يرجى تدوير الجهاز الى الوضع العامودي للحصول على افضل طريقة عرض لموقعنا

صدر عن مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث مؤلف جديد للباحث د. رفيق عبدالسلام تحت عنوان «الولايات المتحدة الأميركية بين القوة الصلبة والقوة الناعمة»، يهدف هذا البحث -حسب ما يذكر الكاتب رفيق عبدالسلام- إلى تسليط الضوء على واقع القوة الناعمة الأميركية، وصلة ذلك بظاهرة الهيمنة الواسعة التي كانت وما زالت تتمتع بها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ثم نهاية الحرب الباردة وإلى يومنا هذا. كما رصد الكاتب مجمل المتغيرات الحاصلة في المناخ الدولي العام عقب صعود المحافظين الجدد إلى سدة الحكم، وأحداث 11 سبتمبر، وتأثير هذه المتغيرات على النفوذ الأميركي في الساحة الدولية ورؤية شعوب العالم، وخصوصا في منطقة الشرق الأوسط، لدور القوة الأميركية ومدى مشروعيتها الأخلاقية والمعنوية. ورغم أن مصطلح القوة الناعمة يعد من بين المصطلحات المحدثة في مجال الحقل الأكاديمي والخطاب السياسي والإعلامي الغربي إلا أنه قد شهد انتشارا واسع النطاق منذ أن صك الباحث والسياسي الأميركي جوزيف ناي Joseph Nye هذا المصطلح بداية تسعينات القرن المنصرم. يشير الكاتب إلى أن مجريات الأحداث ومجمل التطورات التي شهدها الوضع الدولي منذ تسعينات القرن الماضي كانت تدعو فعلا إلى الزهو والاحتفاء بانتصار النموذج الأميركي المعولم على كل النماذج المنافسة الأخرى. فبعد تفكك الاتحاد السوفييتي وتوحيد ألمانيا وامتداد المنظومة الليبرالية في الاقتصاد والسياسة إلى الشق الشرقي من القارة الأوروبية، ومواطن كثيرة من إفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، لم يعد ثمة ما يوحي فعلا بأن هناك قوة ما قادرة على الوقوف في وجه النموذج الأميركي فضلا عن مقارعته والتفوق عليه. إلا أن مبالغة الولايات المتحدة الأميركية في استخدام القوة العسكرية والتوسع الخارجي، والإعراض عن كل أشكال الوفاق والتحاف الدوليين قد أحاطها بركام هائل من الكراهية بين مختلف الشعوب وسائر قارات العالم تقريبا، بما حد من انسياب قوتها الناعمة وتأثيراتها الخفية. ورغم أن التراجع الأميركي في مجال القوة الناعمة على ما يذكر الدكتور عبدالسلام لم يكن وليد حادثة احتلال العراق سنة 2003 إلا أنه ليس ثمة شك في كون هذا الحدث قد كان له بالغ الأثر على صورة أميركا وعلى نفوذها السياسي والثقافي في عموم الساحة العالمية وفي منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص. أريد للعراق أن يكون مختبرا عمليا لعقيدة المحافظين الجدد في تغيير الأوضاع جذريا في منطقة الشرق الأوسط، ومنه إعادة تشكيل الخارطة العالمية برمتها بقوة السلاح، بيد أن مجريات التدافع السياسي والعسكري في هذه النقطة من العالم بالغة التعقيد والحساسية قلبت الأوضاع رأسا على عقب. ويختم الكاتب رفيق عبدالسلام بحثه بالقول إنه ليس من المنتظر أن تتبخر القوة الأميركية من الوجود، أو أن تشهد انكسارا مريعا في وضعها لمجرد كون الجيش الأميركي بات يواجه صعوبات عسكرية في أفغانستان والعراق، أو حتى لمجرد تزايد الكراهية لها في العالم وتضاؤل قوتها الناعمة. فالولايات المتحدة الأميركية ما زالت، وستظل القوة العظمى والأولى ربما لعقود قادمة من الزمن، ولكن من المؤكد هنا أنها ليست خارج قانون التاريخ والاجتماع السياسي الذي يسري على جميع الأمم والإمبراطوريات. الولايات المتحدة الأميركية شأنها في ذلك شأن الإمبراطوريات القديمة والحديثة التي تعاقبت، السيطرة الدولية لن تستطيع الاستحواذ على مصير العالم إلى أمد لا نهائي، ومن دون أن يصيبها شيء من الضعف والتحلل سواء نتيجة تطورات الأوضاع الدولية من حولها، أو نتيجة تكاثر أخطائها ومطباتها أو لكليهما معا، وفعلا هذا ما نشهده اليوم بصورة ملموسة مصحوبا بأزمة مالية واقتصادية خانقة لا بد من أن تترك آثارها على النفوذ الأميركي في العالم. إن القراءة الثاقبة والمتمعنة للمشهدين الأميركي والعالمي توحي فعلا بأن القوة الأميركية تسير في خط تراجع وليس تصاعد، مهما بدا عليها من جبروت القوة العسكرية والعظمة الاقتصادية. وربما سيسجل التاريخ أن مرحلة بلوغ أوج القوة والمجد العالميين كانت هي نفسها بداية التراجع والانكماش في وضع الولايات المتحدة الأميركية. فقد كان سقوط المعسكر الشيوعي، ثم حرب الخليج الثانية سنة 1991 بداية التشكل الفعلي لنظام القطبية الواحدة، مثلما كانت ورطة العراق سنة 2003 وما أعقبها من تداعيات بداية التراجع الفعلي في وضع القوة الأميركية. الواضح اليوم أن العالم يمعن السير نحو تبلور نظام أكثر تعددية لن تكون فيه الولايات المتحدة الأميركية وبكل تأكيد سوى لاعب من بين لاعبين آخرين مزاحمين وليست اللاعب الوحيد، ولعل هذا ما يدخل ضمن دائرة ما أسماه الفيلسوف الألماني هيجل بمكر التاريخ