يرجى تدوير الجهاز الى الوضع العامودي للحصول على افضل طريقة عرض لموقعنا

مقدمة

منذ وصول الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى كرسي الرئاسة عام 2009، دخلت العلاقات السعودية الأمريكية مرحلة البرود، وربما التوتر، على غير عادتها، وكان حرص الرئيس أوباما على التقارب مع إيران وإنهاء الحظر عليها، أهم مسببات ذلك الفتور، بالإضافة إلى تراجع الاحتياج الأمريكي إلى السعودية.

وقبل شهر من طي صفحة الرئيس أوباما، وإجراء انتخابات رئاسية جديدة (كلينتون- ترامب)، تبنَّى الكونجرس الأمريكي، بمجلسَيه (النواب والشيوخ)، قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب (المعروف اختصاراً بقانون جاستا)، الذي يسمح للمواطنين الأمريكيين بمحاكمة أي دولة، كما يجيز لعائلات ضحايا تفجيرات 11 سبتمبر 2001 خاصة بمقاضاة الدول التي يثبت تورطها في العملية، والحصول على تعويضات منها.

 

وعلى الرغم من أن القرار لم يسمِّ دولة أو جهة بعينها، فإن المطالبات السابقة من قبل اللوبي المتبني لملف ضحايا 11 سبتمبر 2001 يوضح الهدف من هذا القانون، الذي أحدث ثقباً في العلاقات السعودية الأمريكية، حتى وإن لم يمرر؛ فصورة المملكة العربية السعودية نالها كثير من التشويه إثر هذا القرار على مستوى الرأي العالمي، وفي المقابل زعزع القانون ثقة المستثمرين السعوديين، وربما الخليجيين والعرب عموماً، بالسوق الأمريكية، ولم تعد كما كانت؛ فالسطو القضائي الأمريكي عليها أصبح متوقعاً في أي لحظة، فضلاً عن أن الاستثمارات والودائع الدولية أصبحت خاضعة لأحكام قضائية محلية.

توالت التعليقات الدولية حول هذا القانون دفاعاً عن مبدأ الحصانة السيادية وقوانين العلاقات الدولية، وهذا يُعَدُّ فرصة للدبلوماسية السعودية إن أحسنت توظيفها والخروج منها بموقف أممي ضد هذا القانون، أفتنجح الدبلوماسية السعودية في تحويل المحنة إلى منحة، أم أنها لا تستطيع فعل شيء أمام هذا المتغير الجديد؛ كما حدث عقب الاتفاق النووي الإيراني؟ وفي كلتا الحالتين يبقى السؤال الملحُّ: إلى أين تتجه العلاقات السعودية الأمريكية بعد هذا القرار؟ وما الخيارات السعودية المتاحة؟

تحاول هذه الورقة الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال قراءة ديناميات القرار، ودلالات التوقيت، وكذلك انعكاساته المتوقعة والحاكمة لمستقبل العلاقات السعودية الأمريكية.

خلفية تاريخية عن العلاقات السعودية الأمريكية

يعود تاريخ العلاقات السعودية - الأمريكية إلى عام 1933؛ حين تم التوقيع على اتفاقية تمنح الشركات الأمريكية حق التنقيب على النفط، وقد تميزت العلاقة السعودية الأمريكية منذ ذلك الحين بانسيابيتها. وكان اللقاء الأول الذي دشن العلاقات بين البلدين، وجمع بين الرئيس الأمريكي (روزفلت) والملك المؤسس (عبد العزيز)، عام 1945، على متن المدمرة الأمريكية (كوينسي) بالبحيرات المرة قرب مدينة السويس.

ومنذ ذلك الحين لم تتعرض العلاقات السعودية الأمريكية لقطيعة أو توتر إلا في عهد الملك فيصل عام 1973؛ حينما قطع تصدير النفط إلى أمريكا على خلفية دعمها لإسرائيل، وقد اغتيل بعدها بعامين (1975)، وتولى بعده الملك خالد، الذي أعاد العلاقات إلى طبيعتها، واستمرت حتى هجمات 11 سبتمبر 2001، التي يعتقد أنها أحد الأسباب المسؤولة عن تصدع العلاقات بين البلدين.

وعلى الرغم من تفاني المملكة في حربها على (الإرهاب)، وتقديم جميع أنواع التعاون الاستخباري للولايات المتحدة، فإن ذلك التعاون ظل محصوراً في السلطة التنفيذية، ولم تتنبه السعودية إلى أهمية المؤسسات القضائية والتشريعية ومؤسسات المجتمع المدني، وهو ما أتاح الفرصة للوبي الإيراني، وغيره من خصوم المملكة، للعمل على إلصاق الحادثة بالسعودية، نتج عنه مؤخراً قانون (جاستا)، الذي فتح الباب أما تكهنات كثيرة حول مستقبل العلاقات السعودية الأمريكية، بعد مرور سبعين عاماً من الشراكة، مقابل تحسن العلاقات الأمريكية الإيرانية، وذلك ما يفرض على الرياض تنويع حلفائها، ولا سيما بعد تراجع الاهتمام الأمريكي بالمنطقة العربية، والتوجه نحو الصين والمحيط الهادئ.

ركائز العلاقات السعودية الأمريكية

إن العلاقات السعودية الأمريكية قائمة على ملفين متلازمين إذا تراجع أحدهما تراجع الآخر، وإذا تراجعا معاً فترت العلاقات بين البلدين: الأول ملف الطاقة (النفط)؛ وقد مثَّل هذا الملف أهمية كبيرة في توطيد العلاقة خلال سبعة عقود مضت، ولكن قلَّت أهميته بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية بعد أن وضعت يدها على نفط العراق، إضافة إلى اكتشافها للنفط الصخري.

 أما الملف الثاني فهو ملف (الأمن والحرب على الإرهاب)، وهنا تبدو المصلحة متبادلة أيضاً؛ إذ تؤمِّن الولايات المتحدة منطقة الخليج وبقية حدود المملكة من أي خطر دولي ضدها، وكذلك الوقوف إلى جانب المملكة في المحافل الدولية، ومنع إيران من امتلاك الرؤوس النووية أو تصنيعها. ولكن هذه المهام لم تعد الولايات المتحدة تمارسها، بل على العكس؛ أسهمت في إلغاء الحظر الدولي عن إيران، وإطالة الحرب في الجوار الخليجي، وهو ما جعل الخليج محاطاً بالحروب التي قد تجتاحه في أي لحظة، وقد تسبب ذلك في محاولة الرياض وبعض دول الخليج البحث عن حلفاء أكثر مصداقية في تأمين المنطقة.

من جانبها تعددت الخيارات لدى الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب؛ إذ تعتقد إدارة أوباما أن الطائرات من دون طيار (Drones) أسهل وأفضل طريقة لاستهداف عناصر القاعدة، كما تعتقد أيضاً أن دور السعودية في هذا الملف أصبح هامشياً، لكن يجب الحفاظ عليه، وقد حذر مسؤولون أمريكيون، ومراكز أبحاث، وصحف كبرى، من أن القطيعة مع المملكة على خلفية قانون (جاستا) ستعرض ملف مكافحة الإرهاب والمصالح الأمريكية في المنطقة للخطر.

إن المتتبع للتصرفات الأمريكية في حربها على الإرهاب يجد أنها بدأت تميل إلى التيار الشيعي، وإيران بصفتها دولة راعية له، وهي تستغل ذلك في التمدد في المنطقة وبسط سيطرتها، وقد تنجح فيه إذا ظلت الدول العربية والسنية تقدم الصراعات البينية على المصالح الاستراتيجية العامة، وقد يكون في تراجع العلاقات الأمريكية السعودية فرصة للتقارب بين دول المنطقة.

هذا وإن التقارب الأمريكي – الإيراني، وإقرار الكونجرس لقانون (جاستا)، ليس إلا دليلاً على تراجع مستوى علاقات أمريكا مع السعودية، وهذا يعني بالضرورة شعور الأمريكيين أن الحاجة إلى السعودية لم تعد ذات أهمية، هذا من حيث الطاقة (النفط).

ومن عوامل برود العلاقة: الملف السوري؛ إذ تسعى المملكة العربية السعودية إلى قطع الطريق عن النفوذ الإيراني؛ بإسقاط الأسد، وقد أبدت استعدادها للتدخل برياً، بيد أن حسابات الأمريكيين من هذا الموقف مختلفة، ولا يعدُّ الأسد ولا النفوذ الإيراني مصدر قلق، بل على العكس من ذلك؛ فإن بقاء نظام الأسد هو بارقة أمل أمريكي للصدام الإيراني السعودي، وربما التركي.

الحال ذاته في اليمن؛ فقد انطلقت عاصفة الحزم وحددت هدفاً يتمثل بإعادة الدولة، وقطع النفوذ الإيراني، وعلى الفور سارع الأمريكيون إلى احتواء الحالة؛ بتأييد السعودية؛ بهدف الحفاظ على الحوثيين ليكونوا ورقة ضغط على الرياض وإضعافها، خصوصاً بعد محاولة الرياض فتح علاقات مع كلٍّ من الصين وتركيا، ويرى مراقبون أن الرؤية الاستراتيجية التي أعلنتها الرياض في بداية العام 2016 لم ترضِ واشنطن، خصوصاً في المجالين العسكري والاقتصادي.

دلالات التوقيت والإجماع

منذ الأسابيع الأولى لأحداث 11 سبتمبر 2001 التي ضربت برجَي مركز التجارة العالمي ومبنى الكونجرس الأمريكي، والجهات التي تقف خلف هذا القانون بقيادة السيناتور (جاك شومر) تطالب الكونجرس بالتصويت عليه، وقد جرت العادة على أن يطالب الكونجرس بتشكيل لجنة للتحقيق في الدعوى، ولكن كلها عاد بتقرير ينفي وجود أدلة تؤكد علاقة المملكة بهذه الحادثة، فما الذي دفع الكونجرس الأمريكي، بغالبية مطلقة، للتصويت على قانون المحاكمة بعد مرور 16 عاماً؟

من المؤكد أن للسباق الانتخابي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري الدورَ الأبرز من حيث التوقيت، وكذلك الإجماع داخل الكونجرس؛ إذ إن فارق الأصوات بين المرشحين (كلينتون – ترامب) لا يتجاوز 2%، ومن ثم فإن أي قضية قد تؤثر في أعداد الناخبين، فلا شك أن تعطى أولوية من أي من الحزبين في هذه المرحلة الحرجة، وهذا لا يعني أن الانتخابات هي العامل الوحيد وراء قرار الكونجرس؛ فقد شهدت الولايات المتحدة الأمريكية جولتين من الانتخابات الرئاسية بعد أحداث 11 سبتمبر، ولكن هذه الانتخابات جاءت في أجواء مختلفة وبرود في العلاقات السعودية الأمريكية، يقابله دفء في العلاقات الأمريكية الإيرانية.

قانون جاستا بين السلطتين التنفيذية والتشريعية

قدم السيناتور الديمقراطي (جاك شومر)، والسيناتور الجمهوري (جون ‏كورنين) مشروع قانون (جاستا) إلى مجلس الشيوخ الأمريكي للتصويت عليه، وبعد ذلك صدق عليه نواب الكونجرس الأمريكي مطلع الشهر الحالي، ثم رُفِع إلى الرئيس أوباما ‏للموافقة عليه، بيد أن الأخير أعلن رفضه، واستخدم حق الفيتو ضد القانون، موضحاً أخطار هذا القانون على المصالح الأمريكية، وقال إن ذلك يخالف القوانين المعمول بها منذ مئات السنين، وإنه ينتهك الحصانة السيادية في العرف الدولي، ويعرض الأمريكيين للخطر في حال تعاملت دول أخرى بالمثل. إلا أن مجلسي الشيوخ والنواب لم يكترثا بتحذيرات أوباما، وأعادا التصويت، فأيد تعطيل (الفيتو) الرئاسي 348 نائباً، مقابل 77 نائباً، وفي مجلس الشيوخ أيَّد التعطيل 97 سناتوراً مقابل سناتور واحد. إن رفض الكونجرس لـ(فيتو) الرئيس أوباما حول قانون جاستا وضع إدارة أوباما في محل ضعف، وحول مهمتها من الجهةِ الأعظمِ قوةً في صناعة السياسات الخارجية إلى الحلقة الأشد ضعفاً بين مواقف السلطات التشريعية والقضائية الأمريكية من جهة، وبين مقتضيات السياسة الخارجية وضغط الحلفاء من جهة أخرى.

ومن هنا يمكن وضع خلاف الرئيس أوباما مع الكونجرس حول القانون الجديد (جاستا) في إطار: التخوف من قيام بعض الدول بسن قانون مشابه على الأفراد والساسة والجنود الأمريكيين الذين شاركوا في أعمال عنف وقتل وتعذيب وإبادة، كما حصل لسكان مدينة هيروشيما اليابانية في الحرب العالمية الثانية، وإبادة الشعب الفيتنامي، وتعذيب السجناء العراقيين في سجن أبو غريب، والمعتقلين في معتقل غوانتنامو، والأبرياء من ضحايا طائرات من دون طيار في اليمن وأفغانستان، وغيرها، فضلاً عن دعمها للإرهاب الإسرائيلي في قتل المدنيين الفلسطينيين.

ويذهب بعضهم إلى أن هذا الخلاف بين السلطتين: التشريعية (الكونجرس)، والتنفيذية (إدارة الرئيس أوباما)، ليس إلا محاولة لاحتواء أي ردة فعل دولية، والإيحاء للأطراف الدولية المتضررة والرافضة لهذا القرار بأن السلطة التنفيذية في الإدارة الأمريكية لن تقبل بصدور هذا القرار الذي يعرض مصالحها للخطر، وقد ترك القانون (خطاً للعودة) في مادته الخامسة التي تنص على إمكانية وقف الدعوى ضد أي دولة أجنبية إذا ما شهد وزير الخارجية بأن هناك نية حسنة من الدولة الأجنبية المدعى عليها للتعامل مع الولايات المتحدة، وحدد القانون مدة إيقاف الدعوى بأن لا تزيد عن 180 يوماً، وتجدد مرة أخرى إذا استدعت الحاجة ذلك.

خيارات المملكة العربية السعودية تجاه قانون جاستا

تمتلك السعودية كثيراً من أوراق الضغط على الأمريكيين، لكنها لا تمتلك البدائل المناسبة نتيجة التحالف القوي مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تحتج المملكة إلى بدائل خلال المرحلة الماضية، بيد أن هذا القانون سيحدث- بلا شك- مراجعة جديدة في السياسة، تقوم على تعدد الحلفاء، وتوزيع المصالح.

وفيما يخص انعكاسات قانون (جاستا) فإن ثمة خيارات ستطرح على الطاولة إذا ما صدر القانون، أو تعرضت ممتلكاتها للحظر، وخيارات أخرى ستوضع في حال تعديله أو توقيف العمل به.

ففي حال ثبت القانون تمتلك السعودية كثيراً من الخيارات للضغط على صانع القرار الأمريكي، منها:

  • القانون الدولي؛ وهو أن تتفاعل الدبلوماسية السعودية مع الدول الرافضة للقانون؛ لتشكيل لجنة دولية مشتركة لإسقاط قانون جاستا من خلال المحكمة الدولية والأمم المتحدة، فالولايات المتحدة بسنها هذا القانون تخرق مبادئ التعامل الدولي.
  • الضغط الاقتصادي؛ إذ تحتل السعودية مكانة كبيرة في الاستثمار الأجنبي داخل الولايات المتحدة الأمريكية، فهي تمتلك 96.5 مليار دولار في أصول تحت إدارة وزارة الخزانة، تجعل منها المستثمر رقم 15 في لائحة مالكي أصول الخزانة الأمريكية، فضلاً عن الشركات الخاصة، والضغط الاقتصادي قد لا يكون بسحب الأموال فقط، وإنما فتح أسواق أخرى مع الصين وتركيا ودول أخرى منافسة، كما أن حفظ الإنتاج النفطي قد يأتي في هذا السياق.
  • المجال السياسي؛ تحظى المملكة العربية السعودية بقبول بين الدول العربية والإسلامية، خاصة إذا تعلق الأمر بالنفوذ الأمريكي؛ فإن الدول الإسلامية قد تتعاطف معها، فضلاً عن الدول الخليجية، التي تبدو تابعة لها في سياساتها العامة، ومن ثم فإن تفعيل التحالف الإسلامي سيكون ضربة قاسية للنفوذ الأمريكي؛ إذ إنه يحتوي على ثلاث دول قوية، مثل تركيا وباكستان والسعودية، وهذا التحالف من شأنه حسم المعركة في اليمن وسوريا، وقطع الطريق على التدخل الإيراني.

الخاتمة

من الواضح أن الأمريكيين تعمدوا التصويت على القانون، مدركين نتائجه وانعكاساته على العلاقة مع السعودية؛ بهدف ابتزاز السعودية، واستخدامه مستقبلاً ورقةَ ضغط قضائية ضد أي تحرك سعودي يخالف الإرادة الأمريكية، أي إن القرار سياسي وليس حقوقياً، وهذا يدلنا على أن السعودية حالياً ستتحفظ على أي رد حتى تأتي إدارة جديدة، وهي بطبيعة الحال ستأتي على علاقات مسمومة كما سماها مركز بروكنغز الأمريكي. وإذا ما نظرنا إلى تعليق الاتحاد الأوروبي وتركيا على القرار، وغيرها من الدول، بل والحديث عن مطالب بمحاكم ضد الأمريكيين، نجد أن الاتجاه نحو تعديل القانون واردة ومرجحة.

أما عن مستقبل العلاقات الأمريكية السعودية، فمن المرجح أنها لن تعود كما كانت، ولن تتوتر أكثر مما هي عليه؛ ذلك أن أمريكا أوصلت رسالتها، وسيعود التقارب مع المملكة من جديد، ولن تترك السعودية تفتح أسواقها للصين؛ العدو الدولي لأمريكا، ولا لتركيا أيضاً العدو الإقليمي لإسرائيل، ومن ثم فلا خيار للأمريكيين إلا بالمحافظة على مصالحهم مع السعودية، ولكن من مصلحة السعودية تعدد الحلفاء وتشبيك المصالح.