يرجى تدوير الجهاز الى الوضع العامودي للحصول على افضل طريقة عرض لموقعنا

مقدمة

عام مر على إعلان تنظيم الدولة "داعش" تأسيس الخلافة، ومبايعة أبي بكر البغدادي خليفة، وتزامناً مع هذه المناسبة نفذ التنظيم سلسلة من العمليات الانتحارية، توزعت على ثلاث قارات من جغرافيا العالم، طالت الكويت وتونس وفرنسا، أشاد بها المتحدث باسم التنظيم "أبو محمد العدناني" في خطابه الأخير الذي كان بعنوان: "يا قومنا أجيبوا داعي الله".

هذا التوزيع الجغرافي يحمل في طياته عدة رسائل أراد التنظيم إيصالها، أهمها أن العالم أصبح تحت رحمته، وأنه بات يمتلك قدرة تنظيمية هائلة تمكنه من استهداف أماكن متعددة حول العالم في وقت واحد، كما أنه وجه رسالة غير مباشرة لتنظيم القاعدة مفادها أنه هو من أصبح يمثل الشبكة العالمية للتيارات الجهادية.

السعودية هي الأخرى أصبحت في مرمى نيران التنظيم، فقد أعلن مسؤوليته عن التفجيرين الأخيرين اللذين استهدفا مساجد تابعة للطائفة الشيعية في 22 و29 أيار/ مايو 2015 بالمنطقة الشرقية "القطيف والدمام"، راح ضحيتها 26 شخصاً، رفعت على إثرها السلطات السعودية حالة التأهب الأمني في البلاد. هذا، في حين يبدو أن السعودية تشير بأصابع الاتهام إلى إيران، حسب خطاب وزير الخارجية السعودي "عادل الجبير".

لتشريح المشهد الضبابي حول ملابسات الهجمات، لا بد من توضيح دوافعها، وتحديد القوى المستفيدة من ورائها ومن دخول المنطقة العربية بشكل عام، والخليج بشكل خاص، في أتون حرب طائفية تجبر عليها شعوب المنطقة العربية إجباراً، على الرغم من إدراك الجميع حجم عواقبها الكارثية على الأطراف كافة، سواء السنية منها أو الشيعية، وحتى الأسر الحاكمة لدول الخليج، فهل يكفي إدراك "كارثية العواقب"؟ أم أن الدول الخليجية بالتحديد، بوصفها "دولاً لا تزال تعيش نوعاً من الاستقرار الداخلي"، بحاجة إلى مراجعات عاجلة وجذرية؟

أولاً: دوافع الهجمات الانتحارية وأهدافها

تختلف التفسيرات حول أسباب ودوافع العمليات الانتحارية الأخيرة التي استهدفت مساجد الطائفة الشيعية في منطقة الخليج، فهناك بالتأكيد أهداف مباشرة "ظاهرة على السطح"، أفصح عنها تنظيم الدولة، وأخرى غير مباشرة تقف وراءها استخبارات دولية تجيد استثمار مرحلة ما بعد التفجيرات.

 1- الأهداف المباشرة:

 من خلال تحليل خطاب المتحدث باسم التنظيم "أبي محمد العدناني"، الذي ألقاه في 23 حزيران/ يونيو 2015، يتبيّن أنه محشو برسائل للخصوم وموجّهات للأتباع، يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط رئيسية:

  • النقطة الأولى: بعث برسالة إلى سنة العراق مفادها أن جرائم المليشيات الشيعية، المتمثلة في ما يسمى بـ"الحشد الشعبي"، في حقهم لا يمكن التصدي لها إلا بالتحاقهم بركب مجاهدي التنظيم؛ باعتباره الممثل والمدافع عن حقوق المسلمين السنة، وإلا فليستعدوا للموت والإذلال والمهانة، وهذا يعني أن سُنة العراق بين خيارين لا ثالث لهما؛ "الإرهاب والإرهاب المضاد"، في ظل غياب جماعات وأحزاب سنية معتدلة قادرة على الدفاع عن المجتمع السني هناك، منذ تسليم الملف العراقي لإيران.

 

  • النقطة الثانية: حاول إذكاء الصراع الطائفي في المنطقة؛ حيث إنه- أي العدناني- لم يشر إلى إيران ونظام الأسد وتحركاتهم في المنطقة خلال خطابه كأنظمة سياسية، وإنما حاول التأكيد على استمرار قتال الروافض الشيعة والصليبيين والعملاء من حكام العرب، كما أسماهم.

 

  • النقطة الثالثة: رفع معنويات أتباع التنظيم في الداخل والخارج؛ من خلال سرد إنجازات التنظيم وإظهار قدرته على المقاومة والتحدي، كان أهمها مبايعة وانضمام أطراف أو تنظيمات جديدة للتنظيم، أهمها قيام ولاية "خراسان"، الذي يعد ضربة قوية لتنظيم القاعدة في أفغانستان المتمثل في حركة طالبان.

 

الأهم في الأمر هو دعوة العدناني وحثه على الجهاد في شهر رمضان، داعياً جميع المسلمين في جميع أنحاء العالم إلى استغلال هذه الفرصة بالتشمير للجهاد، كلاً بقدر استطاعته، للفتك بالأعداء "الروافض، الصليبيين، العملاء"، حسب وصفه. فهل يكون تفجيرُ مساجد الشيعة في كلٍّ من السعودية والكويت، وكذلك التفجيرات التي استهدفت مصنع "إيزير" جنوب شرق فرنسا، وتلك التي حدثت في مدينة ليون- التونسية؛ تلبيةً لدعوة العدناني بعد أن أعطى مجالاً للأعمال الفردية، أو ما يسمى بـ"الذئاب المنفردة"، بالتصرف المطلق، بعد أن أشار عليهم باستخدام السيارات المفخخة أو العبوات الناسفة أو حتى السكين اليدوية؟ الإجابة في ظاهر الأمر نعم.

 

 2- الأهداف غير المباشرة:

يبدو أن هناك إصراراً على إذكاء الحرب والاقتتال الطائفي في منطقة الخليج، وإقناع الرأي العام بوجوده فعلياً، بعد أن نجحت إيران في إغراق الشيعة العرب في خصومات وثارات مع إخوانهم من أبناء المكونات الإسلامية الأخرى، فحزب الله في سوريا، والحوثيون في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، في مواجهة مباشرة مع الشعوب العربية.

وهذا ما قد يجعل الشيعة العرب في عزلة عربية خطيرة، ويحشرهم في زاوية الاستهداف المباشر، مما يجعلهم في نهاية الطريق مجبرين على الانصياع لطهران للاحتماء بها، ومن ثم فليس لهم مفرّ من تلبية مطالبها الرامية إلى استخدامهم كأداة تمكنها

من السيطرة على الوطن العربي وممرات المياه الدولية كمواقع استراتيجية تزيد من حضورها الدولي، حتى لو كان ذلك على حساب حياتهم (الشيعة العرب)، واستقرار أوطانهم، لكون الخيارات باتت محدودة أمامهم.

وهذا الذي ترسم له إيران يَفرض على دول الخليج التنبه له، والمبادرة إلى تفويت الفرصة عليها، وإنقاذ مواطنيهم الشيعة من وطأة الفرس.

 

ثانياً: الدور الإيراني

أدركت إيران أن انتظار تشيُّع المجتمعات العربية من خلال الترغيب والأهازيج الروحية لم يسعفها في تحقيق أهدافها القومية، في ظل التحولات المتسارعة، فضلاً عن أن المذهب الشيعي غير قابل للانتشار في الأوساط العربية لعدة اعتبارات، سواء كانت تاريخية أو عقائدية، مما دفع تيار المحافظين في إيران إلى تبني مشروع الفرز الطائفي؛ بدعم حركات العنف المسلح، وتهميش دور الحكومات الرسمية وحتى دعاة الوسطية من أبناء الطائفة الشيعية، كما هو حاصل في العراق ولبنان واليمن. وقد تتوافق هذه السياسة مع نوايا دولية أخرى تهدف إلى إحداث تناقضات في المنطقة، لإعادة تشكيلها ديموغرافياً.

 

ثمة داوفع أخرى تقف وراء تضحية إيران بوضعية أنصارها من الشيعة "المستقرة"، في منطقة الخليج تحديداً، أهمها تخفيف الضغظ على النظام السوري وحزب الله في سوريا، والحوثيين في اليمن، وتشتيت جهود السعودية ودول الخليج الأخرى الرامية إلى كبح جماح إيران في المنطقة، ومن ثم الانتقال إلى تهييج الشارع الإيراني ضد تيار المحافظين الحاكم حالياً، وهو أمر قد لا يبدو صعباً في ظل تزايد البطالة في أوساط الشباب تحديداً، التي قد تتخطى نسبتها 20%، فضلاً عن رغبة السواد الأعظم من الشارع الإيراني في التغيير، ما يجعل الانفجار مؤجلاً إلى حين.

 

الخلاصة: إن إيران أثناء قيام الثورات العربية عام 2011م استبشرت خيراً، كما صرح بذلك المرشد الأعلى "علي خامنئي"؛ بأن أهداف الثورة الإيرانية اقتربت من التحقق، وأشاد بـما أسماه "الصحوة الإسلامية" في المنطقة العربية، بيد أن تقديرات المرشد وتوقعاته كانت خاطئة وقتها، فقد أفرزت أول انتخابات بعد تحركات الربيع العربي تيارات إسلامية من نوع آخر، في طليعتها "الإخوان المسلمون"، في كل من مصر واليمن وليبيا وتونس.

لكن ذلك لم يكن نهاية المطاف؛ فالثورات المضادة، المدعومة خليجياً، والقائمة على إنقاذ الأنظمة السابقة في دول الربيع العربي، أعاد الأمل للإيرانيين من جديد، وبالفعل استغلت إيران الصراع الذي أنهك المنطقة وقضى على الحكومات المنتخبة شعبياً، وهي الآن أهم المستفيدين مما يجري؛ إذ إنها لم تكتف بالعواصم العربية "الأربع" كما تقول، بل إنها تدفع باتجاه دخول دول الخليج في دوامة صراع، في محاولة منها للسيطرة على المنطقة العربية برمتها، إذا ما أتيحت لها الفرصة.

 

ثالثاً: ردة فعل المجتمع الكويتي و السعودي

هنا لا بد من التركيز على ردة الفعل المجتمعية والرسمية للأطراف المعنية، بعد تفجير مساجد الشيعة في السعودية والكويت، باعتبار الوعي المجتمعي هو الركيزة الثانية بعد جدية الحكومات في إرساء ثقافة التعايش والتصدي  لمهددات وحدة النسيج الاجتماعي، وقد أظهرت الإدانات والاستنكارات في كلٍّ من السعودية والكويت حالة من الاصطفاف الوطني والمجتمعي، عكست حالة من الطمأنة في الأوساط المجتمعية بشكل عام، بل ربما تعدى الأمر إلى محاولة المجتمع والمؤسسات المدنية، بالتعاون مع المؤسسات الرسمية، تبني مشاريع وأعمال وطنية لتعزيز اللُّحمة الوطنية، ونبذ العنف الطائفي، حرصاً من الجميع على تجنب ما يحصل في دول الجوار.

المثير في هذه التفجيرات الأخيرة هو تأكيد بعض أتباع الطائفة الشيعية، خاصة من يقيمون خارج منظومة مجلس التعاون الخليجي، ضرورةَ تأسيس لجان شعبية "مسلحة" تحمي دور العبادة التابعة لهم، بحجة فشل رجال الأمن في القيام بدورهم، وهو بالتأكيد أمر مرفوض بالنسبة للسلطات الخليجية، فمن يقف وراء تلك المطالب؟ وهل ستكون مبرراً لزرع جيوب شيعية مسلحة داخل المناطق التي يقطنها الغالبية الشيعية، على غرار ما حصل في العراق 2003 بعد الغزو الأمريكي؟ وهل تمثل التفجيرات الأخيرة الجزء الطافي من جبل الثلج؟

 

رابعاً: اعتبارات محسوبة

لم تكن تفجيرات مساجد الشيعة الأخيرة في المملكة العربية السعودية ودولة الكويت أمراً عابراً واعتيادياً في نظر قيادة البلدين، بل هي بداية وراءها ما وراءها، وذلك لعدة اعتبارات؛ أولها انعكاسات الجوار الملتهب على منطقة الخليج العربي، سواء العراق من الشرق، أو اليمن من الجنوب...

 وثانيها يعود إلى فتور العلاقات الخليجية الأمريكية في مقابل تقارب الأخيرة مع العدو الإقليمي لدول الخليج "إيران"، وهو ما يوحي بتوسيع النفوذ الإيراني في المنطقة كبديل عن النفوذ الخليجي.

 أما الاعتبار الثالث، وهو الأخطر، فيكمن في اختراق إيران لمنظومة مجلس التعاون الخليجي نفسه؛ "اقتصادياً وسياسياً وحتى أمنياً"، والقيادة السعودية تدرك ذلك تماماً، ولم يكن تصريح وزير خارجيتها الأخير إلا شعوراً بحقيقة الخطر الإيراني الرامي إلى تفجير الوضع عبر أذرعها في المنطقة، فالسوق الإماراتية تبدو في يد صقور إيران، وبعيداً عن التفاصيل الجزئية، فالتيارات الليبرالية في منطقة الخليج في حالة تقارب حقيقي مع مشروع إيران في المنطقة، بل إن بعض رموز الليبرالية في الخليج يحاول تحسين صورة إيران لدى العالم العربي والخارجي.

فما يجري اليوم في أروقة مجلس التعاون الخليجي من تباين في المواقف السياسية لا يمكن وصفه بأنه اختلاف طبيعي، بل على العكس من ذلك؛ فهو مهدد جوهري وخطير قد يتسبب في انهيار المنظومة برمتها إذا لم تدرك دول المجلس ذلك وتحدد بشكلٍ دقيق أولوياتها، بيد أن القرار الخليجي في مجمله يميل إلى الرؤية السعودية، باعتبارها القوة الكبرى في دول المجلس، ما يعني أن المنطقة قد تشهد تغيرات في الجيوبوليتيك السياسية في منطقة الجزيرة العربية.

مؤخراً باتت الرؤية السعودية تتقارب مع الرؤية القطرية تجاه بعض المواقف، كالموقف من الإخوان المسلمين، والربيع العربي، ومن ثم فقد ينتج تطابق في السياسات الخارجية تجاه تركيا وإيران، في حين تقف الكويت والبحرين إلى جانب الموقف السعودي سابقاً وحالياً، وحتى مستقبلاً؛ لعدة عوامل لا مجال لذكرها، أما سلطنة عُمان فتربطها مصالح بالنظام الإيراني، مما يجعلها تنظر إلى مصالحها أولاً في الصراع الخليجي الإيراني، على الرغم من عضويتها الكاملة في مجلس التعاون الخليجي.

في حين تبقى علاقة السعودية بدولة الإمارات مرهونة بطبيعة علاقة الأولى بالربيع العربي وحركة الإخوان المتجهة إلى التحسن، أو الهدوء على أقل تقدير، وذلك وفق تقديرات المملكة بضرورة الارتكاز على قاعدة شعبية "متماسكة"، كما هو حال علاقة إيران بالتيارات الشيعية، "العربية وغيرها"، أي إن العلاقات السعودية الإماراتية في طريقها للفتور، وقد تؤول إلى التصدع.

 

احتمالات وتوصيات

من المتوقع أن تشهد بقية دول الخليج علميات مماثلة لما حصل في السعودية والكويت، كالبحرين ودولة الإمارات، وصولاً إلى سلطنة عمان، أي إن موجة العنف يُراد لها ألا تستثني أحداً، كما أنه من المتوقع أن يكون ضحايا تلك العمليات الانتحارية من التيارات الشيعية أو الأقليات الأخرى غير السنية، ليتم استثمارها لخدمة مشاريع استراتيجية كبرى، فالتضحية بأبناء الطائفة الشيعية "العرب"، وتقديمهم كقربان في مساجدهم، يعد عملية استباقية تخدم الأمن القومي الإيراني بدرجة أساسية، وتلجم من يقف في وجه المشروع الإيراني بوصمه أنه إرهابي أو يقف مع الإرهاب.

هناك علامات استفهام كثيرة تثار حول تبادل الأدوار بين "الأصدقاء الجدد"؛ تنظيم الدولة والمشروع الإيراني، فبقاء الأراضي الإيرانية في معزل عما يجري في المنطقة من عمليات انتحارية من قبل تنظيم الدولة على الرغم من عدائهم العلني بعضهم لبعض، وقرب الحدود الإيرانية من ساحات الصراع، يبعث على الشك، فماذا سيحقق تنظيم الدولة "داعش" من خلط الأوراق في منطقة الخليج، واستهداف السعودية في هذا التوقيت تحديداً، غير تأليب دول مجلس التعاون عليه وتسخير إمكاناتها لمحاربته، مع علم التنظيم أنها قد أعطت الأولوية المطلقة مؤخراً لمجابهة التمدد الإيراني؟ فهل يحاول تنظيم الدولة إعاقة مشروع التحالف العربي بقيادة السعودية عن مواصلة ضرب الحوثيين في اليمن باعتباره أولوية ملحة بالنسبة لدول الخليج؟ وهل يدرك أن ممارساته تعيد للنظام السوري أنفاسه وتعطيه فرصة للصمود أكثر؟

هذه التحركات المشبوهة والخطرة على أمن المنطقة تتطلب من الحكومات الخليجية إحداث إصلاح سياسي شامل بشكل عام، وإنقاذ أمنها القومي؛ برفع يد إيران عن أتباع الطائفة الشيعية في الخليج، من خلال تنفيذ برامج ومشاريع تعزيز الانتماء الوطني وقيم التعايش المشترك، وتعزيز المساواة الوطنية "الكاملة"، وتجنب التصادم مع هوية الشعب الدينية أو الثقافية، كخيار وطني بعيداً عن التطرف باسم الدين أو التطرف ضده، كما دأبَ عليه بعض الليبراليين في الخليج خلال العقود الماضية، مما تسبب في دخول المنطقة دوامة صراع الهويات الدينية والفكرية.