يرجى تدوير الجهاز الى الوضع العامودي للحصول على افضل طريقة عرض لموقعنا

استحوذ الاستبداد السياسي منذ بداية حكم " بورقيبة " إلى نهاية حكم " بن علي " على مجريات القرار السياسي الذي أدى إلى تعطيل الحياة السياسية وهمش دور المؤسسات المدنية واستمر ذلك لعقود عدة ، مؤخراً شهدت الساحة السياسية التونسية خلال الثلاثة الأعوام الماضية أعراساً ديمقراطية متتالية بدايتها انتخابات 2011م عقب الثورة التونسية ، مروراً بإعداد دستور جديد للبلاد بعد إيقاف العمل بدستور 1959م والتي توجت مؤخراً بإجراء الانتخابات التشريعية التي جرت في 26 أكتوبر / تشرين الأول 2014 ، ما يعني أن الثورة فتحت الباب أمام الشراكة الوطنية وأطلقت العنان لمنظمات المجتمع المدني ، وهو أحد أهم مؤشرات الاستقرار السياسي وطوت صفحة حكم الحزب الأوحد ، وما يثبت ذلك نسب الأصوات المتقاربة جداً بين الأحزاب الكبرى ، بالإضافة إلى نشوء أحزاب جديدة ، وما يثير الاهتمام أيضاً أعداد القوائم الانتخابية التي بلغت 1327 قائمة فيما تلقت الهيئة المستقلة للانتخابات ما يقارب 13000 طلب ترشح لخوض الانتخابات التشريعية و 72 طلباً للمنافسة على الانتخابات الرئاسية ، وهذا مؤشر كبير للوعي والطموح السياسي .



الانتخابات الأخيرة

إعلان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس فجر الخميس 30-10-2014 للنتائج الأولية للانتخابات التشريعية حمل عدة مفاجآت نذكرها لاحقاً ، حيث حصل حزب " نداء تونس " على 85 مقعداً - أي ما يعادل 39.1 % ، وتليه حركة " النهضة " بـ69 مقعداً - وهو ما يعادل 31.79 % - ، يليها حزب " الاتحاد الوطني الحر " بـ16 مقعداً - أي ما يعادل 7.3 % ، ثم " الجبهة الشعبية " بـ15 مقعداً - بما يعادل 6.9 % - ، ثم حزب " آفاق تونس " 8 مقاعد - ما يعادل 3.68 % ، وحصلت أحزاب صغيرة وقوائم مستقلة على 24 مقعداً ، حيث يبلغ قوام المجلس 217 مقعداً ، وقد بلغ عدد الدوائر الانتخابية 27 دائرة في الداخل و6 دوائر في الخارج ، الأهم في الأمر نسبة التصويت بلغت ما يقارب 68.36 % من المسجلين في السجل الانتخابي البالغ عددهم 5.285.136 ناخباً فيما امتنع 31.64 % ، حيث يبلغ عدد سكان تونس 11.000.000 مواطن ، المسافة الكبيرة بين " النهضة " التي حلت المرتبة الثانية وبين أول حزب يليها " الاتحاد الوطني " الذي لم يحصد سوى 16 مقعداً تشير إلى أن الفترة القادمة ستشهد صراعاً واستقطاباً سياسياً بين الطرفين .



مفاجآت الانتخابات التونسية

حملت هذه الانتخابات ثلاث ظواهر مفاجئة :

مثلت عودة رموز النظام السابق حالة مشؤومة لدى المكونات الثورية " النهضة ، الجمهوري ، آفاق تونس " وغيرها من الأحزاب الثورية التي تعارض عودة حكم الدستوريين ، وتحمل " النهضة " مسؤولية تبني إلغاء قانون العزل السياسي لرموز النظام السابق الذي أتاح لهم العودة إلى الواجهة السياسية ، فيما ترى " النهضة " أن أضراراً بعيدة المدى قد تجهض المسار الديمقراطي في حال أبعدت مكونات تمتلك نفوذاً سياسياً ومقدرات مالية وبشرية كبيرة معللة بما حدث في العراق وليبيا .

حزب " نداء تونس " المحسوب على القوى الدستورية المنحدرة من " التجمع الدستوري " المنحل هو الآخر لم يكن موجوداً كصيغته الحالية في انتخابات عام 2011 ، وبعد إلغاء قانون العزل السياسي الذي أقره المجلس التأسيسي في فترة حكم الترويكا " النهضة وحلفاؤها " برز تكتل النداء الذي يضم عدة أحزاب مختلفة المشارب مثل : حزب المبادرة والحركة الدستورية ، تَصدّر النداء المشهد السياسي بل وحصوله على المركز الأول في الانتخابات الأخيرة ، لا يمكن قراءة ذلك إلا أنه ترجمة لعدة عوامل في مرحلة ما بعد الثورة " فترة حكم الترويكا " :

الأول : يوضح هذا إلى أن ثورات الربيع العربي لم تستهدف الدولة أو مؤسسات الحكم نفسها ولكنها حاولت تطهير الحكم من الاستبدادي السلطوي ، بل حرصت على أن تسير ضمن عملية انتقال ديمقراطي سلمي ، يقوم على الانتخابات ومنطق التحالفات السياسية ، مما سمح للأنظمة التقليدية القديمة إعادة إنتاج نفسها كلاً بطريقته " مصر ، اليمن ، ليبيا " ، هذا أتاح للأنظمة السابقة أخذ قسط من الراحة بعد الانهيارات المتتالية وإعادة التموقع من جديد ، وقد يرى البعض تغليب القوى الثورية الحل السياسي قبل الانتهاء من العمل الثوري خطأً جوهرياً نتج عنه ما تعيشه المنطقة اليوم .

وقد ظهر ذلك جلياً بعد تكليف القوى الثورية " الباجي قائد السبسي " لرئاسة أول حكومة بعد الإطاحة بنظام " بن علي " بعد استقالة محمد الغنوشي منها ، بالرغم أنه أحد أكبر رجال " بن علي " حيث شغل منصب رئيس الحكومة في عهد الأخير لفترة طويلة ، كما تولى وزارة الداخلية في عهد بورقيبة ، عبد الفتاح السيسي هو الآخر حظي بثقة الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي ، أما ثوار اليمن فأجمعوا على تنصيب الرجل الثاني في النظام السابق " عبدربه منصور هادي " ليصبح رئيساً للبلاد .

الثاني : استفادة الأنظمة السابقة من الصراعات السياسية داخل الجسم الثوري ، أي أن اختلافات بين مكونات الثورات لم يخدم إلا تلك الأنظمة المتجذرة في مؤسسات الدولة سيما الإعلامية والقضائية منها ، يأتي تكتل " نداء تونس " في مقدمتها الذي يضم رجال أعمال ينتمون إلى نظام بن علي ، حيث تقدم 29 رجل أعمال لخوض الانتخابات التشريعية الأخيرة ، وهذا ما يثير تخوف المكونات الثورية الأخرى ، ولا يزال نهج كيل التهم بين القوى الثورية مستمراً إلى اليوم ، في المقابل تتكون تكتلات جديدة لها موقف من الثورات العربية بشكل عام سواءً على المستوى المحلي أو الدولي ، وهذا قد يوصل مناصري الثورات إلى العض على أصابع الندم ولكن في وقت قد لا يكون مسعفاً لها .

أما الهبوط السريع فقد حظيت قوى اليسار المتمثلة في " الجبهة الشعبية " بالحظ الأوفر منه ، بيد أن ارتهان تلك المكونات الراديكالية للأفكار الأيدلوجية جعلتها في عزلة عن المجتمع ، من الملاحظ أن اليسار التونسي بمكوناته اليسارية والماركسية تعاني من مشاكل في البنية التنظيمية الداخلية ، وهذا ما أكده تراجع شعبيتها في الآونة الأخيرة ، إلا أن الجبهة تقدم نفسها كنظام بديل لحكم الدستوريين المتمثل في حزب النداء " أزلام بن علي" الذي تصفهم بالبرجوازيين أو حكم الإسلاميين ، كما أنها ترفض الدخول في حكومة توافقية مع حركة النهضة لكن صوتها لم يعد مسموعاً بتراجع شعبيتها في الفترة الأخيرة .

الحزب الجمهوري لم يكن هو بمنأى عن الخسارة ، فالحزب خسر ما يقارب عشرة مقاعد كان قد حصل على 27 مقعداً في انتخابات 2011 ، بينما لم يحصل هذه الجولة إلا على 17 مقعداً ، أما النهضة فتراجعت عن المركز الأول لتصبح القوة الثانية في المجلس التشريعي ، وهذا ما قد يمكنها من لعب دور محوري في حال تحالفت مع الحزب الجمهوري بحكم توجهه الثوري الذي يعد كعامل مشترك بينهما .

يبقى السؤال الكبير هل سيتعامل حزب النداء بالمثل مع حركة النهضة والمكونات الثورية الأخرى ؟

أم أن المستقبل للإقصاء السياسي والتفرد بالحكم ؟

أثناء حكم النهضة عمد خصومها السياسيين إلى لي ذراعها وتعتيم الأجواء السياسية التي من شأنها التأثير على الملف الاقتصادي ، في حين يشكل حجر الزاوية والذي اعتبرته الحركة نقطة الانطلاقة على غرار التجربة التركية مما دفع قادة الحركة إلى تقديم التنازلات مستفيدة من التجربة المصرية بخطورة التمسك بالأحقية الشرعية والديمقراطية ، حيث وافقت الحركة على تنحي " علي العريض " ،كما تنازلت الحركة على بنود في الدستور أهمها بند الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريعات ، ووافقت بل تبنت الحقوق والحريات في الدستور ، كل هذه التنازلات لم تشفع لها عند خصومها السياسيين حيث يروا أنهم من أجبر الحركة على ذلك بحشدهم الشعبي وتظاهرات أنصارهم .

فيما ترى الحركة الأمر مختلفاً عن ذلك ، فقد أعطت بنضجها السياسي رسائل إيجابية للداخل والخارج ربما غيرت من نظرة الكثير من المراقبين عن حكم الإسلاميين الذي صوره الإعلام بالفاشل قبل أن يصلوا إليه ، وقد أكد على ذلك زعيم الحركة الشيخ راشد الغنوشي : " أن الحركة في طريقها الصحيح وأن التنازلات التي تقدمها الحركة لا تعد ضعفاً ما دامت تونس هي الرابحة ، فنحن إن خسرنا السلطة فإننا سنعود إليها ، ولكن إن خسرنا أمن تونس واستقرارها فستكون خسارة للجميع "، بهذا يجعل الحجة أكبر على حزب النداء وتحتم عليه التعامل بمسؤولية وطنية تجاه المصلحة العامة وتقديم مصلحة البلد على المصالح الحزبية والأيدلوجية .



عوامل النجاح

أصبحت تونس البلد الملهم لدول الربيع العربي التي أطاحت بأنظمة حكمت المنطقة لعقود ، إلا أن بقية بلدان الربيع العربي شهدت انقلابات عسكرية وتعطيلاً للعملية السياسية ، فيما تجاوزت تونس تحديات كبيرة كادت تعيدها إلى نقطة البداية ، ثمة أسباب أنقذتها من الانزلاق في وحل الخلافات الأيدلوجية والتجاذبات السياسية أهمها : وعي المكونات السياسية ، وإدراك المجتمع التونسي بأهمية التعايش والاصطفاف الوطني ، بالإضافة إلى استقلال وحيادية المؤسسة العسكرية الذي كان أحد عوامل نجاح الثورة ، أما على الصعيد السياسي فقدمت حركة النهضة نموذجاً يحتذى في إخراج البلاد من مخاضها الثوري إلى الإنجاز الديموقراطي الذي تفخر به اليوم ، استوجب ذلك الإنجاز جهوداً كبيرة أثرت على نشاط الحركة في الأوساط الشعبية ، لكنها استماتت في إخراج البلد من مخاطر الثورات المضادة الهادفة إلى إجهاض أهداف الثورة التونسية .

لا يمكن اختزال ما وصلت إليه تونس اليوم من نضج سياسي وروح وطنية في حنكة أو تعامل النهضة ، فهناك عدة عوامل رئيسة ساهمة في ذلك قد يعود بعضها بالفضل لـ " بن علي " نفسه يمكن سرد تلك العوامل بشكل مختصر:

أولاً : مهنية واستقلال المؤسستين العسكرية والقضائية اللتان لم تتلطخا بعفن السياسية ، وحافظتا على الحيادية والوقوف على مسافة متساوية من جميع الأطراف ، في حال استمرت ثقافة الفصل بين السلطات في تونس فإنها كفيلة بضمان مستقبل ديمقراطي واعد في البلاد .

ثانياً : دور منظمات المجتمع المدني المستقلة ، ويأتي دور " الاتحاد العام للشغل " في مقدمتها ، حيث حافظت تلك المنظمات على حيادتيها وامتناعها عن خوض غمار السياسة ولو بشكل شكلي .

ثالثاً : الروح التوافقية واستشعار المسؤولية لدى قادة التيارات والأحزاب السياسية ، وهذا أدى إلى خلق توافق وطني بعيد عن الاختلالات السياسية والانخراط نحو العنف .

رابعاً : في الوقت الذي نشاهد فيه تدخلات دولية في المنطقة العربية – خاصة من إيران - إلا أن الحالة التونسية تبدو كأنها ليست في واحة الارتهان للخارج بحجة دعم الاقتصاد الوطني " المؤقتة " ، وبالرغم من حاجتها الاقتصادية لذلك إلا أنها حافظت على قرارها السياسي في الفترة الماضية فهل تستمر حكومة النداء في ذلك ؟



مآلات المشهد التونسي

بعد أن أعلنت الهيئة المستقلة حصول حزب النداء على المركز الأول تليه " حركة النهضة " ولم يفصل بينهم إلا 4% فقط ، في الوقت الذي لم يحصد حزب " الاتحاد الوطني الحر " سوى 18 مقعداً والذي احتل المركز الثالث بعد النهضة ، ما يعني أن المستقبل للتحالفات ، بالتأكيد الأحزاب الصغيرة مضطرة للبحث عن موطئ قدم يعيدها إلى الواجهة السياسية من جديد ، هناك عدة سيناريوهات تنتظر الحالة السياسية في تونس .

قد يستأثر النداء بالحكومة الجديدة ويسعى إلى خطف رئاسة الدولة من الثوريين حيث يكتفي الحزب بالشراكة مع الأحزاب القريبة منه أو في أحسن الأحوال إدخال الجبهة الشعبية ضمن التحالف ، بهذا ستواجه الحكومة تحديات كبيرة ، أهمها :

- هشاشة الشراكة بين مكونات النداء واختلاف التوجهات والمواقف السياسية ، أولها : موقف البعض من ترشح الباجي السبسي ، وقد يؤدي ذلك إلى تصدعات وانشقاقات في صف التكتل نفسه ، واعتبر البعض أن تقديم رجل طاعن في السن لهكذا مرحلة تعد عودة إلى الخلف .

- يشكل الوضع الأمني والملف الاقتصادي عقبة كؤود أمام الحكومات السابقة واللاحقة ، حيث لم تصل أهداف الثورة إلى من قاموا بها " الطبقة الفقيرة " ، وفي حال تعثرت الحكومة في ذلك سينتج عن ذلك معارضة موحدة تضم الأحزاب الثورية والأحزاب المتضررة من النداء ما من شأنها تحريك الشارع وقلب المعادلة .

- في حال حاول النداء وحلفاؤه الخوض في بنود الدستور الجديد وغيره من المنجزات الثورية ، وقد لا يكون القرار في هذه الحالة داخلياً ، بمعنى قد تدعم دول إقليمية الملف الاقتصادي ليمكنها من التحكم في القرار السياسي ، وهذا سيثير حفيظة المكونات الأخرى ويعكر المناخ السياسي من جديد .

من المحتمل أيضاً أن تلحق القوى الثورية ما بقي لها من ماء الوجه " كرسي الرئاسة " ، وفي حال حصلت القوى الثورية على مناها في ذلك فقد تحدث شيء من التوازنات ، خاصة في المواقف الدولية والعلاقات الخارجية ، وفي هذا المضمار سيتم تشكيل حكومة تكنوقراط " كفاءات " يكون أغلبها للنداء ، وهذا ما ترحب به أطراف كثيرة مثل النهضة وغيرها ، فيما سيبقى الحزب الجمهوري الذي يترأسه الرئيس الحالي " المنصف المرزوقي " في موقفه المعارض للنداء ، وهذا قد يشكل ضغطاً ثورياً من شأنه بلورة تكتل ثالث يلعب دور النداء في الانتخابات القادمة ، ما يعني أنه الخيار الأنسب ، حيث تصبح المعركة القادمة بين مكونات ثلاثة متكافئة " الدستوريين ، الإسلاميين ، القوميين " وهذا يضمن للعملية الديمقراطية أن تظل بعيدة عن الاستئثار بالحكم .


˜وحدة الرصد والتحليل : الوحدة المكلفة في " مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث " برصد المتغيرات السياسية في المنطقة وتحليلها ، تهدف الوحدة إلى إصدار تحليلات تستشرف المستقبل في القضايا المستجدة على الساحة السياسية العربية ، يقوم بإعداد هذه الإصدارات فريق من الباحثين من داخل المركز .