يرجى تدوير الجهاز الى الوضع العامودي للحصول على افضل طريقة عرض لموقعنا

 

ملخص

تشهد العلاقات المصرية القطرية منذ الانقلاب العسكري حالة من التوتر غير المسبوق ، وتراجعاً كبيراً على مستوى العمل الدبلوماسي والتعاون المشترك ، باستثناء بعض الأشكال التي يمكن وصفها بـ "البروتوكولية ".  

وتقوم السياسة القطرية على أن التعامل بإيجابية وأن الابتعاد عن الصدام يعزز من نفوذها الإقليمي ، وبالفعل نجحت الدبلوماسية القطرية في تقدير الموقف ، واستجابت للضغوط الخليجية للتعامل مع نظام الانقلاب المصري ، وتجاوز العزلة الخليجية.

يبحث النظام المصري عن مصادر نفوذ تمكنه من الدخول في تحالفات دولية ترسخ قواعد نظامه ، كانت الحرب على الإرهاب أسهل الطرق المؤدية لذلك ، ولكن رد مجلس الأمن الدولي كان صادماً ومفاجأً بالنسبة للنظام المصري ، حيث أكد مجلس الأمن أن ليبيا بحاجة إلى تسوية سياسية لا إلى تدخل عسكري دولي.

يبحث النظام المصري عن مصادر نفوذ تمكنه من الدخول في تحالفات دولية ترسخ قواعد نظامه ، كانت الحرب على الإرهاب أسهل الطرق المؤدية لذلك ، ولكن رد مجلس الأمن الدولي كان صادماً ومفاجأً بالنسبة للنظام المصري ، حيث أكد مجلس الأمن أن ليبيا بحاجة إلى تسوية سياسية لا إلى تدخل عسكري دولي

 

تستشرف الورقة سينار يوهين محتملين: 

  • دخول السعودية في الخط مجدداً وإنهاء القطيعة وعودة العلاقات بالحد الأدنى " قوي " . 
  • استمرار القطيعة والتراشق الإعلامي " ضعيف " .

 

مقدمة

برحيل الملك عبد الله بن عبد العزيز فقدت المصالحة المصرية القطرية وهجها ، وفتح الباب أمام تكهنات عدة حول مستقبل المصالحة ، التي يبدو أنها ماتت في مهدها ، يمكن القول بأن المصالحة تعتبر مؤشراً هاماً يمكن من خلاله تحديد مستقبل المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة .

لعبت المملكة العربية السعودية دور الوسيط الأساسي بالضغط على الطرفين تارة وتقريب وجهات النظر تارة أخرى ، ولعل تهديد قطر بإلغاء القمة الخليجية المزمع انعقادها في الدوحة ، وسحب سفراء دول خليجية من الدوحة ، إضافة إلى تشنج الخطاب الإعلامي ضد قطر ، وقد يفسر ذلك إشارة أمير دولة قطر في كلمته الافتتاحية للدورة الـ 35 لقمة قادة مجلس التعاون الخليجي قال فيها : " تعلّمُنا التجاربُ الأخيرة ألا نسرع في تحويل الخلاف في الاجتهادات السياسية وفى تقدير الموقف السياسي ، والتي قد تنشأ حتى بين القادة ، إلى خلافات تمس قطاعات اجتماعية واقتصادية وإعلامية وغيرها " .

وبالفعل نجحت قطر في ترميم علاقتها بدول الخليج الأخرى ،  وعاد السفراء لمزاولة أعمالهم بعد أن تم سحبهم في 5 / 3 / 2014م ، على خلفية دعم قطر لمناوئي نظام الانقلاب العسكري في مصر ، وبالتالي تكون قطر هي من كسب الرهان حتى الآن ، سيما وأنها لا تعاني ما يعانيه النظام المصري من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية .

مؤخراً ؛  جاء قرار مجلس الأمن لصالح موقف الجزائر وتونس وقطر، الرافض لأي ضربات عسكرية مصرية في ليبيا ، بدعوى مكافحة ما يسمى بـ " الإرهاب " ، تسبب ذلك في توجيه اتهامات لقطر بدعم الإرهاب ، من قبل ممثل النظام المصري في الجامعة العربية ، وهو ما دفع الدوحة لدعوة سفيرها للتشاور ، فضلاً عن بيان مجلس التعاون الخليجي أدان اتهام دولة قطر ، بل أنه وبصورة غير مباشرة  دفع عن قطر تهم  تبنتها " إسرائيل " ضد التحركات القطرية  في  المنطقة.

وقد راهن النظام المصري على إمكانية استجابة القوى الإقليمية والدولية المتشكلة في الحلف الدولي ضد تنظيم الدولة " داعش " ، لوضع ليبيا تحت مظلة التحالف،.

وفي هذا السياق تأتي أهمية التحليل للتنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في ظل المتغيرات المكوكية التي تشهدها المنطقة.

 

أولاً : خلفيات المواقف السياسية : 

يسعى كل طرف لتحقيق مكاسب سياسية سواءً طرفي المصالحة أو الوسطاء " السعودية " وتتثمل تلك الأهداف في الآتي :

دوافع وأهداف خليجية :

بعد الاضطرابات التي شابت العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي ، والاختلالات الناجمة عن قيام ثورات مضادة بدول الربيع العربي ، وجدت إيران الفرصة سانحة وهرولت لسد الفراغ في المنطقة ، استفز ذلك دول الخليج وجعلها تشعر بحالة من الخطر على أمنها القومي ، حينها توجب على تلك الدول الإسراع في نزع فتيل الخلافات البينية ، ليتسنى لها الانتقال إلى السيطرة على مسار الأحداث في محيطها الإقليمي والتحكم في مجريات الأحداث ، وهو ما حصل بالفعل ، ولعل ما يفسر زيارة عبد اللطيف الزياني الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي يوم أمس الأربعاء 25 فبراير2015  ، ومعه سفراء الدول الست مجتمعة ، التي التقى خلالها الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي ، بعد انتقال الأخير إلى العاصمة الاقتصادية عدن ، عقب محاصرته من قبل الحوثيين .

الأهداف المصرية :

 لا يحتمل النظام المصري المثقل بالديون والتحديات الاقتصادية فضلاً عن الاضطرابات الأمنية والسياسية ، مزيداً من الأعداء ، خاصة مع دولة تمتلك وسائل التأثير ، مالياً وإعلامياً كشبكة الجزيرة الإعلامية والتي ينظر إليها النظام المصري ، كعامل مؤثر في تأجيج الشارع المصري ، وبالتالي يمكن القول بأن مصر استجابت على الفور للمصالحة بغية تحقيق أهداف إعلامية وسياسية واقتصادية . 

إعلامياً ؛ من خلال المصالحة يهدف النظام المصري إلى إلجام قناة الجزيرة ومنعها من تغطية المظاهرات ورصد الانتهاكات في الداخل المصري .

سياسياً ؛ يسعى النظام المصري لإضعاف تحالف دعم الشرعية المناوئ لحكم العسكر " الانقلابي " بتحييد دور قطر الداعم لتحالف.

اقتصاديا ؛ يحاول النظام المصري استرجاع الوديعة القطرية المقدرة بـ 3 مليار دولار لإنقاذ النظام المصري المتهالك  وضمان حضور قطر في المؤتمر الاقتصادي المزمع انعقاده في شرم الشيخ.

المحصلة ؛  أن الإعلام المصري ومنذ بداية الانقلاب على الرئيس محمد مرسي ، يحاول تقديم صورة للشعب مفادها أن نظام السيسي نظام قوي ، يمكن الاعتماد عليه في مواجهة أي تحديات أمنية كانت أو سياسية أو حتى اقتصادية ، هذه الصورة الخيالية كلفت النظام ثمن الترويج لها وترجمتها إلى واقع فعلي ، حيث حاول اتخاذ إجراءات وقرارات تبدو أكبر بكثير من إمكانياته ، مثل ضربات عسكرية في الأراضي الليبية ، وطلب تفويض لتدخل عسكري فيها ، وكذلك قدرته في مقارعة دول تفوقه اقتصادياً ، وتتمتع باستقرار سياسي ، كتركيا وقطر الذي يصنفهم النظام على أنهم ألد الأعداء له.

الأهداف القطرية : 

لعبت دولة قطر أدواراً محورية ومرت بمرتكزات هامة وحساسة على المستوى الإقليمي والدولي ، تم على إثرها تتبع ورصد تحركاتها من قبل القوى الإقليمية الأخرى ، أهمها دولة ( إسرائيل ) التي تقود حملة دولية ضد قطر واتهامها بتمويل الإرهاب ، كما نشر مركز (بيغن للدراسات الاستراتيجية) والذي يوصف بالعقل المدبر للقرار الإسرائيلي ، وكما توعد قادة إسرائيليون في أكثر من مناسبة بملاحقة دولة قطر دولياً.

 

ثمة أهداف وراء ترحيب قطر لدعوة الملك عبد الله بالمصالحة مع النظام المصري :

حاولت قطر تجنب العزلة الخليجية ، التي تقترب منها كلما وقفت ضد نظام الانقلاب المصري المدعوم خليجياً .

الحفاظ على كينونة مجلس التعاون الخليجي ، الذي تعتقد أنه لم يتبق في المنطقة العربية مكون أقوى منه للوقوف ضد التهديدات الخارجية وحماية المصالح المشتركة .

تسعى قطر للعودة لطور البداية كدولة متميزة في حل النزاعات ، والتأكيد للعالم أنها تجيد هذا الدور تماماً ، وأنه يمكن إسناد إليها قضايا هامة في المنطقة .

 

ثانياً : تحديات مشركة

بالرغم من ترحيب الطرفين بمبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز ، ورغم أن بعض الإجراءات قد دخلت حيز التنفيذ ، مثل خفوت حدة التراشق الإعلامية حينها ، وتقديم تنازلات سريعة من الجانبين ، لإثبات حسن النوايا ، ورغم إصدار مصر قرار يفضي بإقالة مدير المخابرات اللواء " محمد فريد التهامي " والذي يُعد أحد أهم رجال السيسي ، وقد عرف بكراهيته الشديدة لحركة حماس والإسلاميين بشكل عام ، ولعل ترحيب حماس بالمصالحة واعتبارها دعماً للقضية الفلسطينية يؤكد ذلك ، وقد تناولت ذلك الصحف الإسرائيلية بشكل لافت.

قطر من جانبها قامت بإغلاق قناة الجزيرة – مصر - بشكل مؤقت حسب بيان إدارة القناة ،  كما قامت قناة الجزيرة الإخبارية بإحداث تغييرات بسيطة في سياستها التحريرية ، حيث يعتقد أن قناة الجزيرة تمثل معيار المصالحة ، ولكنها سرعان ما عادت إلى نهجها الأول بعد وفاة الملك عبد الله الراعي الأول للمصالحة ، كما هو الحال لدى الإعلام المصري الذي يفتقر إلى المهنية بشكل عام .

المصالحة تواجه تحديات شائكة ،  قد تجعل من الصعوبة بمكان التكهن بنجاح المصالحة من فشلها ، فالتعاون الأمني بين مصر وإسرائيل يشكل أحد العوائق ، ويبقى السؤال المحوري ، هل لدى النظام المصري القدرة على التخلي عن علاقته بـ ( إسرائيل ) ؟

كما هو الحال مع قطر وعلاقتها بتركيا ، التي لم تعترف بسلطة الانقلاب المصري حتى الآن ، وتعتبرها سلطة غير شرعية ، وتستضيف قيادات من تحالف دعم الشرعية المناهضة للانقلاب المصري ، بالإضافة إلى بث قنوات فضائية تابعة للتحالف من الأراضي التركية .

انشغال القيادة الجديدة في المملكة السعودية بملفات أكثر خطورة ،  قد يؤجل التوجه في المضي قدماً في تنفيذ المصالحة المجمدة .

وفي الأخير يمكن الاستنتاج بأن ما يقف في طريق المصالحة هو اختلاف المشاريع المتعارضة لكلٍّ من الطرفين ، إلا أن المخاطر والاضطرابات التي تعصف بالمنطقة بشكل عام ، قد تدفع الطرفين للتعاون والتقارب للحفاظ على المصالح المشتركة والأمن في المنطقة .

 

ثالثاً : سيناريوهات مستقبلية

إذا ما أخضعنا السناريوهات للمصالحة ،  فيمكن القول أنها ذهبت أدراج الرياح ، ولكن السناريوهات هنا تتكلم عن مستقبل العلاقات المصرية القطرية بشكل عام :

سيناريو التنفيذ النسبي :  بالرغم من المستجدات الخطيرة إلا أن الخيارات تبدو محدودة أمام جميع الأطراف ، فمن المتوقع أن تدفع المملكة نحو تهدئة الأوضاع ، والشروع في مفاوضات سياسية بين الدولتين وعودة العلاقات إلى حدها الطبيعي ، عندها يمكن للسعودية وقطر تبني حوارات بين الفرقاء السياسيين في الداخل المصري ، يتم على إثرها إشراك جميع الأطراف في الحكم ، وإطلاق السجناء السياسيين ، وهذا قد ينعكس على العلاقة بين النظام المصري وحركة حماس ، وقد يصل الأمر إلى تطبيع العلاقات مع تركيا .

سيناريو تجميد المصالحة :  وهو أن تحافظ المملكة على علاقتها بالنظام المصري بصورة متوازنة ، وتخفف السعودية الضغط على قطر بخصوص تطبيع علاقاتها مع النظام المصري ، وأن تشهد العلاقات السعودية القطرية تحسناً ملحوظاً ، ويؤسس البلدان قنوات اتصال فعالة ، يتم من خلالها بناء تحالفات إقليمية جديدة ، وقد تسعى قطر لتقارب وجهات النظر بين السعودية وتركيا ، ومن المتوقع أيضاً عدم مشاركة الإمارات ومصر في هذا التحالف ، عندها تتعرض دولة الإمارات والنظام المصري لضغوطات خليجية ، إلا إذا عاد الحكم مرة أخرى لتيار متعب بن عبد الله وخالد التويجري في المملكة ، وفي حال تركت مصر والإمارات فقد تفتحا قنوات اتصال مع إيران نكاية بدول الخليج الأخرى وتركيا . 

في حال استشعر الجميع حجم المخاطر التي تحيط بالمنطقة من بوادر حروب أهلية شاملة وتدخلات دولية غير معهودة ، فإن السيناريو الأول هو الأقرب للتحقق إن توفر شرط قبول الأطراف المصرية بالحوار برعاية خليجية ، وبضمانات دولية ، وإلا فإن السيناريو الثاني هو ما سنشهده ، أما فيما يخص التقارب السعودي التركي فيبدو أنه في طريقه للتحقق وقد يمثل تسليح المعارضة السورية " المعتدلة " نقطة البداية