يرجى تدوير الجهاز الى الوضع العامودي للحصول على افضل طريقة عرض لموقعنا

­­­

مقدمة

تخطو المملكة العربية السعودية خطوات مهمة وفاعلة على صعيد السياسة الخارجية؛ فقد شهدت سياستها تحولاً كبيراً عبرت فيه عن موقف حازم تجاه محاولات التوغل الإيرانية في المنطقة، من خلال مساندتها للحكومة الشرعية في اليمن ضد الانقلاب الحوثي، وتصريحات مسؤوليها الواضحة حول الدور الإيراني الداعم للإرهاب في كل من اليمن وسوريا، وما كان أخيراً من إيقاف لحزمة المعونات المالية للجيش والأمن اللبنانيين والتشديد على أن لبنان يتخذ سياسة مؤسفة وغير مبررة، في إشارة إلى هيمنة حزب الله الشيعي على القرار في لبنان؛ فضلاً عن موقف المملكة الثابت تجاه الأزمة السورية؛ المتمثل في ضرورة رحيل الأسد. هذا التناغم السياسي للمملكة في رفضها للتدخل الإيراني في شؤون دول المنطقة، بالإضافة إلى سعي المملكة لتوحيد الجبهتين العربية والإسلامية عبر التحالف الإسلامي ضد الإرهاب، دفع بالمملكة للتعبير عن استعدادها لإرسال قوات برية مقاتلة في سوريا ضد تنظيم الدولة، وهو الموقف الذي درج ضمن حملة المملكة غير المسبوقة في وجه الأخطار المحيطة بالأمن القومي العربي.

وكما كانت مواقف المملكة فيما يخص الوضع في سوريا محل اهتمام إعلامي وشعبي في الوطن العربي؛ لواقع موقفها الثابت وبحكم ما تتمتع به من مكانة وثقل سياسي، فقد أثارت تصريحات مسؤولي النظام المصري الحالي، المناصرين لموقف المملكة، إذ جاءت في سياق معاكس لسياسة السعودية في الملف السوري، حيث عبر وزير الخارجية المصري سامح شكري، في لقاء صحفي، عقب إعلان كل من السعودية وتركيا استعدادهما لإرسال قوات برية إلى سوريا تحت مظلة التحالف الدولي ضد الإرهاب، عن أن الحل العسكري في سوريا لم يثبت جدواه خلال السنوات الماضية، داعياً للحل السلمي من خلال جهود الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص لسوريا، وفي مؤتمر صحفي مع نظيره الكويتي أكد شكري أن مصر تعتبر قرار المملكة للتدخل البري في سوريا أمر سيادياً منفرداً، ولا يأتي في إطار قوات التحالف الإسلامي المشترك ضد الإرهاب. عبد الفتاح السيسي بدوره قال إن موقف حكومته تجاه سوريا لم يتغير؛ وهو عدم التدخل في شؤون سوريا، ودعم التوصل إلى حل سياسي للأزمة.

فهل سيؤثر التباين السعودي المصري في الملف السوري على العلاقات بين القطبين العربيين؟ وهل سيقود الاختلاف في الرؤى السياسية إلى خلاف حقيقي وتغير في طبيعة العلاقة بين البلدين؟

 

الملف السوري واختلاف التوجهات 

  • الدور السعودي

إن عناية المملكة بالملف السوري تأتي على خلاف الرؤية المصرية لقضايا السياسة الخارجية، فمع تولي الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم في المملكة، والسياسةُ السعودية تضع التهديد الإيراني للأمن القومي العربي محل اهتمامها، دافعة بقواتها في اليمن ضد التمدد الحوثي الذي تراه المملكة يخدم المصالح الإيرانية. وللوقوف أمام المشروع التوسعي الإيراني فإن المواجهة والتصريح بالخطر الإيراني كان لا بد أن يمر على وجود إيران في سوريا، فقد وصفه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بالاحتلال، وأن إيران هي أكبر راع للإرهاب، وجاء تبني سياسة خارجية للمملكة منصرفة لمواجهة صريحة للتمدد الإيراني، حافزاً للمملكة لكسب مزيد من القوة عبر السعي لتوحيد الصف العربي وغلق الطريق أمام توسع المصالح الإيرانية؛ من خلال إنشاء التحالف العسكري الإسلامي ضد الإرهاب، فالمملكة مع قيادتها لتحالفين أحدهما عربي في وجه المليشيات الحوثية، والآخر إسلامي ضد الإرهاب، تنشد بذلك دوراً أكبر للدول المؤثرة في المنطقة، وتحشد كل إمكاناتها السياسية الممكنة نحو إبعاد المكون العربي في المنطقة من دائرة العجز والضعف؛ سعياً لكبح الرغبة الإيرانية في النفوذ والتغلغل.

إن استشعار المملكة بأهمية جمع الشتات العربي، وتقارب حكومات المنطقة في الحالة الراهنة التي تأكد معها خطر التهديد الإيراني، مع ضرورة الإسراع في حل الأزمة السورية، يأتي على رأس اهتمامات السياسة الخارجية السعودية، ويبرهن على ذلك ما ذهبت إليه المملكة من قطع للمعونات المادية التي كانت مخصصة للجهات الأمنية والعسكرية في لبنان، المقدرة بأكثر من مليار دولار أمريكي، فمع اعتبارها بلداً عربياً ويربطها بالمملكة علاقات وثيقة، إلا أن ذلك لم يقف دون الأولوية التي تتحرك المملكة وفقاً لها. وإن كانت سياسة المملكة الخارجية تتسم بالهدوء والبعد عن النزاع والشقاق، غير أن شكل العلاقات السعودية في المنطقة بعد قطع المعونات عن لبنان قد تتغير، خصوصاً مع ما تراه المملكة مؤثراً في سياستها الممانعة لإيران، فنحن أمام تسارع في الأفعال، وتغير في شكل تلك الأفعال، تمثل في إقامة التحالفات وإمكانية فتح أكثر من جبهة قتالية في اليمن وسوريا.

 

  • الموقف المصري

تبقى حركة السياسة المصرية منكفئة على قضايا الداخل وعازفة عن ممارسة أدوار فاعلة للسياسة الخارجية، وذلك يوضح مدى عمق الأزمات الداخلية التي تعيشها الدولة المصرية، أما تصريحات النظام الحالي المصري الرافضة للتدخل البري في سوريا فقد تبدو غير مثيرة إذا ما لوحظ أن الموقف المصري تجاه الأزمة السورية منذ مجيء السيسي للسلطة لم يوافق الرؤية المطالبة برحيل الأسد التي تتبناها السعودية ومعها تركيا وقطر، وكذلك فإن مصر لم تساير الخط العربي المشدد على الخطر الإيراني في المنطقة. ولا شك في أن الموقف المصري يمثل ثقلاً ووزناً عربياً، وما التصريحات التي صدرت عن حزب الله اللبناني مؤخراً، خلال زيارة لوفد من الحزب للقاهرة، من أن علاقات الحزب والحكومة المصرية هي علاقات مفتوحة، إلا إشارة إلى الأهمية الكامنة للموقف المصري، والحصول على اعتراف غير مباشر على شرعية الحزب وعروبته، وإن بدا بُعد مصر عن دائرة الخلاف بين المملكة وحزب الله.

 وفي تطور سابق، لم يخف بشار الأسد عبر لقاء له مع وسائل إعلام روسية، في سبتمبر من العام الماضي، ما أسماه رؤية مشتركة مع النظام المصري، وقوله إن العلاقة بين النظامين هي على المستوى الأمني، وعاد ليبدي ارتياحه لتحسن العلاقات المصرية الروسية.

أما التراخي المصري تجاه القضية السورية فيمكن إعادته إلى أمرين:

أولاً: العلاقات مع روسيا، التي تهدف حكومة السيسي إلى محاولات استرضائها وكسب ودها، خاصة بعد سقوط الطائرة الروسية في سيناء، حيث كشفت الواقعة عن خلل داخل الأجهزة الأمنية المصرية. وحول التدخل الروسي في سوريا فقد جاء على لسان وزير الخارجية المصري سامح شكري مباركته العمليات الروسية في سوريا ضد ما أسماه الإرهاب، وفي تصريح آخر للوزير، عبر فيه عن ثقته بما تقوم به القوات الروسية في سوريا، وأنها تستهدف الإرهابيين فقط، في الوقت الذي ترفض فيه المملكة بشدة التدخل الروسي في سوريا وتعتبره يمثل غطاء حامياً لبشار الأسد.

ثانياً: أن الوقوف الصريح مع خيار السعودية في سوريا هو وقوف مع تركيا أيضاً، وذلك يبدو مرفوضاً لدى حكومة السيسي التي ترى تركيا مناهضة للانقلاب العسكري الذي أتى بالسيسي رئيساً.

وقد وصف الكاتب السعودي البارز جمال خاشقجي تصريحات النظام المصري الأخيرة بالغريبة، متسائلاً عن كيفية القبول بسقوط سوريا في يد إيران التي لا تنتمي للمنظومة العربية، وأكد أن تعظيم حكومة السيسي لخطر الإسلام السياسي دفعها للقبول ببقاء الأسد حتى لا تقع سوريا في يد الإسلاميين.

 

الدعم السعودي والمخاطر الاقتصادية

أفضى الانقلاب العسكري في مصر في عام 2013م، وتولي الجنرال السيسي الرئاسة في مصر، إلى نمط خاص من العلاقة بين كل من السعودية ومصر، واتسمت هذه العلاقة بتقديم الدعم السياسي والمادي لنظام السيسي بحثاً عن استقراره، وإن ظهر النظام الحالي في مصر في حالة ترهل وضعف، والاتجاه نحو تصحيح الأوضاع الاقتصادية والسياسية في مصر، فلا يزال الاعتماد المصري على المعونات الخارجية من دول الخليج، ومنها السعودية، قائماً، ويبدو أن حال الاقتصاد المصري يمضي نحو مزيد من الضعف، ولربما الانهيار في حال قلَّت المعونات الخارجية، حيث تشير صحيفة الديلي نيوز إلى أن نحو 53% من الشباب المصري قريبون من خط الفقر أو تحته، وحتى لا يواجه نظام السيسي الشعب المصري بمزيد من المشاكل الاقتصادية فإن اللجوء إلى استمرار طلب الدعم المالي واستجداء دول الخليج في تقديم المعونات قد لا يتوقف.

المملكة العربية السعودية في ظل انخفاض أسعار النفط تسعى لئلا يشكل هذا الانخفاض المستمر على المدى القريب مشكلة تواجه اقتصادها، ولا سيما أن المملكة تعتمد على إيرادات النفط في هيكل الاقتصاد السعودي، ­­وتسعى كذلك إلى ألا يثقل الاقتصاد السعودي كاهله بمزيد من الأعباء، خاصة ما يتعلق بالمعونات الخارجية؛ كي لا يخلق مشكلات اقتصادية داخلية، وقد شهدت ميزانية عام 2016 عجزاً قدِّر بأكثر من 300 مليار ريال، ومن ثم فقد ينعكس ذلك على المعونات المقدمة لمصر، وإن مثلت هذه المعونات عنواناً هاماً في العلاقة بين البلدين ما بعد انقلاب السيسي.

 

 

مآل العلاقات السعودية المصرية

من المؤكد أن المملكة العربية السعودية أضحت في ساحة صراع مكشوفة وحتمية مع إيران، أهم جبهاتها اليمن وسوريا ولبنان، وباتت خطوات السياسة السعودية في صراعها مع إيران يحركها انتزاع المكاسب، ومحاولة البعد عن الخسارة، حتى صار توتر العلاقات السعودية اللبنانية واقعاً بعد عقود من توثيقها.

وتظل المملكة حريصة على جمع الصف العربي في وجه التمدد الإيراني، وإن ظهر في الحالة اللبنانية بُعد الاستجابة لمطلب المملكة في الوقوف ضد المشروع الإيراني، إلا أن الحال مع مصر مختلف، وذلك لدخول مصر في التحالفات التي أنشأتها المملكة، ومشاركتها في المناورات التي تجري في شمال السعودية. إلى ذلك، يبقى الامتناع المصري عن إصدار موقف واضح من التدخلات الإيرانية في المنطقة، وانكسار موقفها تجاه سوريا الذي تعبر فيه عن تأييدها للحل السياسي من دون تعرض لجرائم نظام الأسد والتدخل الروسي، وخطر الوجود الإيراني والميليشيات الشيعية المقاتلة في سوريا، منعطفاً قد يؤثر في علاقة المملكة بمصر، لذا فمن المتوقع أن يظل الموقف المصري في الملف السوري من دون تغير؛ محكوماً بعلاقتها مع روسيا وتركيا، وربما تضغط المملكة على الجانب المصري في التصريح باستنكار التدخلات الإيرانية المستمرة والمهددة لدول المنطقة، ومنها على وجه الخصوص دول الخليج، مع الحفاظ على علاقات ودية بين المملكة ومصر، إذ إن توتر العلاقة مع مصر الشقيقة ليس في مصلحة المملكة في أجواء تسودها المواجهة على أكثر من جبهة بالنسبة إليها، وهذا هو السيناريو الأرجح.

يبقى التكهن بتوتر العلاقة بين مصر والسعودية وارداً في حال امتنعت الحكومة المصرية عن تبني موقف رافض للتدخلات الإيرانية والروسية في سوريا، يترافق مع الدعوة إلى رحيل بشار الأسد عن السلطة، في حال أصرت السعودية على طلب ذلك من النظام المصري، وهو ما قد يدفع المملكة إلى استخدام ورقة رفع الدعم عن الحكومة المصرية إذا علمنا أن دول الخليج الداعمة أيضاً للنظام المصري تحذو حذو المملكة في سياساتها الخارجية فيما يتعلق بمواجهة التمدد الإيراني في المنطقة.