوفت المستثمرين الأجانب من الاستثمار بالسوق المصرية، فهذه كلها عوامل تتحدث عن أن مصر تحتاج حلاً مختلفاً بخلاف المعونات المالية الضخمة التي تبدو وكأنه يجري ابتلاعها من دون أي ناتج إيجابيٍّ ما مشاهَدٍ، خصوصاً بعد أن بلغ الدين العام الإجمالي للدولة المصرية 3 تريليونات و33 مليار جنيه، منها تريليونان و544 مليار جنيه للدين العام المحلي، و489 مليار جنيه للدين العام الخارجي، من بينها 350 مليار جنيه خارج الالتزامات الثنائية ومتعددة الأطراف، و139 مليار جنيه للالتزامات متعددة الأطراف التي تدخل الوزارة طرفاً فيها[17].

إجمالاً فاتفاق مصر مع صندوق النقد ربما يساعد- وفقاً لتقارير اقتصادية مختلفة تتحيز لحلول جذرية- على وقف التدهور الاقتصادي، لكنه ليس عصاً سحرية، إذ إنه من المستبعد لبرنامج عمره ثلاث سنوات أن يعالج جميع مشكلات الاقتصاد، وسبق لمصر أن خاضت مرحلتين من التفاوض معه في يونيو/حزيران 2011 للحصول على 3.6 مليارات دولار، ثم في أواخر 2012 للحصول على 4.8 مليارات دولار.

فرضت أجندة صندوق النقد على مصر عدة شروط، أبرزها تقليل العجز المالي الذي يقارب الـ10% من الناتج المحلي الإجمالي، خاصة أن ذلك العجز يزيد من التضخم، ويخلق اختلالات خارجية خطيرة. كما ألزم صندوق النقد فرض ضريبة القيمة المضافة التي جرى تمريرها من خلال البرلمان الحالي، وكان تمريرها جزءاً من البرنامج المطروح من الصندوق. وتلتزم الحكومة أيضاً بتخفيض فاتورة الدعم الذي بلغ نحو 8.5% من الناتج الإجمالي، من خلال زيادة أسعار الكهرباء على مدى خمس سنوات لحين تحريرها تماماً. وفيما يتعلق بسعر الصرف فإن الصندوق أصر على أن  تتخذ مصر إجراءات تسمح بمرونة تحرك السعر بعد مجموعة من الإجراءات التي لم تثبت فاعليتها في الحفاظ على سعر الجنيه، وهو ما فعلته الحكومة خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2016[18].

للحصول على قرض صندوق النقد اتخذت الحكومة حزمة من الإجراءات، أهمها خفض الدعم على المحروقات والكهرباء، وكذلك إقرار قانون القيمة المضافة كسياسة مالية تهدف إلى ضبط العجز المالي الذي وصل إلى 11.5% من إجمالي الناتج المحلي عام 2015، أضف إلى ذلك التخفيض المتوقع لقيمة الجنيه المصري التي ستدفع إلى مزيد من ارتفاع الأسعار.

لذلك يتوقع البنك الدولي، في تقرير مرصد الاقتصاد المصري لشهر أكتوبر/تشرين الأول 2016، أن يرتفع معدل التضخم إلى 17% عام 2017، بعد أن وصل إلى 10.2% عام 2015، ليعاود الانخفاض إلى 13% في العام التالي 2018. هذا الارتفاع الكبير في الأسعار يستلزم ضبط الأسواق، وإصدار أسعار استرشادية لمختلف السلع الأساسية[19].

منذ تولي عبد الفتاح السيسي السلطة في أوائل يوليو/تموز 2013 تراجعت قيمة الجنيه بنسبة 28%، حيث كان سعر الصرف الرسمي 6.99 جنيهات للدولار، والآن وبعد 32 شهراً ونصف شهر، ومساعدات الخليج المقدمة لمصر، بلغ سعر الدولار أمام الجنيه رسمياً 17.50، وفي السوق السودء 18 جنيهاً، وهو ما أثَّر سلباً في ارتفاع الأسعار وتكلفة الواردات، وفي عجز الموازنة.

وتستورد مصر معظم احتياجاتها الأساسية، فقد بلغ إجمالي وارداتها نحو 80 مليار دولار في عام 2015، في حين يبلغ معدَّل التضخم السنوي في مصر نحو 10%. وبحسب تصريحات رئيس شعبة المستوردين بالغرفة التجارية في القاهرة، فإن خفض قيمة الجنيه قد يؤدي إلى رفع أسعار السلع المستوردة إلى ما بين 35 و40%، وهو ما توقَّعته عدة صحف مصرية، التي خرج بعضها، مثل صحف (الوفد) و(اليوم السابع)، بعناوين رئيسية تتحدث عن: (موجة غلاء قادمة)[20].

وأدى تراجع الجنيه أمام الدولار أيضاً إلى نزول ودائع آلاف المصريين في البنوك المصرية والأجنبية عن قيمتها الأصلية إلى النصف تقريباً، وكذلك فالشهادات الاستثمارية باسم قناة السويس التي باعها القطاع المصرفي من خلال البنوك الأربعة الحكومية (الأهلي المصري، ومصر، والقاهرة، وقناة السويس) بنحو 64 مليار جنيه، لتنفيذ مشروع حفر القناة الجديدة، ولاقت إقبالاً شعبياً كبيراً وقتها، يتعرض أصحابها اليوم بعد عام ونصف على الشراء لخسارة كبيرة؛ لأن أرباحهم المتمثلة في 12% فائدة، أصبح يقابلها 14% انخفاضاً بقيمة الجنيه، وهو ما يعني خسارتهم 2.5% من أموالهم. وجاء قرار محافظ البنك المركزي المصري بخفض سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار بالبنوك ليدمر تماماً قوة الجنيه الشرائية التي انخفضت بعد ارتفاع سعر الدولار ارتفاعاً فادحاً، ومن ثم يمكن القول إن الراتب الحقيقي لكل مصري نقص بنفس النسبة- 14.5%- مع ضعف الرواتب عموماً في مصر من الأساس، وهو ما يزيد الأعباء على المواطن المصري[21].

الأثر الثالث المتوقع لانخفاض سعر الجنيه مقابل الدولار هو زيادة أسعار السلع، وارتفاع نسبة التضخم ارتفاعاً لا يقل عن 10% على الأقل، بحسب البنك المركزي، وقد تزيد على 100% بحسب تقديرات تجار السلع المستوردة، كما أن خفْضَ البنك المركزي لسعر الجنيه أمام الدولار ١٤% في غياب شبكة ضمان اجتماعي كاملة وفعالة يعني مزيداً من الغلاء يكتوي به غالبية المصريين.

كان البنك المركزي المصري قد أوضح في بيان له أن "السياسة النقدية للبنك المركزي تهدف إلى المحافظة على استقرار الأسعار بحيث لا يتجاوز معدل التضخم 10% في الأجل المتوسط للحفاظ على القوة الشرائية (للجنيه)"، وكان معدل زيادة أسعار المستهلكين (التضخم) ارتفع 1.1% على أساس شهري في فبراير/شباط 2016، مقارنة بيناير/كانون الثاني 2016، لكنه انخفض على أساس سنوي إلى 9.5% في كل مصر، من 10.7% في يناير/كانون الثاني 2016. وجاء قرار المركزي برفع الفائدة في البنوك إلى 10.75% للإيداع، و11.75% للاقتراض، بعد 3 أيام من قراره خفض الجنيه أمام الدولار 112 قرشاً، بهدف "السيطرة على توقعات التضخم". ثم جاء قرار التعويم الذي جعل سعر الدولار الرسمي بالبنوك يصل إلى 16 و17 دولاراً ليزيد التضخم لأعلى نسبه منذ سنوات عدة.

محللون اقتصاديون يرون أن ما تعلنه الحكومة من أن خفض قيمة الجنيه بنسبة 14% أمام الدولار، لن تقابله زيادة في أسعار المواد الغذائية، "وهمٌ وغير حقيقي"؛ لأنه عندما تنخفض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار بتلك النسبة الكبيرة فإن ذلك يعني زيادة تكلفة استيراد السلع بالنسبة نفسها على الأقل، هذا فضلاً عن الجمارك وتكلفة النقل، وهوامش الربح خلال عمليات الوساطة المتعددة. ويتوقع (لي) أن يلحق الوعد بتثبيت أسعار السلع الغذائية رغم ارتفاع الدولار، بوعد سابق في بداية نوفمبر/تشرين الثاني 2016 من جانب الحكومة والسيسي بخفض أسعار السلع بنهاية الشهر، ثم مدَّ أجل الوعد إلى نهاية شهر ديسمبر/كانون الأول 2016، وهو ما لم يحدث، بل على العكس زادت أسعار السلع إلى ثلاثة أضعاف تقريباً.

ومع أن الحكومة تؤكد، في كل مناسبة، أنه لا مساس بدعم الفقراء ومحدودي الدخل، وأن تحريك الأسعار لن يطال سوى الأغنياء، فإن التناقض مع الواقع يتجلى لاحقاً من خلال معاناة المواطنين لدى شرائهم المنتجات البترولية من المحطات، وارتفاع أسعار الكهرباء والمياه، وزوال قيمة الحد الأدنى للأجور (المقدر بـ 1200 جنيه مصري) بعد انهيار قيمة الجنيه أمام الدولار. وعلى الرغم من محاولة الحكومة تصنيف برنامجي تكافل وكرامة، وسائر نظم المعاشات والضمان الاجتماعي تحت ما يسمى بالبعد الاجتماعي (بلغ إجماليه في مشروع موازنة 2016- 2017 ما قيمته 420٫7 مليار جنيه) بنسبة 38% من إجمالي الإنفاق تقريباً، وتزيد على 13% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع، غير أن الواقع يؤكد أن القيمة الكبيرة من مخصصات البعد الاجتماعي عادة ما تحرم منها الطبقة المتوسطة[22].

ووفقاً للإحصاءات الرسمية فإن نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر في مصر بلغت نحو 27.8% عام 2015 مقارنة بنحو 22.7% عام 2014، أي نزول أكثر من 1.37 مليون مصري تحت خط الفقر المُعلن خلال العامين الماضيين بنحو 25.36 مليون نسمة، على حساب عدد سكان مصر البالغ 91.2 مليون نسمة، وفقاً لما هو معلن في يوليو/تموز 2016، وفي حالة تعويم الجنيه وانخفاض قيمته أمام الدولار في ظل جمود الأجور وانخفاض القوة الشرائية سيستتبع ذلك زيادة نسبة الفقراء تحت خط الفقر المعلن بنحو 1.9 دولار لليوم لكل فرد عالمياً[23].

خامساً: هل تنسحب السعودية ودول الخليج من دعم الاقتصاد المصري؟

تفجرت الأزمة السعودية- المصرية إثر تصويت مصر لمصلحة قرار روسي بشأن الأزمة السورية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في التاسع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2016، لتكشف عن خلافات جوهرية بين السعودية ومصر، وكانت شركة (أرامكو) السعودية قد أعلنت، قبل ذلك، وقف إرسال شحنة من الوقود كان من المفترض توريدها للقاهرة (أعلن المسؤولون المصريون أن وقف شحنة المواد البترولية كان قبل أزمة التصويت بمجلس الأمن)، بالإضافة إلى تأخير حزمة مساعدات مالية كان متفقاً عليها إثر إعلان اتفاقية تيران وصنافير، التي يحق للسعودية بموجبها- وفقاً لبيان الحكومة المصرية حين ذاك- في وضع يدها على الجزيرتين، في أبريل/نيسان 2016.

أزمة التصويت في مجلس الأمن كشفت خلافات جوهرية في وجهتي النظر السعودية والمصرية فيما يخص ملفات نوعية، أهمها موقف النظام المصري من دعم بشار الأسد، ومحدودية الدور المصري العسكري في اليمن، وكذلك ملف التقارب المصري مع إيران، وموقف النظام المصري من تركيا، بالإضافة إلى الصراع الدائر في ليبيا التي ترى السعودية أهمية أن تكون فيها تحركات بديلة غير معادية للحركات الإسلامية، على عكس موقفي الإمارات ومصر، بالإضافة إلى المؤتمر الأخير الذي عقد في الشيشان وحضره ممثلون دينيون رسميون من الدولة المصرية، وأُعلن فيه أن الوهابية لا تتبع أهل السنة والجماعة.

كل هذه الخلافات كانت مكتومة، وتدار في الأروقة الدبلوماسية، غير أن التصويت المصري الأخير في مجلس الأمن أظهرها للعلن، وأبرز توتراً وصل إلى حد استياء الحكومة السعودية واتخاذها إجراءات؛ منها استدعاء سفيرها في القاهرة أحمد القطان للتشاور، بعد مرور يومين فقط على جلسة مجلس الأمن.

تتجاوز العلاقات الاقتصادية السعودية- المصرية مسألة الدعم السعودي المالي لنظام السيسي؛ فالعمالة المصرية هي العمالة العربية الأكثر عدداً في المملكة، وهي عمالة يعتمد عليها الاقتصاد السعودي اعتماداً كبيراً، وكذلك يشكِّل المصريون أكثر من ربع سوق السياحة الدينية في المملكة، ويُضاف إلى ذلك أنَّ السعودية تُعدُّ المستثمر العربي الأكبر في الاقتصاد المصري، وقد بلغت قيمة التبادل التجاري بين البلدين نحو 6.3 مليارات دولار عام 2015.

واستراتيجياً، تتحكم القاهرة في ممرات قناة السويس التي تُشكِّل عصباً رئيساً لحركة البترول العربي في اتجاه الغرب، لكن في ظل المأزق الاقتصادي الحرج الذي يواجهه النظام في القاهرة، يمثّل الدعم المالي السعودي الذي بلغ أكثر من 30 مليار دولار- بعضها في صورة منح نفطية وودائع مالية، بحسب مصادر مختلفة- طوقَ إنقاذٍ حقيقياً للنظام المصري في مواجهة غضب شعبي واسع منشؤه اقتصادي أساساً، مع تصاعد دعوات للاحتجاج باتت تُقلقه.

تستخدم السعودية ورقة الدعم وسيلةً رئيسةً في ضبط السلوك المصري إقليمياً، وقد برز هذا الأمر بوضوح في موافقة مصر على المشاركة في التحالف العربي الذي شكَّلته السعودية للتدخل عسكرياً في اليمن، العام الماضي، لوقف زحف قوات الحوثي وعلي عبد الله صالح في اتجاه عدن. وعلى الرغم من الموافقة الحماسية التي أبدتها القاهرة تجاه العملية السعودية، فإنَّ الخطوات الفعلية التي اتخذتها المؤسسة العسكرية المصرية كانت أقلّ من المتوقع سعوديّاً، وكانت المشاركة المصرية المتواضعة من بين الأسباب التي تقف وراء طول أمد الحرب، وتعقيد إنجاز الأهداف التي أُعلنت مع بدء عملية (عاصفة الحزم)، ويظهر اليوم أنَّ الصراع في اليمن يُعَدُّ من الأسباب الرئيسة للخلافات الراهنة بين القاهرة والرياض[24].

توتر الأوضاع أكثر بين السعودية ومصر سيترتب عليه عدة مشاكل قد تفاقم من أزمة الاقتصاد المصري؛ فالخزانة المصرية تعتمد اعتماداً كبيراً على تحويلات المصريين في الخارج، وهي تمثل أهمية بالغة في توريد العملة الصعبة، فضلاً عما تمثله من نسبة في الناتج المحلي الإجمالي بلغت 6.8% في العام 2014، تبعاً لتقرير الهجرة والتنمية عن عام 2015. وتمثل تحويلات المصريين العاملين في السعودية 40% من حجم تحويلات المصريين العاملين في الخارج التي تتلقاها مصر، وذلك بحسب أحدث بيانات البنك الدولي. ويتوقع البنك الدولي أن تُحصّل مصر 18.4 مليار دولار كتحويلات من العاملين في الخارج بنهاية العام 2016، من ضمنها قرابة 7 مليارات دولار من المصريين العاملين في السعودية.[25]

من المستبعد- بلا شك- أن يكون هناك أي تأثير سريع لأي خلاف سياسي في أوضاع العاملين المصريين في السعودية، لكن على المدى البعيد، قد تتأثر أوضاعهم حالما يصل الخلاف إلى طريق مسدود بين مصر والسعودية، خصوصاً في ظل سياسات السعودة، وتوفيق أوضاع العاملين الأجانب في السعودية في الآونة الأخيرة. فقبل موجة الانخفاض الحاد في أسعار النفط في 2014، أقدمت المملكة على تنظيم حملات مشددة للتفتيش على العمال الأجانب، وسمحت لهم مؤقتاً بتوفيق أوضاعهم، وهو ما أدى عملياً إلى عودة 300 ألف مغترب إلى مصر، وفقاً للبنك الدولي في تقريره (موجز الهجرة والتنمية) عن العام 2013[26].

وبصورة أوسع، ووفقاً لبيانات البنك المركزي، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 2.79 مليار دولار ما بين يوليو/تموز من العام 2015، ومارس/آذار الماضي، أي 5% من حجم التبادل التجاري بين مصر والعالم، وشهد التبادل التجاري بذلك انخفاضاً بواقع 1.5 مليار دولار مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. غير أن الميزان التجاري يبقى مختلاً لكفة السعودية؛ إذ بلغت الصادرات المصرية في ذلك الحين 733.9 مليون دولار قياساً إلى واردات من السعودية بلغت نحو ملياري دولار[27].

كانت مصر قد تلقت 500 مليون دولار من منحة سعودية بقيمة 2.5 مليار دولار، ضمن مجموعة منح عديدة أعطتها المملكة العربية السعودية لمصر بعد الإطاحة بالحكومة الشرعية والرئيس المنتخب محمد مرسي، وصلت إلى 8 مليارات دولار، وأتت تلك المنحة ضمن الاتفاقيات التي شملتها زيارة الملك سلمان للقاهرة في أبريل/نيسان 2016، وهي الزيارة التي شهدت توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، والتي تضمنت التخلي عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية. وسبق زيارة الملك لمصر إعلان توقيع عدد من الاتفاقيات بين البلدين في العاصمة السعودية، الرياض، كان من بينها توقيع وزارة التعاون الدولي المصرية اتفاقاً مع الصندوق السعودي للتنمية، أقره البرلمان لاحقاً، لتنفيذ (برنامج الملك سلمان لتنمية سيناء)، من خلال قرض بواقع 1.5 مليار دولار.

ويقول مسؤول مصريون إن "الصندوق السعودي للتنمية هو أحد جوانب الضغط المحتمل استخدامها (من قبل السعودية) في ظل أي خلاف معها"، بل تتحدث تقارير صحفية عن أن "الصندوق السعودي للتنمية اتبع إجراءات غير اعتيادية، بل واستثنائية لصالح مصر… فحجم القرض ضمن أعلى القروض في تاريخه، بل ويرجَّح أن يكون الأكبر في تاريخ الصندوق، متعدياً بذلك مساعدات أتاحها للبحرين إبان الانتفاضة هناك (في 2011)". وكان تقرير عرضه البنك المركزي على البرلمان، في أغسطس/آب الماضي، قد أظهر أن مصر تلقت من السعودية إجمالي مساعدات بواقع 8 مليارات دولار منذ العام 2011، من ضمنها مليارا دولار فقط بين ثورة يناير و30 يونيو/حزيران[28].

هذا الفارق الكبير في الأرقام بين الدعم السعودي قبل 30 يونيو/حزيران 2013 وما بعدها يتحدث صراحة عن الدور السعودي الكبير في دعم النظام الحالي، واعتماد الأخير على المملكة السعودية. لكن في المقابل هل يمكن أن تستغني السعودية عن النظام المصري في ظل أزمات شديدة تعصف بالمملكة؛ ما بين انخفاضٍ لأسعار النفط، وتزايد للهيمنة الإيرانية بالمنطقة، وتوسع نفوذها في اليمن ولبنان والعراق، والتقارب الغربي- الإيراني، وفقدان المملكة-نسبياً- لجزء من نفوذها في لبنان، وتمرير الكونجرس الأمريكي لقانون جاستا الذي يسمح بالتحقيق مع مسؤولين سعوديين في حادثة الحادي عشر من سبتمبر، ووقوف المملكة بشكل شبه منفرد في حرب اليمن، التي تستنزف كثيراً من احتياجات المملكة؟

الأمر شديد التعقيد، لكن في حال اعتماد الدولتين على شركاء إقليميين جدد فقد يغير من الشراكة بين الدولتين، ويتفكك هذا التحالف الاستراتيجي.

إجمالاً، يبدو بوضوح أن السعودية قد لا تتخذ موقفاً عدائياً واسعاً تجاه الجانب المصري، لكنها قد تتخذ مساراً يسمح لها بالمناورة بحيث لا تخسر الشريك المصري كلياً، لكنها في الوقت ذاته قد تربط مساعداتها المالية بمدى انسجام السياسة الخارجية للنظام المصري مع أولويات الأجندة السعودية.

على الضفة الأخرى، تأتي الإمارات بصفتها شريكاً خليجياً مهماً جداً بالنسبة إلى مصر، على المستوى السياسي والاقتصادي على حد سواء. فمن بعد إسقاط الرئيس محمد مرسي على يد الجيش توسعت الإمارات في دعمها لنظام الانقلاب العسكري كثيراً، حيث كانت الإمارات أحد أكبر المستفيدين من إسقاط جماعة الإخوان المسلمين، وتحجيم الثورة في مصر، لأسباب مختلفة، من بينها محاولاتها المستمرة لضرب المحور الجديد الذي تشكل بعد الربيع العربي، والذي كانت محاوره تتمثل في مصر وتونس وتركيا وقطر وغزة، وكانت مستفيدة كذلك من ضرب جماعة الإخوان المسلمين التي تمثل لها خصماً في الداخل الإماراتي، بل وتمثل خياراً بديلاً لنظم الحكم الملكية في الخليج. تقاطعُ مصالح الإمارات مع النظام الجديد في مصر، وغيره من الأسباب، جعل دولة الإمارات تفتح دعماً للجيش ورجال الأعمال وبعض القوى المدنية قبل 30 يونيو/حزيران؛ للضغط لإسقاط الرئيس المنتخب محمد مرسي وحكومته الشرعية.

وبعد شهور قليلة جداً من إسقاط الحكومة الشرعية المنتخبة، أي في نهاية 2013، أسست الإمارات المكتب التنسيقي للمشروعات التنموية الإماراتية في مصر برئاسة سلطان بن أحمد سلطان الجابر وزير الدولة، وبدعم كامل من القيادة في دولة الإمارات[29].

وقد تمثَّل الدعم الإماراتي لمصر اقتصادياً في مِنَح مالية وتشغيلية، من خلال مجموعة واسعة من برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن دعم فني لخطة الإنعاش والتنمية الاقتصادية، وفي إطار هذه الجهود قدمت دولة الإمارات منحة قيمتها مليار دولار، ووديعة بقيمة ملياري دولار، وقدمت بعد ذلك 4.9 مليارات دولار لإقامة مشاريع خدمية، إضافة إلى تمويل شراء كميات من الوقود لتأمين احتياجات مصر من الطاقة حتى 2015، كما قدمت تمويل مبادرات ومشاريع متنوعة بهدف تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فوفقاً للبنك المركزي المصري تحتل دولة الإمارات العربية المتحدة المركز الأول من حيث الاستثمارات العربية المباشرة الموجودة بمصر، بقيمة 401.2 مليون دولار، ومن حيث الأهمية النسبية لحجم التجارة مع مصر، قال (المركزي) إن الإمارات احتلت المركز الأول بنسبة 8.9% من إجمالي حجم التجارة مع الدول. وخلال كلمة ألقاها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ذكر أن الإمارات قدمت 14 مليار دولار لمصر منذ يوليو/تموز 2013 حتى مارس/آذار 2015، وأضاف آل مكتوم أن الإمارات تدعم مصر بمساعدات جديدة بقيمة 4 مليارات دولار، منها مليارا دولار تودَع في البنك المركزي، وتوظيف ملياري دولار لتنشيط الاقتصاد المصري من خلال مبادرات. وحسب الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، وزيرة التنمية والتعاون الدولي بالإمارات، فإن المساعدات التي قدمتها الجهات المانحة الإماراتية لمصر خلال عام 2013 وحده، بلغت 16.99 مليار درهم إماراتي، أنفقت على 54 مشروعاً نفِّذت في مصر، ويمثل هذا الرقم نسبة 78.57% من إجمالي التمويل الإماراتي المقدم خلال عام 2013، وقالت: إن حجم المساعدات الإماراتية لمصر منذ عام 1971 وحتى عام 2013 بلغ نحو 35.5 مليار درهم إماراتي[30].

عاشت حكومة الببلاوي بعد الانقلاب في مصر على الدعم المقدم من دول الخليج (الإمارات، السعودية، والكويت)، إلا أنه بعد تسلم السيسي الحكم بدأت المساعدات المالية تنخفض تماماً، وتركزت فقط في الوعود بضخ استثمارات حيوية في قطاعات الإنشاء والطاقة، وعلى إثر خفض الدعم المالي فقد باتت الحكومة المصرية اليوم تعاني عجزاً متزايداً في الموازنة العامة للدولة، وتزايد عجز ميزان المدفوعات، وارتفاع معدلات البطالة والتضخم، بجانب انخفاض معدلات النمو، ونقص السيولة النقدية، وانخفاض النقد الأجنبي لدى البنك المركزي المصري، وهو مما يزيد الضغوط على الدول الداعمة لزيادة الدعم والإنفاق على حليفهم السيسي، وإلا فستواجه الحكومة المصرية خطر الإفلاس[31].

المواقف بين الإمارات ومصر أكثر انسجاماً بالمقارنة بما بين النظامين المصري والسعودي، فهناك تفاهم على ملفات عدة؛ أهمها رؤية الدولتين لجماعة الإخوان المسلمين، وسوريا، وليبيا، والموقف من تركيا والدوحة أيضاً تقريباً متماثل، لكن مع ذلك تظهر مشكلة مهمة تتمثل في الأزمة البنيوية الموجودة في الاقتصاد المصري، والمتجلية في بيئة استثمار طاردة؛ نتيجة لتعفن الجهاز البيروقراطي الحكومي، وسيطرة الجيش على إدارة مفاصل العملية السياسية والاقتصادية، وغياب الرقابة والشفافية، وخوف المستثمرين الأجانب من الاستثمار في مصر بسبب عدم الاستقرار السياسي والأمني، كذلك ضعف البنية التحتية، وغيرها من أسباب يدرك معها الإماراتيون أن الاستثمار في مصر سيكون جزئياً، وأن الدعم مرهون فقط لقطاعات حيوية ومحدودة جداً كي يظل النظام المصري حيّاً دون أن يموت تماماً.

 

سادساً: السياسات الاقتصادية الأخيرة هل تقود نظام السيسي إلى الهاوية؟

قوبلت سياسات نظام السيسي بانتقاد شديد في الداخل والخارج، فقد رأت مجموعة مهمة من الدوريات الأجنبية أن حالة القمع السياسي، وعدم الكفاءة الاقتصادية في مصر تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، مثيرة للقلق، ومنذرة بخطورة حدوث اضطرابات مرة أخرى نتيجة للأوضاع الاقتصادية المتردية على الساحة المصرية. فقد نشرت صحيفة الإيكونوميست، وهي أهم الصحف الاقتصادية البريطانية، تقريراً بعنوان: (تدمير مصر.. قمع عبد الفتاح السيسي وعدم كفاءته يؤججان الانتفاضة القادمة)، تحدثت في هذا التقرير عن أن السيسي، الجنرال الذي استحوذ على السلطة بانقلاب عام 2013، برهن على أنه أكثر قمعاً من حسني مبارك، الذي أسقطه الربيع العربي، كما أثبت أنه يمتلك قدراً كبيراً من عدم الكفاءة.

الانتقاد كان شديداً للغاية، خصوصاً حينما تحدثت الصحفية عن أن "النظام المصري (مفلس)، يعتمد على (حقن) نقود سخية من دول الخليج، وبدرجة أقل على المساعدات العسكرية الأمريكية، وعلى الرغم من المليارات التي حصل عليها من الخليج، يتزايد عجز الموازنة العامة في البلاد. وقد ذهب السيسي، الذي يتخذ مظهراً قومياً، خالي الوفاض إلى صندوق النقد الدولي طالباً 12 مليار دولار حزمة إنقاذ مالي"[32].

يعاني نظام السيسي أزمات خانقة؛ بسبب زيادة البطالة، وتعاظم الجهاز الإداري الحكومي الذي لم يجد له النظام سوى قانون الخدمة، الذي يلقى اعتراضاً شديداً من موظفي الحكومة، وهو ذاته القانون- بتغييرات طفيفة- الذي رفضه البرلمان قبيل أزمة تيران وصنافير. ويفترض هذا القانون أنه يقوم على إصلاح الجهاز البيروقراطي الضخم بجملة إصلاحات قاسية، تدرك الحكومة أنه سيكون لها تبعاتها الشديدة، خصوصاً مع جملة الإصلاحات القاسية الأخيرة التي نفذتها بعد التفاوض مع صندوق النقد الدولي.

الأزمة زادت- بالتأكيد- في الشهور الأخيرة، بعد ارتفاع التضخم، وعدم القدرة على ضبط سعر الجنيه، ثم تعويمه لاحقاً بقرار من البنك المركزي، وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار ارتفاعاً غير مسبوق، ومن المؤكد أن ارتفاع أسعار الأغذية والأدوية سبَّب حالة من الاحتقان الشديدة بالشارع المصري، وازدهرت كذلك تجارة العملة بالسوق السوداء بشكل كبير، وتسبَّب اختفاء الدولار في خلق عجز عن القدرة على استيراد قطع الغيار والماكينات، فنجم عنه زيادة معدل التضخم إلى مستوى 14%، وهو ما أضر بالصناعة، وأخاف المستثمرين. كذلك فالأموال الضخمة التي حصل عليها نظام 3 يوليو لم تجدِ نفعاً في دولة تعاني كثيراً من عدم توزيع عادل في الثروات، حيث تقبع القاهرة في ترتيب متدن في مؤشر سهولة الأعمال ضمن القائمة التي أصدرها البنك الدولي.

ولأول مرة يصل إجمالي الدين العام للدولة المصرية إلى 3 تريليونات و33 مليار جنيه، منها تريليونان و544 مليار جنيه للدين العام المحلي، و489 مليار جنيه للدين العام الخارجي، من بينها 350 مليار جنيه خارج الالتزامات الثنائية ومتعددة الأطراف، و139 مليار جنيه للالتزامات متعددة الأطراف التي تدخل الوزارة طرفاً فيها[33].

وبحسب تقرير قدمته وزارة التعاون الدولي للجنة الاقتصادية بمجلس النواب المصري في دورته الثانية فإن سندات الخزانة بلغت 28% من توزيع الدين العام المحلي، في حين شكلت أذون الخزانة نسبة 25%، وسندات البنك المركزي 14%، وبلغ الاقتراض والتسهيلات الائتمانية من الجهاز المصرفي 13%، وسندات صندوق التأمين الاجتماعي 12%، وأذون خزانة بعملتي الدولار واليورو 6%، وأخرى بواقع 2%. وبحسب التقرير، بلغت ودائع البنك المركزي 30% من الدين الخارجي، وحصة المؤسسات التمويلية متعددة الأطراف 27%، وديون قصيرة المدى وقروض الجهاز المصرفي والهيئات الاقتصادية 10%، والديون الاستثنائية 9%، وديون نادي باريس 9%، والسندات المطروحة بالخارج 5%، وأخرى بنسبة 10%، في حين بلغت نسبة المنح من الدين الخارجي 36%، مقابل 64% للقروض[34].

وبدا واضحاً أن الممولين من دول الخليج، تحديداً السعودية والإمارات والكويت، أدركوا أن هناك أزمة كبيرة فيما يتعلق بمشاكل جوهرية في الإدارة الاقتصادية لنظام السيسي، حيث رجع مستشارون من الإمارات إلى وطنهم محبطين من جراء البيروقراطية المتحجرة، وقيادة محورية تظن أن مصر لا تحتاج إلى نصيحة من دول خليجية متغطرسة، وتعدها (أشباه دولة)، تمتلك (أموالاً مثل الرز)، بحسب ما أخبر السيسي مساعده في تسجيل صوتي مسرب[35].

في الوقت ذاته علا صوت التذمر أكثر مما كان عليه الوضع قبل سنتين؛ فانتشرت فيديوهات لمواطنين مصريين يشكون من الأوضاع الاقتصادية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتذمر في الشارع من الارتفاعات الحادة في الأسعار، وتلاشي قيمة الجنيه أمام الدولار، وكذلك لسيطرة قطاعات بعينها على الحوافز والمرتبات العالية مثل الجيش والقضاء والداخلية.

يواجه السيسي اليوم أزمات مختلفة؛ ما بين توتر مع أهم داعميه الإقليميين (السعودية)، وتزايد احتقان الشارع ضده بسبب الأزمة الاقتصادية، وزيادة توسع هامش المعارضة ضده، بل وبروز صوتها، تحديداً منذ أزمة تيران وصنافير، وعدم استقرار المجال السياسي بسبب القمع الأمني، وتهميش قوى معارضة كبيرة مثل (جماعة الإخوان المسلمين) وفصائل أخرى ثورية، وعدم رضا حتى من داخل جهاز الدولة عن أداء السيسي وإدارته.

وزيادةُ حدة الانقسامات بين النخب الحاكمة والمعارضة، مع قوة الأخيرة، يزيد احتمالات تحول الأزمات الاقتصادية إلى مصدر تهديد للنظام. وبصفة عامة، اتسم المجتمع السياسي في العديد من بلدان الثورات العربية بقدر كبير من الانقسام، وتصاعد حدة الاستقطاب ما بين التيارات السياسية والدينية، ومن ثم فإن افتقاد التوافق بين النظام القائم وتيارات المعارضة في مصر يزيد من صعوبة إدارة الأزمة الاقتصادية التي تواجهها، خاصةً في ظل محاولات جماعة الإخوان المسلمين إيجاد تيار معارض تماماً للنظام الجديد (يضم بالأساس جماعة الإخوان وحلفاءها من بعض تيارات الإسلام السياسي) يرفض النظام القائم مطلقاً، ويعمل بشكل رئيسي على إسقاط النظام ومحاكمة رموزه. ويواجه هذا التيار العديد من الاتهامات من جانب الحكومة؛ بمحاولاته المستمرة لتعميق الأزمة الاقتصادية في مصر[36].

هناك الآن عدة سيناريوهات متباينة حول دور الأزمة الاقتصادية الأخيرة في إحداث تعبئة جماهيرية احتجاجية واسعة ضد السيسي من عدمه، مع أهمية ربط الأزمة الاقتصادية بعوامل أخرى مثل التغييرات الإقليمية والدولية، وهي كالآتي:


السيناريو الأول :

تحسن الأوضاع، ومن ثم بقاء السيسي واستمراره حتى نهاية حكمه، وهو أمر مرتبط بحدوث إنجازات اقتصادية قد تسهم قليلاً في تحسين شعبيته، في حال مرت أزمة تعويم الجنيه المصري، ورفع الدعم، وكذلك حصول النظام المصري على جملة مساعدات اقتصادية، سواء من صندوق النقد الدولي، أو من الخليج؛ حال خفَّت حدة التوترات بين مصر والسعودية.


السيناريو الثاني :

هو تضافر تبعات الأزمة الاقتصادية (مع تطورها سلبياً) مع أوضاع إقليمية، تتسبب في التخلي عن السيسي، أو حتى حدوث توتر داخل أجهزة الحكم بسبب سياسات غير مرضي عنها، جزئياً أو كلياً، مع صعود هبة شعبية مطالبة بالتغيير السياسي، وهنا قد يكون التغيير الجذري قريباً للغاية.


السيناريو الثالث :

هو بقاء الأوضاع على ما هي عليه: وجود أزمة مزمنة في الاقتصاد، وغلق للمجالين العام والخاص، مع استقرار هش؛ بسبب عدم توافر عوامل التغيير حتى إشعار آخر.



سابعاً: مصادر الدراسة

- ستيفن كالين، رؤية السيسي الاقتصادية..عودة مصر إلى المستقبل، جريدة العرب، العدد 9568، 24 مايو/أيار 2014، ص 11.

http://alarab.co.uk/?id=23523

- محمد الدعدع، البنك الدولي: مصر الـ 131 عالمياً في "ممارسة الأعمال"..وإسرائيل رقم 53، جريدة الوطن، 28 أكتوبر/تشرين الأول 2015.

http://www.elwatannews.com/news/details/827896

 - مؤشرات اقتصادية خاصة بممارسة أنشطة الأعمال في جمهورية مصر العربية، موقع doing business، البنك الدولي.

http://arabic.doingbusiness.org/data/exploreeconomies/egypt/

 - إيهاب عبد الله، مشروع قناة السويس الجديدة.. أرقام تتحدث وأحلام تتحقق، العربية نت، 2 أغسطس/آب 2015.

http://cutt.us/BHKFy

 - قناة السويس الجديدة- مصدر عائدات أم رمز سياسي فقط؟ موقع قناة دويتش فيلة الألمانية، تاريخ زيارة الرابط 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

 http://goo.gl/0R9Mk4

 - سيد إبراهيم، ماذا قدمت قناة السويس الجديدة خلال عام، الأهرام، 6 أغسطس/آب 2016.

 https://goo.gl/Jdydke

  - ممدوح الولي، كيف تسببت تفريعة قناة السويس في أزمة الدولار؟ مصر العربية، 5 أغسطس/آب 2016.

https://goo.gl/Q8A4b1

 - إمبراطورية الجيش المصري: توسع في تأسيس شركات جديدة، العربي الجديد، 14 أكتوبر/تشرين الأول 2016.

https://goo.gl/gjLwz0

 - Henry Harding, ANALYSIS: Egypt's military-economic empire, middleeasteye, 30 March 2016.

http://www.middleeasteye.net/news/analysis-egypts-military-economic-empire-35257665

 

  • محمد الصديق، هل صندوق النقد سينقذ مصر بعد فشل 100 مليار خليجية؟ بوابة القاهرة، 5 نوفمبر/تشرين الثاني

http://cutt.us/Oitl

  • ديون مصر تتخطى الـ 3000 مليار جنيه، العربي الجديد، 5 نوفمبر/تشرين الثاني

http://cutt.us/qKV0r

  • محسن خان وإليسا ميلر، التراجع الاقتصادي في مصر بعد انتفاضة 2011 (دراسة بحثية)، مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، 8 يونيو/حزيران 2016.

 http://www.achariricenter.org/egypt-economic-decline-ar/

  • حساني شحات، التعويم المنتظر.. التبعات الاقتصادية والاجتماعية، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2016.

http://cutt.us/vl3xE

  • محمد جمال، 3 أضرار لتخفيض سعر الجنيه المصري مقابل الدولار، هافنغتون بوست، 22 مارس/آذار 2016.

http://www.huffpostarabi.com/2016/03/22/story_n_9520298.html

  • أحمد مصطفى وشادي أحمد، الطبقة المتوسطة: مواطنون "خارج الدعم".. وفريسة بلا حماية، جريدة الوطن، 23 يوليو/تموز 2016.

http://www.elwatannews.com/news/details/1236864

  • وحدة تحليل السياسات، الخلافات المصرية-السعودية: أزمة عابرة أم افتراق استراتيجي؟ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 27 أكتوبر/تشرين الأول

http://dohainstitute.org/release/8fdce100-c835-4240-a201-6d216063ff5e

 Migration and remittances brief, World Bank , April 2016,

http://pubdocs.worldbank.org/en/661301460400427908/MigrationandDevelopmentBrief26.pdf

  • البنك الدولي: التحويلات إلى البلدان النامية ستظل قوية هذا العام رغم زيادة ترحيل العمال المهاجرين، البنك الدولي، 11 أبريل/نيسان 2014.

 http://www.albankaldawli.org/ar/news/press-release/2014/04/11/remittances-developing-countries-deportations-migrant-workers-wb

  • بيسان كساب، الاقتصاد بين مصر والسعودية.. الأوراق في يد المملكة، مدى مصر، 16 أكتوبر/تشرين الأول

http://cutt.us/JN8bK

  • عام الدعم الإماراتي لمصر، البيان الإماراتية، 31ديسمبر/كانون الأول 2014.

 http://www.albayan.ae/one-world/arabs/2014-12-31-1.2277335

  • فريق التحرير، أشكال الدعم الإماراتي لمصر ومآلاته على استقرارها، نون بوست، 30 نوفمبر/تشرين الثاني

http://cutt.us/9fjxu

  • The ruining of Egypt, The Economist, Aug 6th 2016,

 http://www.economist.com/news/leaders/21703374-repression-and-incompetence-abdel-fattah-al-sisi-are-stoking-next-uprising?fsrc=scn%2Ftw%2Fte%2Fpe%2Fed%2Ftheruiningofegypt

  • رانيا علاء الدين السباعي، مشروطيات التعبئة: متى تؤدي الأزمات الاقتصادية إلى موجة انتفاضات شعبية؟ (دراسة بحثية)، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 6 نوفمبر/تشرين الثاني

 https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/2092

[1] السيسي: البرنامج الانتخابي حلم قابل للتحقيق، موقع اليوتيوب، 5 مايو/أيار 2014.

 https://www.youtube.com/watch?v=ah8XS4RbgVQ

[2] ستيفن كالين، رؤية السيسي الاقتصادية.. عودة مصر إلى المستقبل، جريدة العرب، العدد 9568، 24 مايو/أيار 2014، ص 11.

http://alarab.co.uk/?id=23523

[3] محمد الدعدع، البنك الدولي: مصر الـ 131 عالمياً في "ممارسة الأعمال".. وإسرائيل رقم 53، جريدة الوطن، 28 أكتوبر/تشرين الأول 2015.

https://goo.gl/wrRb6Y

[4] مؤشرات اقتصادية خاصة بممارسة أنشطة الأعمال في جمهورية مصر العربية، موقع doing business، البنك الدولي.

https://goo.gl/acPkhC

[5] إيهاب عبد الله، مشروع قناة السويس الجديدة.. أرقام تتحدث وأحلام تتحقق، العربية نت، 2 أغسطس/آب 2015.

 https://goo.gl/9mKXBZ

[6] المصدر السابق.

[7] قناة السويس الجديدة- مصدر عائدات أم رمز سياسي فقط؟ موقع قناة دويتش فيلة الألمانية، تاريخ زيارة الرابط 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

http://goo.gl/0R9Mk4

[8] سيد إبراهيم، ماذا قدمت قناة السويس الجديدة خلال عام، الأهرام، 6 أغسطس/آب 2016.

 https://goo.gl/Jdydke

[9] المصدر السابق.

[10] ممدوح الولي، كيف تسببت تفريعة قناة السويس في أزمة الدولار؟ مصر العربية، 5 أغسطس/آب 2016.

https://goo.gl/Q8A4b1

[11] إمبراطورية الجيش المصري: توسع في تأسيس شركات جديدة، العربي الجديد، 14 أكتوبر/تشرين الأول 2016.

https://goo.gl/gjLwz

[12] المصدر ذاته.

[13] Henry Harding, ANALYSIS: Egypt's military-economic empire, middleeasteye, 30 March 2016.

https://goo.gl/rkCamO

[14] المصدر ذاته.

[15] المصدر ذاته.

[16] محمد الصديق، هل صندوق النقد سينقذ مصر بعد فشل 100 مليار خليجية؟ بوابة القاهرة، 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

http://cutt.us/Oitl

[17] ديون مصر تتخطى الـ 3000 مليار جنيه، العربي الجديد، 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

 http://cutt.us/qKV0r

[18] محسن خان وإليسا ميلر، التراجع الاقتصادي في مصر بعد انتفاضة 2011 (دراسة بحثية)، مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، 8 يونيو/حزيران 2016.

https://goo.gl/wfxSKE

[19] حساني شحات، التعويم المنتظر.. التبعات الاقتصادية والاجتماعية، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2016.

http://cutt.us/vl3xE

[20] ا محمد جمال، 3 أضرار لتخفيض سعر الجنيه المصري مقابل الدولار، هافنغتون بوست، 22 مارس/آذار 2016.

https://goo.gl/hZBmvX

[21] المصدر ذاته.

[22] أحمد مصطفى وشادي أحمد، الطبقة المتوسطة: مواطنون "خارج الدعم".. وفريسة بلا حماية، جريدة الوطن، 23 يوليو/تموز 2016.

https://goo.gl/obCxNT

[23] حساني شحات، مصدر سابق.

[24] وحدة تحليل السياسات، الخلافات المصرية-السعودية: أزمة عابرة أم افتراق استراتيجي؟ المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 27 أكتوبر/تشرين الأول 2016.

https://goo.gl/Sd5Krl

[25] Migration and remittances brief, World Bank, April 2016,

 https://goo.gl/Lyk1lu

[26] البنك الدولي: التحويلات إلى البلدان النامية ستظل قوية هذا العام رغم زيادة ترحيل العمال المهاجرين، البنك الدولي، 11 أبريل/نيسان 2014.

https://goo.gl/UMlgWT

[27] بيسان كساب، الاقتصاد بين مصر والسعودية.. الأوراق في يد المملكة، مدى مصر، 16 أكتوبر/تشرين الأول 2016.

 http://cutt.us/JN8bK

[28] المصدر السابق.

[29] عام الدعم الإماراتي لمصر، البيان الإماراتية، 31 ديسمبر 2014.

https://goo.gl/yOmb9D

[30] فريق التحرير، أشكال الدعم الإماراتي لمصر ومآلاته على استقرارها، نون بوست، 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2015.

 http://cutt.us/9fjxu

[31] المصدر نفسه.

[32] The ruining of Egypt, The Economist, Aug 6th 2016,

https://goo.gl/T7t5uA

[33] ديون مصر تتخطى الـ 3000 مليار جنيه، مصدر سابق.

[34] المصدر السابق.

[35] The ruining of Egypt, The Economist, Ibid.

[36] رانيا علاء الدين السباعي، مشروطيات التعبئة: متى تؤدي الأزمات الاقتصادية إلى موجة انتفاضات شعبية؟ (دراسة بحثية)، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

https://goo.gl/WIJLAE